الإنسان أخو الإنسان

بدعوة من المركز الثقافي في جوبر – 29\4\2008وحضور مديره الأستاذ فايز الخطيب تحدث غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع في موضوع العيش المشترك فقال:
أشكر الأستاذ فايز الخطيب مدير المركز الثقافي لتكرمه بدعوتي إلى هذا المكان، وهذه ليست المرة الأولى التي ألتقي فيها نخبة من المستمعين الكرام، وهذا يعني لي الكثير. وإذا كنا نتكلم عن العيش المشترك فهذا يعني أن هذا الاجتماع هو لقاء مشترك. ونحن سعداء بأن نكون الآن مع المواطنين الذين معهم جميعاً نصنع الوطن. وهذا شيء نعتز به كثيراً.
أول ما يجب أن أقوله هو أنني أسمع الأجانب يتساءلون بل يسألون: هل من حوار عندكم بين المسلمين والمسيحيين؟ وما هو وضع العيش المشترك فيما بينكم وبين المسلمين؟ أنا أستغرب أن يطرح مثل هذا السؤال بطريقة غير رصينة كما لو كان الغريب يجهل جوابه أو أن يكون أقرباؤنا هم أنفسهم يجهلون ذلك.
ليس عندنا أحد يشكل موضوع جهل واستغراب بالنسبة للحياة في هذا البلد. نحن نقول بأن هذا البلد لم يخل طوال تاريخه من المسيحيين وأن تاريخ الإسلام فيه يبدأ منذ نشأة الإسلام. ونحن وآباؤنا وأجدادنا لسنوات طويلة خلت نولد هنا ونموت هنا. نحن هنا لسنا مستوردين وأصولنا متجذرة في هذا البلد. ونؤمن بأن الإسلام حدث مهم جداً بالنسبة للمسلم. وأن هذا الحدث يعني كثيراً للمسيحيين أيضاً.
ولا يظنن أحد أن اللغة العربية نخص فئة معينة من السوريين أو غيرهم. لا فنحن نشاركهم في كل شيء.
أتوجه إلى الأجانب لأقول لهم: نحن نمارس العيش المشترك، لأن العيش المشترك عندنا ليس فكرة نناقشها ولكنه واقع نأمل أن يزداد غنىً. وهل هو في حاجة لأن نزداد به غنى؟ الجواب نعم. ونحن عندنا مسؤولية تجاه ذلك. وإذا كنا نظن أن حياتنا المشتركة تمر أحياناً ببعض الخلافات وسوء الفهم، وأن الأمور يحب أن تكون على غير ما هي فأنا أسأل كل من يؤمن بالله متى كان الناس جميعاً على فكر واحد؟ أنا لا أعرف في التاريخ ولا في الجغرافيا... إن هنالك جماعة يكون فيها كل واحد صورة طبق الأصل عن الآخر. أليس هذا من نسج الخيال. إن هذا خارج على إرادة الله "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" أي لكان كل واحد صورةً طبق الأصل من الآخر. وأنا الآن أود أن أذكر الذين يهمهم أن يتذكروا: إذا كان الله هو الذي خلقنا، وأن لديانة المسيحية ليست موحدة فهذا يعني أنه لا يعرف شيئاً عن المسيحية وعليه أن يدرس المسيحية جيداً. لأنه في الحقيقة نجد أن الدارسين الجادين للآخر هم قلة عندنا وعليه يجب أن ندرس ويجب أن نفهم.
أنا ابن قرية. وفي القرية كان عندنا جيران مسلمون وكنا نلتقيهم في كل يوم، وكنا نعيش كعائلة واحدة. والكتاب المقدس يذكِّر كل واحد منا: قريبك مهم جداً بالنسبة إليك وأنت من يجعله قريباً بعمل الخير معه. لا تنتظر المبادرة من الآخر بل أنت كن البادئ بالتقرب منه ليصبح قريبك. يمكنك أن تجعله عدواً ويمكنك أن تكون الفاعل في الموضوع فتجعله صديقاً. لذلك عندما نرى فلاناً يبتعد عنا يجب أن نتساءل عن السبب لأنه مطلوب منا أن نجعله يحبنا. أنا أحب المؤمنين بأن الفضيلة فضيلة نوعية وهي نمط من العيش لا يمكنك أن تمارسه إلا مع الآخر.
