سيأتي بمجدٍ عظيم
د. رامي عبيد
في عام 1909، قدّم C.I. Schofield وهو بروتستانتي محافظ، الترجمة المسماة King James للكتاب المقدس، مضمناً إياها حاشية تؤكد على دور إسرائيل في صياغة تاريخ العالم في الحاضر والمستقبل، وقد كتبت [1]Grace Halsell عنه تقول: «يقول سكوفيلد: إن المسيح ليس بإمكانه العودة إلى الأرض إلى أن تحدث حوادث محددة: يجب أن يرجع اليهود إلى فلسطين وأن يستردّوا السيطرة على القدس ويعيدوا بناء الهيكل، وعندئذٍ يجب علينا جميعاً أن ندعم المعركة الكبرى والأخيرة المسماة أرمجدون Armageddon». علماً أن ترجمة سكوفيلد للكتاب المقدس هي الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة.
وفي العام 1996، انعقد المؤتمر المسيحي ـ الصهيوني الثالث برعاية السفارة المسيحية الدولية (ICEJ)، التي تأسست في 20 أيلول 1980 في مدينة القدس المحتلة ما بين 25 ـ 29 شباط، حيث أقرّ المجتمعون وبالإجماع بياناً يؤكد أن يسوع هو المسيح وسوف يعود إلى القدس، وأن الله أعطى أرض إسرائيل للشعب اليهودي وهذا يتضمن غزّة ومرتفعات الجولان ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وإن القدس يجب أن تبقى غير مُقسّمة وليس للفلسطينيين حق الإقامة فيها.
إننا في الحقيقة أمام جماعات على درجة عالية من التنظيم والتنسيق، تتمركز في الولايات المتحدة بشكلٍ أساسي، وتمتلك عدداً هاماً من شبكات التلفزة التبشيرية تدخل بيوت الملايين (منها ما يصل إلى الشرق الأوسط)، يفوق أتباعهم 45 مليوناً في الولايات المتحدة فقط، ومن بينهم كبار رجالات الكونغرس والبيت الأبيض. وهم يُعرِّفون أنفسهم بأنهم «حركة بين المسيحيين تدعم حق اليهود في العودة إلى أرض الميعاد» مُدّعية أن الله ذكر دور الأمم في عودة شعبه (أش14: 1ـ2 و49: 22).
ضلالات وسموم:
يؤمن هؤلاء بنظرية Armageddon ويبشّرون بها انطلاقاً من نصّ ورد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، تلميذ السيد المسيح وأخو يعقوب بن زبدي، في (رؤ16: 12ـ 16) «ثم سكبَ الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه لكي يُعدّ طريق الملوك الذين من مشرق الشمس... فجَمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هَرمجدون». ويشرح المبشّر الأمريكي Billy Graham ذلك فيقول: «يتحدث الكتاب المقدس عن حرب عظيمة مقبلة لم يرَ العالم لها مثيلاً وتُشارك فيها كل أمم العالم، يكون مسرحها الأساسي في الشرق الأوسط حيث تتجمّع جيوش العالم في جبل مجدو، وتُسمى معركة هرمجدون، في خضم هذه المعركة المُدمّرة، سيعود يسوع المسيح بمجدٍ وقوّة إلى الأرض ليحكم أمم العالم ويُقيم مملكته المجيدة... وستتركز جيوش العالم على بقعة تسمى هرمجدون (جبل مجدو)». وللوهلة الأولى، يُخيّل للقاريء أنه يشرح ما ورد في سفر الرؤيا، لكن أصحاب هذه النظرية يُبشرون بشيءٍ آخر، إنهم يعتقدون بضرورة اجتماع اليهود على أرض الميعاد، فلسطين كما ورد في الكتاب المقدس، وأن على المسيحيين المُخلِصين تأييد ودعم هذا العمل الذي يمثّل إرادة الله تحقيقاً لمشيئته وتمهيداً للعودة الثانية للمسيح إلى الأرض، بل وأكثر من ذلك حيث يرون كل ما تعمله إسرائيل هو بمباركة وتدبيرٍ إلهيين. ويدعمون أباطيلهم بما ورد في سفر حزقيال (حز38: 14 حتى 39: 16) في قراءة يهودية صرفة للعهد القديم.
