ظهرت مرحلة جديدة من العلاقات الرسمية، بين الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، وفي المؤتمرات غير الأرثوذكسية (1961-1968) التي جددت العلاقات والحوار بينهما. ومنذ ذلك، أخذت عدد من القضايا اللاهوتية والأحداث التاريخية، التي ساهمت في حدوث الانشقاق بين الكنائس، تلقى اهتماماً جديداً. وفي هذا السياق تمّ تأسيس المؤتمرات الكاثوليكية الأرثوذكسية لأمريكية الشمالية عام (1965). كما تأسست اللجنة العالمية المشتركة للحوار اللاهوتي للكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية عام (1979). وبالرغم من أن لجنة من اللاهوتيين من كنائس مختلفة، وتحت رعاية لجنة الإيمان والتنظيم في مجلس الكنائس العالمي، درست قضية الـ Filioque بعمق عام (1978 و 1979) وأصدرت "مذكرة كلينجينتال" عام (1979)، لم يتم أي نقاش مشترك جديد وشامل، من قبل ممثلي الكنيستين، للقضية حتى وقت دراستنا الحالية. وأتى أول بيان للجنة العالمية المشتركة عام (1982) تحت عنوان "سر الكنيسة والافخارستية في ضوء سر الثالوث". وناقش هذا البيان فكرة Filioque بإيجاز ضمن سياق مناقشة شاملة للعلاقة بين أشخاص الثالوث الأقدس. يقول البيان(6): "بعيدا عن رغبتنا في حل الصعوبات التي نشأت بين الغرب والشرق فيما يتعلق بالعلاقة بين الابن والروح، يمكننا مسبقاً أن نقول معا أن هذا الروح، الذي ينبثق من الآب (يو26:15) كمصدر وحيد للثالوث، والذي أصبح روح بنوتنا (روما 8:15) بما أنه روح الابن (غلا6:4) نناله بشكل خاص في الافخارستيا بواسطة هذا الابن، الذي فيه يستريح الروح في هذا الزمن وفي الأبدية يوحنا (32:1)".

وثمة حوادث عديدة في العقود الحديثة تشير إلى رغبة أكبر من جهة روما لتعترف بالصيغة الأصلية لقانون إيمان القسطنطينية. عندما زار البطريرك ديمتريوس الأول روما في 7 كانون الأول 1987، ومرة أخرى أثناء زيارة البطريرك برتلماوس الأول لروما في حزيران 1995، حضر كلا البطريركين الافخارسيتا التي احتفل بها البابا بولس الثاني في كنيسة القديس بطرس. وفي كلا المناسبتين، البابا والبطريرك قالا قانون الإيمان اليوناني، أي بدون ذكر الـ Filioque. كما قام البابا يوحنا بولس الثاني والبطريرك الروماني تيوكتيس بنفس الأمر، فقالا قانون الإيمان باللغة الرومانية في قداس بابوي في روما في 13 تشرين الأول عام 2002. أيضاً، بدأت وثيقة "عالمية يسوع المسيح والكنيسة"، التي كتبتها لجنة تعليم الإيمان في 6 آب 2000، نظرتها اللاهوتية حول مركزية تعليم الكنيسة بنص قانون إيمان عام (381)، أي بدون إضافة مصطلح Filioque. وفي حين أنه لم يُعط أي تفسير لهذه الاستخدامات لقانون الإيمان، أوحت هذه التطورات بوعي جديد، من الجانب الكاثوليكي، لفرادة أسلوب النص اليوناني الأصلي لقانون الإيمان، وهو صيغة قديمة للإيمان توحد مسيحيي الشرق والغرب. وبعد وقت قصير من الاجتماع بين البابا يوحنا بولس الثاني والبطريرك المسكوني برتلماوس الأول، الذي تم في روما، نشر الفاتيكان وثيقة "التقاليد اللاتينية واليونانية فيما يتعلق بانبثاق الروح القدس" (13 أيلول 1995). وكان القصد من هذا النص البدء بمساهمة جديدة في مجال الحوار بين كنائسنا على هذه القضية المتنازع عليها. وبالرغم من كل التحفظات، يقول النص: "تعترف الكنيسة الكاثوليكية بالقيمة المجمعية والمسكونية والمعيارية النهائية للنموذج الذي اعترفَ به، باللغة اليونانية، المجمعُ المسكوني الثاني في القسطنطينية عام (381)، كتعبير عن إيمان واحد مشترك للكنيسة ولكل المسيحيين، وما من اعتراف إيماني يخص أي تقليد ديني يتعارض مع تعبير الإيمان الذي تُعلمه وتعترف به الكنيسة غير المقسّمة". بالرغم من أن الكنيسة الكاثوليكية لا تعتبر أن الـ Filioque يتعارض مع قانون إيمان (381)، فيجب أن لا يُقلل من أهمية هذا النص، الذي ورد في بيان الفاتيكان لعام (1995). وبدأت دراستنا لـFilioque ، عام 1999، كرد على هذه الوثيقة الهامة، ونأمل أن يقود هذا البيان إلى مناقشات أكثر ايجابية في الشركة الكنسية التي اختبرناها.

