ومن جهة أخرى فإن الكلمة اللاتينية(procedere) والاسم منها (processio) تشير ببساطة إلى الحركة إلى الأمام، بدون إشارة إلى نقطة بدء تلك الحركة؛ واستخدمت لترجمة عدد من المصطلحات اللاهوتية اليونانية الأخرى، من ضمنها (proienai). ومن الواضح أنها مأخوذة عن توما الأكويني لتكون مصطلح عام يدل على "أصل أي نوع"[1]، أي لتدل على: ولادة الابن، ونفخ الروح، ورسالته في الزمن. وكنتيجة لذلك، فإن الصدور الأولي للروح من الآب الأزلي وإرساله من الرب القائم، يُشار إليه باللغة اللاتينية بنفس الكلمة أي (procedere). في حين أن اللاهوت اليوناني يستخدم مصطلحين مختلفين. بالرغم من اختلاف التقليدين، اليوناني واللاتيني، في فهم الأصل الأزلي للروح ـ وهو بكل بساطة لفظي ـ فإن سبب القلق في الكنيسة اليونانية حول إقحام كلمة الـ Filioque في الترجمة اللاتينية لقانون إيمان (381) يمكن أن يقود كلا الطرفين، كما يقول مكسيموس المعترف[2]، إلى سوء فهم للمعنيين المختلفين المتضمنين في كلمة انبثاق Procession المستخدمة في اللغتين اليونانية واللاتينية.

2. قضايا جوهرية:
من الواضح أنه ثمة أمران أساسيان يفصلان الكنيستين الغربية والشرقية عن بعضهما خلال تاريخ مجادلاتهما حول مصطلح الـ Filioque: أحدهما لاهوتي والآخر كنسي.

أ- لاهوتياً:
إذا كانت كلمة لاهوت تفهم بالمعنى الآبائي، أي التأمل بالله المثلث الأقانيم أو التفكير به تعالى، فإن المسألة اللاهوتية التي تنشا من الحوار هي: مناقشة فيما إذا كان للابن دور في صدور الروح ـ كأقنوم أو شخص إلهي ـ من الآب، الذي هو المصدر الوحيد والنهائي للسر الإلهي. وكما رأينا، التقليدُ اليوناني اعتمد على (يو26:15) وعلى صيغة قانون إيمان عام (381) ليؤكد حقيقة أن كل ما نعرفه عن مصدر أقنوم الروح هو أنه "ينبثق من الآب"، بطريقة مختلفة عن "ولادة" الابن من الآب، ولكنها توازيها[3]. وعلى أية حال، فإن هذا التقليد يعترفُ بأنه مهمة الروح في العالم مرتبطة أيضاً بالابن، الذي نال الروح في حياته البشرية عند معموديته، ونفخ الروح على تلاميذه الاثني عشر عشية قيامته، وبعد ذلك في العنصرة عندما أرسل الروح بقوة إلى العالم. ومن جهة أخرى فإن التقليد اللاتيني يفترض، منذ زمن ترتليان، أن الروح ينبثق من الآب عبر الابن. وما يؤكد ذلك هو أن الكنيسة في ترتيبها لأشخاص الأقانيم الثلاثة تضع الروح بعد الابن. وأوغسطين يؤكد، في عدة مقالات، أن الروح ينبثق من الآب لأنه، كإله، ليس أقل من الابن[4]. وفي مقالات أخرى يقول أن الروح ينبثق أيضاً من الابن، لأن الروح يُعرف عبر التاريخ المقدس أنه عطية من الآب والابن[5]، فهو العطية التي تبدأ بتبادلهما الحب الأزلي[6]. وبوجهة النظر هذه، لا يرمي أوغسطين إلى القول أن تدخل الابن في انبثاق الروح يلغي دور الآب كمصدر وحيد ونهائي للابن والروح، وإنما أراد أن يقول: أن الابن، منذ "ولادته" من الآب أُعطي له هذا الدور، "وبالمقابل، الروح القدس أُعطي له من الآب أن ينبثق من الابن، كما ينبثق من الآب"[7].