المنظمات والهيئات المتصهينة في العالم:
نذكر أهم الهيئات التي تمثل هؤلاء والمعروفة في العالم: السفارة المسيحية الدولية في القدس المحتلة ICEJ، المؤمنون بإسرائيل من الكنيسة الانغليكانية في إسرائيل (ITAC)، أصدقاء إسرائيل المسيحيين (CFI)، أصدقاء إسرائيل المصلين (PFI)، جسور من أجل السلام BFP، الجماعة المسيحانية الأميركية AMF، الاتحاد اليهودي المسيحاني في أميركا MJAA، يهود لأجل يسوع JFJ، أخوية مريم الإنجيلية ESM، المجلس المسيحي واليهودي CCJ. وبين أهم زعمائهم المعاصرين نذكر في الولايات المتحدة: John Walvoord, Hal Lindsey[2], Jerry Falwell, Pat Robertson[3], Mike Evans, Chales Dyer وفي بريطانيا: Derek Prince, David Pawson, Lance Lambert, Walter Riggans وفي ألمانيا Basilea Schlink.
قراءة تاريخية:
منذ القرون الأولى للمسيحية كانت هناك جماعات تترقّب العودة الثانية للمسيح وتعتبرها وشيكة الحدوث، كان هذا التيار يدعى بالألفية Millenarianism (المؤمنون حرفياً بعودة المسيح الثانية ليحكم الأرض مدّة ألف عام)، وقد امتد في العالم المسيحي واتخذ موقفاً معادياً للكنيسة، إلا أنه حتى القرن السابع عشر لم يتخذ هذا التيار أي طابع يدعو لعودة يهودية إلى أرض فلسطين. في العام 1560م، شجع النائب البريطاني Henry Finch بعض اليهود على المطالبة بحقهم بالعودة إلى أرض الميعاد، مستنداً بشكلٍ أساسي لما ورد في (أشعياء43: 5ـ7) ليصبح رائد حركة المتصهينين المعاصرة. وعمد البعض من المسيحيين أيضاً إلى تفسير بعض النصوص التوراتية بأنها مقاصد الله بلمّ شمل شعبه إسرائيل من البلدان التي تشتت إليها إلى أرضهم (فلسطين)، كما في (إرميا31: 10ـ12، أشعياء60...الخ). لكن تجدر الإشارة إلى أن الدوافع الدينية لم تكن دائماً وراء فكرة ترحيل اليهود خارج أوربا، حيث كانت الكراهية لهم وتهجيرهم من روسيا دافع هام للكثيرين للتفكير بإنشاء وطن يجمعهم. ويحضرني هنا نص رسالة وجهها وزير الخارجية البريطاني اللورد Palmerston إلى السفير البريطاني في القسطنطينية، عام 1840. يقول فيها: «إن من الأهمية للسلطان أن يُشجع اليهود على أن يعودوا إلى فلسطين ويستوطنوا فيها بسبب الثروات التي سيحملونها معهم والتي ستزيد من مصادر السلطنة... وأتمنى لو يقوم سعادتكم وبقوّة بنصح الحكومة التركية أن تقدّم كل التشجيع لعودة يهود أوربا إلى فلسطين». وبين القرنين السادس عشر والثامن عشر، كانت ترتفع أصوات من هنا وهناك في أوروبا تُشير إلى أن مقاصِد الله هي في عودةِ شعبه إلى وطنهم وتدعو القادة المسيحيين إلى خدمة إرادته حتى يعود المسيح إلى الأرض كما وعد. وفي أواخر القرن التاسع عشر، حظي الصحفي اليهودي Theodore Herzl راعي المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا عام 1897، بدعمٍ هام من صديقه الحميم القس الإنجليزي الأصل William Hechler المُقرَّب من الحكومة البريطانية، إذ كتب هذا إلى قيصر ألمانيا Wilhelm II يطلب إليه تقديم الدعم لهجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. وقد أحسنَ اليهود الأوربيّون استغلال ظروف الحرب العالمية الأولى وانتزعوا وعد بلفور، حيث كان Balfour وبعض من القيادة العسكرية، ومنهم الجنرال Allenby الذي انتزع القدس من العثمانيين، من أبرز المتصهينين في بريطانيا.
