علاقة الأورثوذكسي بالآخرين
أسطر هذه الكلمات لسبب بسيط ، و هو مواجهة محنة عقلية و نفسية يجتازها قطاع ليس بقليل من المسيحيين عموماً ممن يعانون حالة من التعصب ، و لكن ليس التعصب بالمعنى المتوقع لديك – عزيزي القارئ – بل التعصب الحقيقي الذي هو حيد عن الحقيقة مقابل التقرب للعاطفة و فكر العالم ، أو المناكفة و وجع القلب.
·مقدمة في التعصب و القولبة
هناك فرق جوهري بين المبدأ و التطبيق ، فمثلاً ليس ليس معنى كلمة " ذكي " هو أي أحد يحل معادلة من الدرجة التانية بمجرد النظر. لأن حل معادلة من الدرجة التانية بمجرد النظر هو تطبيق من التطبيقات التي يتفرد بها فئة معينة و ليس كل الناس لديهم تلك القدرة ، و بالتالي هناك ذكاء بمعنى موهبة ( كالرسم أو الموسيقى ) ، و هناك ذكاء له تفسير طبي ، و آخر هو تطور لكثرة الممارسة و أسلوب التفكير بطريقة معينة ... و بالتالي ليس هناك تطبيق معين يمكن حصر كلمة " ذكاء " فيه.
و لما أراد العلماء وضع تعريف للذكاء ، لم يقولوا : الذكي هو الذي يحل معادلات بسرعة كبيرة ، أو يرسم بشكل رائع ، أو يعزف موسيقى خلابة ... و ذلك لأنهم لا يقدرون حصر تطبيقات هذا المفهوم ، و كذلك لو فرضنا إنهم حصروها ، فسيتسبب الأمر في إنه مع الزمن سيظهر نوع معين من التفرُّد في إحدى تطبيقات المستقبل ، هذا التفرد لن يكون ضمن " لستة الذكاء" ، فيُظلم .
بل إن الذكاء هو مجموعة من الخطوط العريضة التي تعلو في مفهومها المطلق فكرة حصر هذا الوصف داخل حيز التطبيقات. فلا يجوز وضعها في قوالب ، أو بكلمة أخرى : قولبتها ، و إلا سيضيع كل مفهوم يحركنا ، و نصير مجموعة من " الأشباه " أو نُسخ ساذجة تتحرك وفقاً لأهواء واضعي القوالبي ، فيتوه الصالح وسط الطالح وفقاً لصاحب الأهواء الذي وضع تعريفاً للتعصب أو الخير أو الشر أو العمالة أو الذكاء وفقاً لوجهة نظره ، فيتفاعل مع من يراه " ذكياً " و يعطيه مناصب و صلاحيات ، وبل و لأنه عرّف الذكاء بهذه الطريقة ، فجعل كل الناس يرون الذكاء في هذا الشخص ، الأمر الذي نراه في أنظمة الحكم الشمولي مثلاً ، فكل واحد نصّب نفسه رئيساً دكتاتوراً ، يجعل من نفسه المكافح ، و الحكيم ، و الرائع ، و بالتالي ، تصير الحكمة و الكفاح مرادفات لهذا الرجل ... فنختزل كل المعاني فيه ، و يضيع الطريق.
الفكرة نفسها يمكن تطبيقها على كل الأوصاف أو المفاهيم المطلقة ، التي لا يمكن حصرها في صناديق أو أشكال معينة . و لدينا مثال هو كلمة " التعصب" ، فوفقاً لواضع المفاهيم ، يصير المتعصب متعصباً و المنفتح منفتحاً.
نجد البروتستانتي مثلاً هو الأكثر " انفتاحاً و حلاوة" بينما الأورثوذكسي هو الشخص المتعصب تعصباً أعمى ، و لا يقبل غير كلامه ! بل و لا يعترف إلا بقديسيه و لا يناول غير أبناء طايفته .. إخص !