في وقت مضى قامت حركة الوجوديين في فرنسا وكان موضوعهم الرئيس هو: لماذا يكون الآخر بالنسبة إلينا جهنم؟ والجواب: لأنه حيث أكون أنا أو حيث يكون الآخر فهو يشغل مكاناً لا لا يمكنني أن أشغله أنا لأنه قد سبقني إليه. أي أن الآخر يشغل مكاناً في الوجود لو كان فارغاً لشغلته أنا.
في الكتاب المقدس والتعليم المسيحي نتعلم أننا عندما ننظر إلى الآخر فكأننا ننظر إلى أنفسنا لأن الآخر هو مرآتنا. فإذا شئت أن تعرف نفسك جيداً فانظر إلى الآخر. اسأله إن كان يتوجع أو أنه مظلوم أو محتقر ولا أحد يبالي به فقل إن الخطأ هو فيك وأنت صح الذي لا يسلك الطريق القويم. فهذا الإنسان الذي لا تحبه وضعه الله في وجهنا وأرسل ابنه الوحيد كفّارة عن خطايا الجميع. فالله لا يخلق إنساناً و يهمله. إنه يحب الجميع وعليك أنت أن تحب جميع مخلوقات الله الذين وضعهم الله في وجهك. وهؤلاء هم الذين يجب أن تعيش معهم وأن تكون وفياً لهم وأن تصنع الوطن معهم. وإلا فلمن سيكون الوطن؟ والذي يقول: هذا لا أريده وذاك ليس على مزاجي... فمع من سيعيش؟ فيا أخي إن رغيف الخبز الذي تأكله صنعته أيدٍ عديدة. ونحن عندما نأخذ الخبز ونأكله نشكر الله أن أيادٍ عديدة شاركت في صنعه لأن هذا يعمي أن واحدنا له شركة مع الآخرين في طعامه وشرابه. وإذا أمطرت السماء فهي لا تمطر على إنسان بمفرده ولكنها تعم الجميع. وإذا تحرر إنسان فمعنى ذلك أننا جميعاً نشاركه حريته. وكل نظرة ضيقة تحصر الوجود بنا هي نظرة عمياء. ومن شاء أن يرى الواقع فليذهب إلى الواقع ليرى أن الله خلق أناساً مختلفي المذاهب والمشارب وأن الله لا يخلق شخصاً لا يحبه ولا يحب الخلاص وأن تكون صفحته بيضاء يوم الدينونة.
كان العرب الأقدمون لا يميزون إلا الغريب وعندما يقولون هذا غريب يعنون بذلك أنه ليس منهم. أما نحن في تراثنا وأدياننا التس نعتنقها، وهذه إشارة إلى تعدد الديانات عندنا، وهذا ما أراده الله بالفعل ولو أراد غير ذلك لكان حصل.
يوجد بشر يتحدثون وكأن الله غير موجود ويتساءلون لماذا فعل هذا أو فعل ذلك قد لا نفهم هذا الآن ولكن الأمور ستنكشف أمامنا في المستقبل. لأنه من قال إن عقلنا يساوي عقل الله وزناً؟
زارني أحد المشايخ في مكتبي وجلس أمامي ثم أخذ يتحدث ويتحدث. وفي النهاية سألني هل فهمت شيئاً مما قلته؟ وكان الجواب لا. وذلك لسبب بسيط، وهو أنك كنت تتحدث دون أن تنظر إلي وكأنك تتحدث إلى غيري. ولاحظت أنه استغرب جوابي فقلت له: يا شيخي الكريم، إذا كنت الآن تجلس أمامي فلأن ربنا أراد ذلك وقد وضعك أمامي لأتطلع إليك وأراك. والمشيئة الإلهية نفسها وضعتني أمامك لتنظر إلي وتراني. لا أحد يمكنه أن يحتكر الله وكأن الله يخصه هو فقط كما فعل الشعب اليهودي الذي دعى نفسه "شعب الله الخاص" الله ليس خاصاً فقط ولكنه خاص وعام في الوقت ذاته. والذي يقول غير ذلك فهو كمن ينكر أن الله هو رب السموات والأرض وأن لا شيء يحدث خارج الإرادة الإلهية، لذلك فنحن نحتاج إلى أن نقرأ الإرادة الإلهية في كل الأشخاص الذين نراهم لأن الله لا يخلق أحداً ليرميه على قارعة الطريق، ومات الله أن يفعل ذلك بخليقته. أعتقد أننا نحتاج إلى ان نقرأ الإرادة الإلهية في كل الأشخاص الذين نراهم، لأن الله في خليقته شجون.