أما في الولايات المتحدة فقد كان لوصول المبشّرين إليها، وبينهم عدد كبير من المتصهينين، بحثاً عن حرية دينية في عالم جديد بعيداً عن نفوذ الكنيسة البابوية، دورٌ كبير في نمو وازدهار تلك الجماعات، وخاصةً بعد أن تطلّعت إسرائيل إلى الدعم الأمريكي. كانت تلك الحركات تُناصر المطالب الإسرائيلية ورأى فيها اليهود خيرَ سندٍ فزادت من نفوذها وتغلغلها حتى باتت كالسرطان المنتشر في جسم المجتمع الأمريكي والمهدِّد بالانتشار خارجه.
كيف يتحدثون إلى العالم المسيحي؟
هذا ملخص لرسالة إذاعية مقتبسة من Stan Goodenough's «Bible Briefing» ونشرتها السفارة المسيحية الدولية في القدس المحتلة عام 1997 (هم يتحدثون عن أنفسهم ـ مترجَم ومختصَر بتصرف):
(أخيراً صار لليهود وطن خاص بهم بمأمنٍ من anti- Semitism ((أعداء السامية)) للمرة الأولى من ألفي سنة، وعودة ولادة إسرائيل هي رسالة من الله للبشرية أجمع تترجمها نبوءة حزقيال «لأنه هكذا قال السيد الرب هاأنذا أسأل عن غنمي وافتقِدها... وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتت إليها في يوم الغيم والضباب وأخرجها من الشعوب وأجمعها من الأراضي وآتي بها إلى أرضها وأرعاها...» (حز34: 11ـ15)، وقال إرميا: «هاأنذا أجمعهم من كل الأراضي التي طردتهم إليها بغضبي وغيظي وبسخطٍ عظيم وأردّهم إلى هذا الموضع وأسكنهم آمنين» (إر32: 37). إلا أن معظم العالم لم يُنكر على اليهود حقهم في أرضهم... إن عودة اليهود إلى فلسطين قد نَفَضَت غبار القرون الطويلة الذي كان يُعمي أبصار المسيحيين، وجَعلهم يُدركون حقيقة أنّ أمّة إسرائيل لا تزال تحتل مكاناً أساسياً متميزاً في التدبير الإلهي للجنس البشري، بينما لا يزال أعداء السامية ومنهم الكثير من المسيحيين يُفبركون الحقائق ويعتقدون أن اليهود يعودون إلى فلسطين لكي يواجهوا المزيد من غضب الله وقَصاصِه... هذه العودة لليهود من أربع زوايا الأرض تساعدها منظمات مسيحية كثيرة ومنها سفارتنا المسيحية الدولية في أورشليم التي يسعى أحد برامجها إلى مساعدة اليهود في العودة إلى وطنهم).
[1]ـ Grace halsell: كاتبة كانت من أتباع هؤلاء المتصهينين ثم خرجت عنهم، ترجمة د. محمد السماك.
[2]ـ Hal Lindsey: من أشهر دعاتهم وعلى علاقة طيبة جداً بالبيت الأبيض، مؤلف كتاب «آخر أعظم كرة أرضية».
[3]ـ Pat Robertson: من دعاتهم المتنفذين جداً في صفوف أعضاء الإدارة الأمريكية.
السفارة المسيحية الدولية في القدس: هيئة متصهينة أسسها مجموعة من المسيحيين المتصهينين في القدس عام 1980 وهدفها كما تعلنه بنفسها مساعدة اليهود على العودة إلى أرضهم.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات