الموضوع الذي قَسَمَ الكنيسة: "The Filioque"
زيادة كلمة "والابن" إلى "المنبثق من الآب"
ترجمة الأب بطرس اسبر
البيان المتفق عليه في المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي الكاثوليكي لأمريكا الشمالية
جامعة القديس بولس ـ واشنطن
ركز المؤتمر، اللاهوتي الأرثوذكسي الكاثوليكي لأمريكا الشمالية، منذ عام 1999 وحتى عام 2003 مناقشاته على قضية باتت تعرف كأحد الأسباب الرئيسية لانقسام الكنيسة لأكثر من اثني عشر قرناً: وهي اختلاف التفكير والتفسير عن أصل (أو مصدر) الروح القدس ضمن حياة الله المثلث الأقانيم. وبالرغم من أن كلا التقليدين يعترفان بالإيمان الذي طُرح في مجمع نيقية كتعبير واضح عن فهمنا لله ولتدخلاته في خليقته، وعلى الرغم من أن كليهما يتخذ النسخة المنقحة لقانون الإيمان المطروح في مجمعي نيقية والقسطنطيني الأول لعام 381، إلا أنّ معظم الكاثوليك والمسيحيين الغربيين قد استخدموا، منذ أواخر القرن السادس، النسخة اللاتينية للقانون، وهي النسخة التي تضيف في اعترافها بالروح القدس كلمة "والابن" إلى "المنبثق من الآب". فغدت هذه العبارة جزء أساسي من قانون الإيمان لدى معظم المسيحيين الغربيين، حيث أُعلنت في ليتورجية الكنائس واستخدمت كأساس للتعاليم الكاثوليكية والأفكار اللاهوتية. وهي بالنسبة للكاثوليك ولمعظم البروتستانت جزء من تعليم الكنيسة، وبالتالي فهي متمم ضروري لفهم عقيدة الثالوث الأقدس. فأحدثَ وجود هذا المصطلح، في قانون الإيمان ومنذ أواخر القرن الثامن، مشكلة لدى المسيحيين الشرقيين، لسببين: لاهوت الثالوث الذي يعبر عنه هذا المصطلح؛ ولأن عدد كبير من الكنائس الغربية قد تبنى هذا المصطلح وأضافه إلى الصيغة القانونية التي تبناها المجمع المسكوني دون الحصول على موافقة مسكونية. فمع فكرة انبثاق الروح من الابن، أخذ الخلاف بين المسيحيين الشرقيين والغربيين، منذ العصور الوسطى، طابعاً أكثر جدية. وأصبحت قضايا ومسائل هيكلية وسلطة الكنيسة، التي نشأت مع تبني هذه الفكرة أيضاً، رمزاً للخلاف ومؤشراً تقليدياً إلى ما تجده كل فئة مسيحية من نقص وتحريف في الآخر.
إن دراستنا العامة لهذه المشكلة تتم، في مؤتمرنا هذا، ضمن جو من البحث والنقاش والصلاة المشتركة، كما نأمل أن الكثير من الأوراق التي كتبها أعضاؤنا، خلال هذه التطورات، سيتم نشرها معاً كنهج دراسي لموضوعنا. ويعتبر هذا الموضوع صعب من جهتين: التاريخية واللاهوتية، وهو يدعو لشرح مفصل لإظهار الحقائق بوضوح. إن مناقشاتنا وتصريحاتنا حول إضافة مصطلح الـ Filioque لن يضع نهايةًًًً لخلافٍ استمر قرون بين كنائسنا، ولكننا نأمل في أن نساهم في نمو التفاهم والاحترام المتبادل، حتى يأتي وقت، يختاره الله، حيث لا تجد فيه الكنائس أي سبب للانقسام بسبب اعتقاداتنا وتفسيراتنا لأصل ذلك الروح، الذي ثمرته الحب والسلام.
أولاً: الروح القدس في الكتاب المقدس
في العهد القديم، يظهر روح الله أو روح الرب كقوة الله الخالقة أو كنفس الله المحيية، أكثر منه كشخص إلهي. فهو يكوّن العالم كمكان مرتب ومؤهل لسكنى البشر، وهو يُقيم أفراداً ليقودوا شعبه في طريق القداسة. نرى في الآيات الأولى من سفر التكوين: "روح الله يرف على وجه المياه" محوّلاً الفوضى إلى ترتيب (2:1). وهو نفسه الروح الذي نراه في الروايات التاريخية لشعب إسرائيل، يحرك قواد الشعب (قض25:13)، ويحول الملوك والقواد إلى أنبياء يبشرون المعذبين (1صمو61 :1) و (2مل9:2). فنرى الله يخبر موسى أنه ملأ رجلاً حرفياً من روحه، يدعى بصليئل، ليمكنه من هندسة المسكن وفقاً لتصميمه تعالى (خروج 3:31). في بعض المقاطع يظهر الروح أنه الروح القدس (مز143:10). كما نرى الوجود القيادي لروح الله في الأفراد والأمة بأسرها، مطهراً أرواحهم ومساعداً إياهم على حفظ وصاياه، إلا أنه نفسه يحزن لخطاياهم (أشعياء10:63). في رؤية النبي حزقيال عن نهوض الشعب الإسرائيلي من الموت والهزيمة والنفي، عودة روح الله إلى جثث الشعب يصبح صورة عن عمل روح الله في خلق الشعب من جديد (حزقيال 14:37)، "وأضع روحي فيكم فتحيون".