إن أكثر الخلاف الذي وقع بين التقليدين الأولين اللاتيني واليوناني كان، بشكل واضح، سببه الاختلاف الكامن بين معنى الكلمة اللاتينية procedere والكلمة اليونانية ekporeuesthai: فكما لاحظنا، إن التعبير المستخدم "صدور coming forth" له معنى أوسع في المصطلح اللاتيني، ولا يحمل معنى المصدر النهائي الذي تدل عليه الكلمة اليونانية. وبالنسبة للاهوت اللاتيني، فإن انبثاق الروح من الابن يحمل معنى مختلف عن انبثاق الروح من الآب، حتى عندما تكوّن علاقة الآب والابن مع الروح مبدأ واحد ومصدر واحد للروح، كما ورد في شروحات انسيلم وتوما الاكويني، ووفقاً لهذين اللاهوتيين اللاتينيين فإنه عند إرسال الروح القدس، يحتفظ الآب بالأولوية ويعطي الابن كل ما لديه ويهيئ للابن كل ما يقوم به.

كما ناضل اللاهوتيون اليونان ليجدوا طريقة يعبروا بها على أن الابن، الذي يرسل الروح في الزمان، له دور الوسيط في وجود الروح الأزلي وفي عمله. على سبيل المثال، يقول غريغوريوس النيصصي، أنه يمكننا التمييز بين الأقانيم ضمن سر الله، وذلك بإيماننا أن "أحدهما هو العلة، والآخر هو من هذه العلة؛ وعن ذاك الذي هو من العلة، كما يمكننا إن نميز أمراً آخر: أحدهما هو مباشرةً من الأول، والآخر عبر ذاك الذي هو مباشرةً من الأول". إنها صفة "الوسيط" التي يقوم بها الابن في صدور الروح القدس، ويضيف غريغوريوس: أن هذه الصفة "الوسيط" تصون دور الابن الفريد، وتسمح للروح أن يقوم بعلاقة طبيعية مع الآب[8]. في القرن الثالث عشر عقد مجمع (بلاكيرنا) في عام (1285) برئاسة البطريرك القسطنطيني غرغوريوس الثاني، واتخذ هذا المجمع خطوات واسعة لتفسير النصوص الآبائية التي تكلمت عن وجود الروح "عبر الابن" بصورة متفقة مع التقليد الأرثوذكسي. واقترح المجمع: بالرغم من أن الإيمان المسيحي يجب أن يصر على أن الروح القدس يستلم وجوده وهويته الأقنومية من الآب فقط، الذي هو العلة الوحيدة للوجود الإلهي، إلا أنه يصدر ويُعلن أزلياً عبر الابن، كما يشع الضوء ويظهر من أشعة الشمس[9]. وفي القرن التالي، اقترح غريغوريوس بالاماس في عدد من أعماله تفسيراً مشابهاً لهذه العلاقة. ففي اعتراف (1351) مثلاً، يؤكد على إن "الروح القدس يأخذ الآب كأساس ومصدر وعلة"، ولكنه "يستريح في الابن"، و"يُرسل ـ أي أعلن ـ عبر الابن"[10]. وفي ما يخص القوى الإلهية المتعالية، وبعيدا عن مصطلحات مثل الجوهر أو الوجود الأقنومي، "يسكب الروح القدس نفسه خارجاً من الآب عبر الابن، وإذا أردت، من الابن إلى كل الذين يستحقونه"، وهذا التواصل يمكن أن يطلق عليه اسم انبثاق procession أو (ekporeusis)[11].