و لكن ما هو المحرك الأساسي في المسألة ؟ ما الذي يجعل الشخص "متعصباً" في وجهة نظر الآخرين ؟ و ما الذي يجعله ليس كذلك أيضاً ؟
هذا السؤال تصدى له علماء الإجتماع ، و لأني راجل مش بتاع علم اجتماع و لا غيره لأني ببساطة كل ما أمتلكه هو التفكير فقط . فإني سأضع ما أظنه " صواباً " تاركاً لك – عزيزي القارئ – حرية الرفض من القبول.
·محاولة تعريف فاشلة بس مش أوي ...
لو حاولت أن أضع بشكل عام تعريف "للتعصب" فإنه يتحتم عليا أن أتجرد من انتماءاتي و بالتأكيد من مرجعياتي ، و لكن هذا التعريف سيكون عبثي إلى حد ما إن لم يتم تطبيقه في اتجاه معين. و تطبيقه سيعيد لمرجعيتي و خلفيتي اللذين تجردت عنهما سيعيد لهما الدور مرة أخرى ، و لكن في كل الأحوال ، دعنا نكون عمليين أكثر، و لندخل في صلب موضوعنا ، فالمجتمع العربي عموماً مجتمع قوالب.
أول ما نسمع كلمة " تعصب" فإن القطاع العريض منا سيتذكر المرادف الذي تم إملاؤه علينا ، و هو قالب " عدم قبول الآخر" . مع ترك كلمة " القبول" مطاطة ، و " الآخر" أيضاً ... فيكون حال القطاع العريض من الناس الذين بطبيعتهم مجتمع قبلي يتميز بثقافة القطيع ( إمشي في الطابور ، أو مع الأغلبية ، أصل مش معقول كل دول غلط ... ) .
و يبدأ الشخص من واقع ثقافته يقول : إن قبول الآخر يمكن أن يكون بعدم منعه من أي شيء و إلا المجتمع سيلقي عليا بكلمة " متعصب "!!!
القبول من المنطلق العالمي ، و استخدامه في المنطلق المسيحي ... مثلاً : إن الأورثوذكس متعصبون لأنهم يرفضون سيامة النساء ، أليس هذا ضرب من التعصب و التخلف و التهود و الرجعية ... إلخ ؟! فيرد الأورثوذكسي البسيط الواقع تحت نفس المرجعيات العالمية ( الذي حاله حال البروتستانت، يتخذ من قناة ميلودي أفلام أو إعلانات ميلودي تتحدى " الملل" مرجعية له في الإختيار و الوصف) بأن الموضوع مش كدة و يبدأ يعيط. لكن الإجابة بسيطة جداً ، و
هي إجابة الأب ألكسندر شميمان : (( يجب ألا نفهم أمراً مسيحياً من منظور غير مسيحي ، يجب ألا نحكم على هذه القضية المسيحية بالذات من منظور الأنثروبولوجية العالمية ، بل من خلال الأنثروبولوجية المسيحية ، و التي فيها يكون الرجل رأس " مسئول" المرأة )) بس خلاص !
فلماذا يجب أن نتقيد بالأنثروبولوجية البروتستانتية أو العالمية ؟ العالم لا يقبل أن نؤمن بأن قطعة خبز موضوعة على المذبح تصير جسد رب البرايا ، مش كدة بردو !؟ .
يأتي آخر و يقول أليس من التعصب رفض الشواذ جنسياً في الشركة الإفخارستية ؟ أليس هذا " تخلف " و " رجعية " ؟
أقول له كما قال قداسة البطريرك أليكسي الثاني في وجه البرلمان الأوروبي من أيام : [نحن اليوم نرى جيل جديد مما يسمى " حقوق" تناقض ال" الأخلاق" ، و كيف تُستخدم " حقوق الإنسان " في تبرير التصرف الغير أخلاقي][1]
و لكن ماذا تقصد يا قداسة البطريرك بإشكالية الحقوق و الأخلاق تلك؟ فهؤلاء أيضاً عندهم " أخلاق" و للا انت راجل "متعصب " و "وحش" ؟
يرد قائلاً من نفس المحاضرة :
" إن أدخلنا الشواذ بدافع إنهم هكذا طبياً ، فلماذا لا نُدخِل أصحاب داء ال kleptomania [2] !"