نحن نصاب أحياناً بنوع من الهيجان والغضب، والدين يكره الغضب وأنتم تعرفون أن الحاكم الغضوب لا يصلح أن يكون حاكماً لأنه لا يستطيع أن يؤمِّن العدالة. نحن مازلنا غير قادرين على النظر إلى الآخر وكأن الله هو الذي أراده ولولا ذلك لما أوجده فالخالق واحد وحبه وهو الله نحن موجودون وإذا كنا نصر على أن الثالوث الأقدس هو ثالوث في الألوهة وفي كل شيء وأنه غير منفصل فهذا يعني اننا نصارع من أجل تثبيت الوحدة التي نبدأ بها دستور الإيمان: أومن بإله واحد... هذا هو دستور إيماننا يقوله كل من يعتمد ليصبح مسيحياً، يتلوه البالغ بنفسه، ويتلوه الإشبين في حال كان المعتمد صغيراً.
نحن نحتاج إلى يتعلم الناس في المدارس، وأنا أحاول أن أذكِّر المعلمين عندما ألتقيهم أنهم ليسوا موظفين ولكنهم آباء في المدرسة بقدر ما هم آباء في البيت. وأود أن نربي في التلاميذ الفكرة بأن من يعيشون معه هو أخ لهم. إنه أخوهم في الإنسانية وفي الإرادة افلهية والفضيلة والتضحية والمحبة.
إذا تطلعنا إلى أولادنا في الجوقات نجدهم يتطلعون في النهاية إلى المحبة حيث توجد فهي لا يعادلها شيء آخر. وهذا ما نتمناه.
أحياناً نتكلم مع الناس وكأنهم أعداء لنا. الناس ليسوا أعداء وأعتقد أننا في المدارس يجب أن نشدد على المعلمين كي لا يستخدموا العنف بكل أشكاله: الجسدي والروحي... ونحن ننتزع الأطفال من أحضان أمهاتهم. ونحن نعرف أن لا أحد يحب الأطفال كأمهاتهم مهما كان الظرف. لذلك يجب أن نعلم الناس أن يحترموا الآخرين وأن يحبوا أهلهم. ولنجعل المدرسة صورة جميلة للعائلة.
إذن الكنيسة عائلة كبرى وصورتها على صورة العائلة. ونحن ندعو الآب نفسه بالأب. نحن نحب النسمات الطيبة في هذه المنطقة ونحب الطبيعة الحلوة.
وعندما نريد أن نتكلم عن الإله وهو الذي ليس كمثله شيء.فكل كلماتنا عنه هي من صنعنا. ولنعلم أن الله هو رب السموات و الأرض وخالق كل ما عليها. ويهمني في هذه المناسبة أن ينفد فكر الله إلى القلوب الخالية من فكره. وأما القتل والذبح والإهانة والاحتقار ... فهي صفات عبثاً نسندها إلى الله تعالى. من صفات الله أنه "القادر على كل شيء"، وخلال مئات السنين التي لم يكن فيها الناس يقرأون ويكتبون حفظوا الوصية الأساسية: "أبب الرب إلهك من كل قلبك وقريبك كنفسك"، إذن أسلك حسب هاتين الوصيتين تكن وكأنك تحقق الإرادة الإلهية كلها. وبدونهما أنت لا تملك الإرادة الإلهية.
أيها الأحباء: أتمنى أن تتكرر لقاءاتنا حتى نفحص ذواتنا لنعرف إلى أي حد نحن لا نجعل من الله ديكتاتوراً أو جلاداً ... نحن ندعو الله أبانا الذي في السموات، ونحن عائلة لا يوجد بينها غريب. في تراثنا العربي تضع الغريب الذي يقرع بابنا في قلوبنا، نعم هذا هو تراثنا، لذلك فالغريب هو الشخص الذي يجب أن تقترب منه أو تحبه.
وتجدون الخبر أيضاً في موقع البطريركية:


من المكتب الإعلامي لبطريركية الروم الأرثوذوكس (و سيتم قريباً نشر وثيقة رافينا)