وبقي التقليدان اللاهوتيان، اللاتيني واليوناني، على خلاف واضح مع بعضهما حول تلك القضية الجوهرية، قضية المصدر الأزلي للروح، كشخص إلهي متميز. وفي العصور الوسطى أقر اللاهوت الغربي بشكل عالمي، متأثراً بتعاليم أنسيلم وتوما الاكيوني، بتمايز كل شخص من الأقانيم الإلهية من خلال علاقته مع الشخصين الآخرين، وخلص إلى النتيجة التي تقول أن الروح القدس لن يتميز أقنومياً عن الابن إذا انبثق عن الآب وحده. والمفهوم اللاتيني للانبثاق، كمصطلح عام "للمصدر"، يمكننا القول أن الابن انبثق من الآب بولادته منه. أما اللاهوت الشرقي فاستمر، معتمداً على ما جاء في يوحنا (26:15 (وفي قانون إيمان (381)، بفهم كلمة الانبثاق على أنها علاقة استثنائية ومنفردة ومميزة وسببية بين الروح والآب. ويؤكد، بشكل عام، على دور الابن في الأعمال الإلهية التي قام بها الروح فيما يتعلق بالخلق والفداء. وبالرغم من أن هذه الخلافات تبدو طفيفة إلا أنها أساسية، والتراث اللاهوتي الكامن خلف كل منهما يجعل من الصعب تحقيق اندماج لاهوتي بينهما.

ب ـ كنسياً:
مع الجدل الذي قام حول زيارة الـ Filioque، برزت منذ أواخر القرن الثامن قضية أخرى، وهي قضية السلطة التعليمية والرعائية في الكنيسة، وبدقة أكثر سلطة أسقف روما لحل المسائل العقائدية، بسبب منصبه. منذ مجمع أفسس (431)، أكد التقليد العقائدي لكل من الكنيستين، الغربية والشرقية، أن المعيار النهائي (الصحيح) في شرح الإنجيل المسيحي هو "إيمان نيقية". ويرى التقليد الأرثوذكسي أن تحقيق ذلك يتم في أتباع القوانين التي صاغتها المجامع "المسكونية"، والتي اعتبرتها الكنائس الرسولية كذلك، لأنها تعبر عن الإيمان الرسولي. كما تقبل الكنيسة الكاثوليكية الصيغ المجمعية كمعايير عقائدية، وتعطي أهمية منفردة للمجامع السبعة، التي اعتبرتها الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية مسكونية. أما أولوية أسقف روما حول قضايا الإيمان والوحدة، فالتقليد الكاثوليكي يقول أن للبابا سلطة في إثبات ما تقره المجامع، إذا كانت قراراتها تتوافق مع كل من إيمان نيقية والتقليد الرسولي. وفي حين يعتبر اللاهوت الأرثوذكسي أن موافقات الباباوات، في القرن الحادي عشر، على استخدام مصطلح الـFilioque في قانون الإيمان اللاتيني هو اغتصاب للسلطة العقائدية التي هي من حق المجامع المسكونية فقط، فإن اللاهوت الكاثوليكي يرى ذلك حق شرعي ليمارس سلطته (الأولوية) في إعلان وتوضيح إيمان الكنيسة.

ظهرت قضية الـFilioque ونالت اهتمام كبير في الوقت الذي أزداد فيه الاهتمام بالقوى والسيطرة في كنائسنا، كما أظهرت دراستنا المشتركة هذه. وتم تداولها والحديث عنها إما لتحسين العلاقات، أو كسبب لمنع وحدة الكنيستين. إن الانحراف في فهم بنية الكنيسة وممارسة السلطة فيها، كما لاحظنا أثناء مناقشة مسألة مصدر الروح القدس التي ناقشناها، هو مسألة خطيرة. وبلا شك تبقى أولوية البابا، بكل تطبيقاتها، هي السبب الرئيسي للخلافات والممارسات اللاهوتية التي تُبقي كنائسنا مقسمة. وباستمرار المناقشات حول Filioque بين الكنائس، نجد انه من المفيد أن نحتفظ بهاتين القضيتين منفصلتين عن بعضهما بشكل منهجي، وان نميز أن سر العلاقات بين الأشخاص ضمن الله يجب إن يناقش بطريقة منفصلة عن مسألة فيما إذا كان من المناسب ـ أو لم يكن ـ للكنائس الغربية أن تعترف بقانون إيمان نيقية بصيغ تختلف عن النص الأصلي لقانون (381).