أما العهد الجديد، فيتكلم عن الروح القدس بطريقة شخصانية جداً، مرتبط بقوة بشخص ورسالة يسوع. ويوضح كل من متى ولوقا كيف أن العذراء تحبل بقوة الروح القدس الذي ظللها (متى1 :18، 20) و (لو1 :35). تثبت كل من الأناجيل الأربعة، أن يوحنا المعمدان، الذي امتلئ من الروح القدس وهو في بطن أمه (لو1 :15) قد شاهد نزول نفس الروح على يسوع أثناء معموديته، وذلك في تجلٍ واضح لقوة الله واختياره (متى16:3)، (مر 10:1)، (لو 22:3)، (يو33:1). ثم يقود الروح يسوع إلى البرية ليصارع الشيطان (متى4:1؛ لو4:1)، ويملؤه بقوة نبوية منذ بدء رسالته (لو18:4-21)، كما يعلن عن ذاته من خلال طرد يسوع للأرواح الشريرة (متى 28:12، 32). حدد يوحنا المعمدان رسالة يسوع بمعمودية تلاميذه بالروح القدس والنار (متى 3: 11)، (لو 3: 16)، (يو 1:33)، وقد اكتملت هذه النبوة في حدث العنصرة العظيم (أع 5:1) عندما نال الرسل القوة من الأعالي (لو 49:24)، (أع8:1). ونتابع في أعمال الرسل دور الروح القدس في توحيد الجماعة (31:4-32)، فهو الذي قوّى استيفان ليشهد للمسيح في حياته (55:8)، وهو بقوة حضوره بين المؤمنين الوثنين أوضح أنهم أيضاً مدعوون ليعتمدوا باسم يسوع (47:10).
تكلم يسوع، أثناء خطبته الوداعية في إنجيل يوحنا، عن الروح القدس كمتمم لعمله في العالم، بعد أن يصعد إلى أبيه. إنه روح الحق الذي سيعزي ويعلم ويقود تلاميذه (16:14-17) مذكراً إياهم بكل ما علّمه إياهم (26:14). في هذا الجزء من الإنجيل يعطينا يسوع فكرة أوضح عن العلاقة بينه وبين هذا المعزي وبين وأبيه، فقد وعدهم بأن يرسل لهم "من عند الآب"، "روح الحق المنبثق من الآب" (يو 26:15)، والحق الذي يعلمه هو الحق الذي يعلنه يسوع في شخصه (يوحنا 6:14)، "وهو سيمجدني لأنه يأخذ كلامي ويعلنه لكم، كل ما هو للآب فهو لي، ولذلك قلت لكم يأخذ كلامي ويعلنه لكم" (يو16: 14-15).
تُظهر الرسالةُ إلى العبرانيين روحَ الله يتكلم في الكتاب المقدس مستخدماً صوته الخاص (عبر 7:3 ؛8:9)، كما تُقدم رسائلُ بولس الرسول الروحَ القدس يتكلم عن يسوع أنه: "ابن الله بالقوة". فهو قوة قيامة يسوع (روما 4:1؛ 11:8). وإن هذا الروح، نفسه، يوحدنا مع الرب القائم من بين الأموات، معطياً لنا الرجاء بالقيامة والحياة (رو 11:8)، ومحولاً إيانا إلى أبناء وورثة لله (8: 14-17)، ويصلي فينا بأنات لا توصف، زارعاً فينا الرجاء (8: 23-27)، "ورجاؤنا لا يخيب لأنه سكب محبته في قلوبنا بالروح القدس الذي وهبه لنا" ( 5: 5).