ثالثاً: أفكار لاهوتية
إن أول انطباع يتخذه العقل الواعي في كل المناقشات التي تدور حول مصدر الروح القدس ضمن سر الله وحول علاقات الآب والابن والروح القدس مع بعضهم هو الاتضاع، بلا شك. ولا يمكننا أن نتكلم كثيراً عما يخص السر الإلهي، ولطالما ادعينا، وأكثر مما يجب، أن حقيقته واضحة كما يذكرنا ديوينسوس[1]: "ما من وحدة أو ثالوث أو تعددية أو أحادية أو أي شيء آخر مخلوق أو معروف لأي مخلوق بإمكانه أن يعبر عن السر الذي يفوق كل عقل ومنطق، وهو سر الله، المتعالي، والذي بطريقة فائقة الوصف يتفوق على كل شيء"(الأسماء الإلهية 3:13). ونحن كمسيحيين نعترف بإلهنا الواحد في الجوهر وغير المنقسم، وهو الآب والابن الروح القدس، ثلاثة أقانيم لا يمكن الخلط بينها ولا ينقص احدها عن الآخر، وكل واحد منها هو بالكلية إله، وبانسجام كلي مع الأقنومين الآخرين. وهذا موجز ما تعلمناه من إعلانات الله لنا عبر التاريخ الإنساني. الإعلان الذي وصل ذروته، بمعونة الروح القدس، بان نعترف بيسوع المسيح ككلمة الآب الأزلي وابن له. وبالتأكيد فان لغتنا المسيحية في كلامنا عن الله يجب أن تنسجم دائما مع الكتب المقدسة، والتقليد العقائدي للكنيسة، الذي يفسر محتوى الكتاب المقدس بطريقة معيارية. ومع ذلك، يبقى هناك مشاكل تفسيرية في تطبيق المصطلحات والنصوص الكتابية على حياة الله الداخلية، وفي معرفة متى يشير النص إلى عمل الله ضمن خطته لإنقاذ البشر، ومتى يشير إلى كيان الله بحد ذاته. كان من الممكن لموضوع الانقسام بين كنائسنا حول مسألة الزيادة Filioque، أن يكون أقل قساوة لو كان كلا الطرفين أكثر وعياً لمحدودية معرفتنا، كبشر، لله.

أعاق التحريفُ المناقشاتِ التي قامت حول تلك القضية الصعبة، كان كل من الطرفين يهزأ من موقف الطرف الأخر. على سبيل المثال، ليس صحيحاً أن التيار الأرثوذوكسي كان يعترف بانبثاق الروح من كيان الله الأزلي، كأنه ببساطة، غير متأثر بعلاقة الابن بالآب. وليس صحيحاً انه كان يعتقد بان الروح لم يكن يخص الابن في كل مرة أُرسل بها عبر التاريخ. كما انه ليس من الصحيح أيضا أن التيار اللاهوتي اللاتيني كان قد ابتدأ أفكاره حول الثالوث بشكل نظري، وبدون أي اعتبارات كتابية عن الجوهر الإلهي. أو أنهم حاولوا إثبات وتأكيد سببين للوجود الأقنومي للروح. أو أنهم أعطوا للروح القدس دوراً أقل أهمية من دور الابن، سواء كان ذلك ضمن سر الله أو في عمله الخلاصي في العالم.