3. متابعة انعكاساتنا:
كما نلاحظ، لاهوت الروح القدس هو قابل للتطور، ويبدو أن هذا الأمر صحيحاً حتى في مسألة أصل الروح القدس. على الرغم من إنه، منذ الحقبة الشارلمانية، كتب الكثير ـ مع أو ضد ـ عن لاهوت الـFilioque ، فإن معظم هذه الكتابات كانت جدلية في طبيعتها، تهدف لتبرير مواقف افترض كلا الطرفين إنها غير قابلة للتفاوض. وحتى عصرنا الحديث لم تبذل سوى جهود قليلة للبحث عن طرق جديدة للتعبير أو لشرح الفهم المسيحي الأول والإنجيلي لشخص وعمل الروح القدس، الذي يمكن أن يخدم الحوار بطريقة جديدة، ويحرك كل الكنائس باتجاه الاتفاق على القضايا الجوهرية التي تستمر مع كلا التقليدين. حديثاً، اقترح عدد من اللاهوتيين، من كنائس متعددة، أن الوقت الآن مناسب للعودة إلى مناقشة هذه المسألة معاً وبروح مسكونية حقيقية؛ والسعي لتطوير الألفاظ التي عبرت عن الإيمان الرسولي، والتي يمكن أن تنال قبول مسيحي مسكوني.

ورغم كل التحديات، فأن مؤتمرنا يدعم مشاريع لاهوتية مشتركة كهذه. ونأمل إن يحدث تطوراً جدياً فيما يتعلق بلاهوت الروح القدس، مؤسساً على الكتب المقدسة وعلى كامل التقليد المسيحي، وموجهاً نحو صيغ وتراكيب فكرية جديدة، تساعد كنائسنا على اكتشاف أبعاد جديدة لإيماننا المشترك، واحترام أكثر لحكمة أسلافنا. كما نحث كلا الكنيستين، معاً أو بشكل منفصل، على بذل جهود أكثر لإيضاح التطورات اللاهوتية والتعليمية التي أدت إلى مفهوم أولوية البابا أو أولوية المجمع، وأن هذا التطور مرتبط، بقوة، مع عمل الروح القدس في الجماعة، فهذا أمر ضروري للغاية. ويذكرنا غريغوريوس النزينزي، في خطبته اللاهوتية الخامسة حول ألوهية الروح القدس، أن الاكتشاف الكنسي البطيء لحقيقة ومكانة الروح القدس هو ببساطة جزء من الترتيب اللاهوتي، الذي من خلاله يشرق الضوء علينا تدريجياً في فهمنا لسر الله الخلاصي[12]. إذا أصغينا لما يقوله الروح القدس للكنائس، عندها سنكون قادرين على البقاء أمينين للبشارة التي كرز بها الرسل، وتبقى مهمة اللاهوت هي النمو في فهم الإيمان.


[1] (Summa Theologiae I, q. 36, a.2)

[2] (Letter to Marinus: PG 91.133-136)

[3] (تكلم عن ذلك يوحنا الدمشقي في عمله حول الإيمان الأرثوذكسي 8:1).

[4] De Fide et Symbolo 9.19; Enchiridion 9.3)

[5] On the Trinity 4.20.29; Tractate on Gospel of John 99.6-7

[6] (On the Trinity 15.17.29)

[7] (Tractate on Gospel of John 99.8).

[8] (To Ablabius: GNO III/1, 56.3-10)

[9] (trans. A. Papadakis, Crisis in Byzantium [St. Vladimir’s, 1996] 219)

[10] (trans. A. Papadakis, Crisis in Byzantium [St. Vladimir’s, 1996] 194)

[11] (Apodeictic Treatise 1: trans. J. Meyendorff, A Study of Gregory Palamas [St. Vladimir’s, 1974] 231-232).

[12] (Or. 31.27)