ثانياً: اعتبارات تاريخية
خلال القرون الأولى للكنيسة، شهد كلٌ من التقليدين، اللاتيني واليوناني، لنفس الإيمان الرسولي، ولكنهما اختلفا في شرح العلاقة بين الأقانيم الثلاثة. هذا الاختلاف نتج عن تنوع التحديات الرعوية التي واجهت الكنيستين. واجهت الكنيسة هرطقة آريوس التي أنكرت ألوهية المسيح الكاملة، بصياغة قانون إيمان مجمع نيقية. واستمر، لسنوات، الجدال حول مسألة ألوهية السيد المسيح الكاملة وإنسانيته الكاملة، وحول ألوهية الروح القدس. في مواجهة هذه التحديات، أكد آباء الكنيسة في مجمع القسطنطينية (381) على قانون إيمان نيقية، وأضافوا عليه.
وفي النص الموسع، كان التأكيد الأكبر على "الروح القدس"، معتمدين على مقالة لباسيليوس الكبير يتحدث بها عن الروح القدس، كانت قد كتبت منذ ست سنوات. أكد مجمع القسطنطينية (381) على إيمان الكنيسة بألوهية الروح القدس، قال: "وبالروح القدس، الرب المحي، المنبثق من الآب الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء". على الرغم من أن هذا النص تجنب تسمية الروح القدس"إله"؛ أو التأكيد، كما فعل كل من أثناسيوس وغريغوريوس النزينزي، على أن للروح "نفس جوهر" الآب والابن ـ العبارات التي ستبدو، بدون شك، متطرفة للاهوتيّ تلك الفترة. أراد المجمع أن يعلن بوضوح إيمان الكنيسة بالألوهية الكاملة للروح القدس، مقاومين أولئك الذين يعتبرونه مخلوق، ولم يكن اهتمام المجمع في تحديد مصدر الروح القدس، أو الإسهاب في شرح علاقة الروح القدس مع الآب والابن.
ضاعت أعمال مجمع القسطنطينية (381)، ولكن نص قانون الإيمان الذي نتج عنه استشهد به رسمياً في تصريح أصدره مجمع خلقيدون (451) لأنه مرتبط مع قانون الإيمان المطروح في مجمع نيقية. وخلال أقل من قرن أصبح قانون مجمع (381) المقياس في تحديد الإيمان، وفي بدايات القرن السادس أصبح يتلى في الاحتفال الإفخارستي في أنطاكية والقسطنطينية ومناطق أخرى من الشرق. أما عند كنائس الغرب فالمرجح أن هذا القانون أُدخل إلى الإفخارستيا مع انعقاد مجمع توليدو الثالث (589). لكنه لم يُتلى بشكل رسمي أثناء الاحتفالات الإفخارستية في روما حتى القرن الحادي عشر، الأمر الذي سهل قبول الغرب لفكرة انبثاق الروح القدس من "الابن".
لا يوجد وثيقة قبل القرن السادس توضح كيفية إدخال الـ Filioque إلى قانون إيمان عام (381) في الغرب. أكد عدد من اللاهوتيين الغربيين الأوائل على فكرة انبثاق الروح القدس من الآب عبر الابن، كتأكيد على الوحدة التراتبية لأشخاص الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد[1]. من أولئك اللاهوتيين ترتليان الذي كتب في بداية القرن الثالث، ويؤكد على أن كلاً من الآب والابن والروح القدس يشتركون في جوهر واحد، طبيعة واحدة، وقوة إلهية واحدة[2]، وهذا كله يفيض من الآب ويُنقل بالابن إلى الروح[3]. يقول هيلاري، لاهوتي في منتصف القرن الرابع، أن "الروح القدس ينبثق من الآب ويرسل بالابن"[4] أي "من الآب عبر الابن"[5]، كأن "الآب والابن مصدراً له"[6]. وفي نص آخر يشير هيلاري إلى ( يو15:16) حيث يقول يسوع " كل ما هو للآب فهو لي، ولذلك قلت لكم يأخذ كلامي ويقوله لكم". ويتساءل هيلاري فيما إذا كان معنى أن الروح "يأخذ ما هو للابن" له نفس المفهوم أن "الروح ينبثق من الآب"[7]. ويؤكد أسقف ميلان، امبروسيوس، في كتاباته في القرن الرابع أن الروح ينبثق من الآب والابن، بدون أن ينفصل عن أي منهما[8]. على أية حال، لم يكن قصد أي من الكتّاب السابقين التحدث عن طريقة انبثاق الروح، إنما انصبّ اهتمامهم على المساواة بين الأشخاص الإلهية الثلاثة، والتأكيد على أن الآب وحده هو مصدر الوجود الأزلي.
[1] e.g., Tertullian, Adversus Praxean 4 and 5
[2] Tertullian, Adversus Praxean 2
[3] Tertullian, Adversus Praxean 8
[4] De Trinitate 12.55
[5] De Trinitate 12.56
[6] De Trinitate 2.29
[7] De Trinitate 8.20
[8] On the Holy Spirit 1.11.20
المفضلات