و لكن لماذا يا قداسة البطريرك لا تقبل الشواذ و أصحاب داء الكليبتومانيا ، أنت لم تجب على السؤال!؟
يرد البطريرك :
"الأخلاق هي حرية الإختيار . هي حرية رأت النور كنتيجة للمسئولية في الإختيار ، الذي فيه يكون الشخص البشري يقيد نفسه من أجل الصالح له . فلو أنكرنا الأخلاقيات (بدافع علة الطبيعة البشرية كمبرر ، مثلما في الشذوذ أو الكليبتومانيا) فإننا ننكر أيضاً الحرية" و هو صدى لنفس كلمات معلمنا بولس الرسول الذي قال :
[ اذا لا تملكنّ الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته. 13 ولا تقدموا اعضاءكم آلات اثم للخطية بل قدموا ذواتكم للّه كاحياء من الاموات واعضاءكم آلات بر للّه. 14 فان الخطية لن تسودكم لانكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة 15 فماذا اذا.أنخطئ لاننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة.حاشا. 16 ألستم تعلمون ان الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة انتم عبيد للذي تطيعونه اما للخطية للموت او للطاعة للبر. 17 فشكرا لله انكم كنتم عبيدا للخطية ولكنكم اطعتم من القلب (و هو جزء غير معترف به أخلاقياً أو علمياً ) صورة التعليم التي تسلمتموها (البرادوسيس الذي ينكره البروتستانت) 18 واذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيدا للبر. 19 اتكلم انسانيا من اجل ضعف جسدكم ( أي أن بولس لم ينكر الضعف البشري ، لكن لا تسود الطبيعة على الشخص الحامل للطبيعة كما سيظهر في باقي الآية).لانه كما قدمتم اعضاءكم عبيدا للنجاسة والاثم للاثم هكذا الآن قدموا اعضاءكم عبيدا للبر للقداسة].(رو 6 : 12 – 18 )
العالم لا يضع في حسبانه النعمة ، و لا يجرؤ أن يقول قولة بولس الرسول إنه يمكن أن نسود على الطبيعة ، هذا أمر مفروغ منه في كل مفاهيم الأخلاق ethics الموجود في الكتب و الدساتير التي طوعت كل شيء لراحة الجانب المرئي من الإنسان.
و بهذه الكلمات بدأ البطريرك أليكسي يُرسي قاعدة تفكير في مواجهة قاعدة تفكير أخرى ، و قاعدة التفكير هي إن الكنيسة مؤسسة إلهية لها مرجعية إلهية في التقييم ، فقال في نفس الكلمة التي " قذفها " في وجه البرلمان الأوروبي :
[لا يجب على أي أحد أن يجبرني أو يجبر إخوتي و أخواتي في الإيمان أن نصمت أو أن يمنعنا من استخدام كلمة " خطيئة" في شيء يسمى " خطيئة" في كلمة الله ( الكتب المقدسة) ]
يعني احنا في وادي و انتوا في وادي... و هي أيضاً خلاصة استنتاج بولس الرسول : [1 كورنثوس 1: 18 فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة واما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله]
و شرحه لهذا الإستنتاج كان : [13 التي نتكلم بها ايضا لا باقوال تعلّمها حكمة انسانية بل بما يعلّمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات.
14 ولكن الانسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لانه عنده جهالة.ولا يقدر ان يعرفه لانه انما يحكم فيه روحيا. (1 كو 2 : 13 ، 14 )]
فكان رد فعل اللورد Mr. Russell-Johnston منطقي جداً لما وصف كلام البطريرك أليكسي إنه كلام " تافه ridiculous" و وصفه للخطاب بأنه خطاب : متهكم و غير متسامح ، متعصب repeated his aggressively intolerant position
[2] هؤلاء عندهم خلل نفسي يجعلهم يستلذون بسرقة الأشياء الصغيرة كالأقلام و الأوراق و الأكواب .. إلخ
المفضلات