من خلال دراستنا، نحن مقتنعون أن التقليدين اللاهوتيين الغربي والشرقي متفقان، منذ زمن الآباء، جوهرياً على عدد من الثوابت الأساسية حول الثالوث الأقدس. ظهرت هذه الثوابت أثناء النقاش حول مصطلح الـ Filioque:
* كلا التقليدين يؤكدان أن الروح القدس هو أقنوم (أو شخص) مميز ضمن السر الإلهي، وهو مساو في مكانته للآب والابن، وهو غير مخلوق، وهو ليس طريقة للحديث عن عمل الله في الخليقة.
* بالرغم من أن قانون الإيمان الذي وضع عام (381) لم يعلن أن الروح القدس إله، فإن كلا التقليدين يعترفان بألوهيته، وانه من نفس الجوهر الإلهي الذي للآب وللابن.
* كما أن كلا التقليدين يؤكدان بوضوح أن الآب هو المصدر الأول والعلة النهائية للوجود الإلهي، وبالتالي لعمل الله. فهو النبع الذي يخرج منه الابن والروح، وهو أصل وجوديهما، والشمس التي منها يشع وجودوهما ونشاطاهما.
* يتفق كلا التقليدين على أن الأشخاص الثلاثة في الله لهم وجود أقنومي, ويتميز أحدهما عن الأخر بعلاقته بمصدره، وليس لأي صفة أو نشاط. وبالتالي فان كلا التقليدين يؤكدان على أن أعمال لله ـ خلق العالم وما فيه وخاصة الإنسان الذي هو على صورة الله ـ هي أعمال مشتركة يقوم بها الآب والابن والروح القدس، حتى وان كان كل منهم يقوم بدور مميز ضمن هذه العمليات التي تحددها علاقة الواحد بالآخر.

ومع هذا، فإن التقليدين، الغربي والشرقي، بتأملهما في سر الله قد طورا مفاهيم وأفكار تختلف، جوهرياً، عن بعضهما البعض. ولا يمكن أن يتم شرح هذه الاختلافات ببساطة، كما أنه لا يمكن إظهارها مترادفة. ويمكن أن نلخص اختلافاتنا كالتالي:

1. المصطلحات:
إن الجدل حول مصطلح الـ Filioque هو بالدرجة الأولى جدل حول كلمات. وكما أشار عدد من الكتاب الحديثين، فإن جزء من الخلافات اللاهوتية بين كنائسنا كامنة في الطريقة التي بها تُستخدم المصطلحات للإشارة إلى الأصل الإلهي للروح. يستخدم النص الأصلي لقانون إيمان (381)، في حديثه عن الروح القدس، عبارات من يوحنا: "ينبثق من الآب" (26:15). ومن المحتمل أن يكون المجمع تأثر باستخدام غريغوريوس اللاهوتي[2]، فاختار أعضاء المجمع أن يحصروا أنفسهم بلغة يوحنا، ثم بدلوا ما ورد في النص الإنجيلي ليؤكدوا على أن صدور الروح يبدأ من أقنوم الآب الأزلي، كمصدر للوجود الإلهي. وأفضل تعبير عن وصف ذلك هو: نوع من الحركة خارج الآبmoving out of him. إن المعنى الضمني الهام للكلمة اليونانية (ekporeuesthai) هو يتقدم أو proceed، والاسم منها (ekporeusis) أي التقدم أو procession، التي تحمل معنى العبور للخارج من نقطة ما. ومنذ زمن الآباء الكابادوك، على الأقل، اقتصر اللاهوت اليوناني على استخدام هذا المصطلح للحديث عن صدور الروح من الآبcoming forth، معتبرا إياه مصطلح تقني للتعبير عن العلاقة بين هذين الشخصين الإلهيين. وعلى العكس، فإن كلمات يونانية أخرى مثل (proienai) بمعنى go forward أو يرسل، كانت تستخدم من قبل الآباء الشرقيين لتشير إلى العمل الخلاصي للروح في العالم، أي العمل الذي تممه الآب والرب القائم.

[1] Pseude Dionysius.

[2] (Or. 31.8).