أنا عارف أنّك مؤمن، لكنّي عارف أيضاً أنّ حالك كحال مَن قال ليسوع: "أؤمن يا ربّ فأعن عدم إيماني". لا تحزنّن، يا حبيبي، متى لاحظت شيئاً من عدم الإيمان في نفسك في الملمّات. إيمانك باق إلى حين مختلطاً بعدم الإيمان. إذا كان الإيمان نعمة من فوق فعدم الإيمان من ضعف هذه النفس. ولكنْ اعلم أنّك كلّما حفظت الأمانة ترسّخت في الإيمان. وبالعكس كلّما استهنت بالوصيّة كلّما ترسّخت في عدم الإيمان. في كل حال، تأتيك الامتحانات لتشدّك إلى ربّك بعد أن تكون قد استرخيت. إيمانك من دون آلام يبقى نظرياً إلى حدّ بعيد. فإذا ما حلّت المعاناة تكون لإيمانك فرصة طيِّبة أن يصير عملياً. ما يحلّ بك، كلُّه من تدبير ربّك كائن. عينه عليك للمنفعة. صعب على الإنسان أن يرى خيراً في المعاناة. لذا يعتبر ما يصيبه قصاصاً. الله لا يقاصص لأنّه لا يتشفّى، كما ليروي غليله ممَن تعدّى وصاياه. هذا عمل سالب ولا أثر للسلبية عند الله المحبّة. الله يؤدِّب. هذا شأن آخر. التأديب عمل إيجابي محبّ ذو طبيعة علاجية. يؤدِّب الله برحمة. القصد من التأديب شفاء النفس. ثنائية الصحة والمرض، وكذا ثنائية الراحة والألم، هي من واقع الحياة على الأرض. الله يكلّمنا بهذه وتلك. يسمع المرء بالصحّة أحياناً، لكنّه يسمع بالمرض أكثر. في كِلا الحالَين ليس الله مَن هو وراء الصحّة والمرض. ليس هو مَن يُحْدِثهما. كلاهما من واقع السقوط البشري. لكنّ الله يكلّمنا من خلال هذا ومن خلال تلك. وإذا ما أردنا أن نعرف مَن هو وراء كليهما حقاً فالأحرى أن نعتبر الإنسان نفسَه بالأكثر العلّةَ. أما الخلل في الأساس فمن تحوّل الإنسان عن سماع صوت إلهه. الله قادر على أن يعطي العافية، وهو قادر على كل شيء. لكنّ طبيعته المحبّية تُمسِكه، بعامة، عن ضرب الإنسان بمرض أو بألم. ما يفعله بالأحرى هو جعل المرض للعافية وجعل الألم للراحة. هذا قد يحدثه الله في مستوى الجسد. قد يمرض الإنسان ثم يُشفَى بنعمة الله. أما ما يعمل عليه الربّ الإله، أولاً وقبل كل شيء، فشفاء النفس من الأهواء وتحريرُها من ربقة الخطيئة وتنقيتُها من أدران الإثم. حتى شفاء الأجساد غَرَضُ الربّ الإله منه هو صحّة النفس، أن يتوب الإنسان، أن يترسّخ إيمانه، أن يشكر، أن يتشدّد، أن يتجدّد، أن يستعيد ذكره لله. إذاً يسمح الله بالأمراض والأوجاع لكنّه لا يتسبّب بها. ويسمح بها للخير. تقوى على الإنسان أو تخفّ عنه نتيجة موقفه من ربّه. إذا تشكّى وتذمّر، إذا لام ربّه وكفر به، إذا ما اعتبر ربّه ظالماً أو قاسياً فإنّ المعاناة عليه تشتدّ. ولكنْ كلّما عرف المرء أن يُسْلِم نفسه لله وحاد عن التذمّر وصمت عن إكالة التهم لربّه كلّما خفّ حمله وهانت معاناته. "جيّد أن ينتظر الإنسان ويتوقّع بصمت خلاص الربّ. جيّد للرجل أن يحمل النير في صباه. يجلس وحده ويسكت لأنّه وضعه عليه" (مرا 3: 26 – 28).
ثمّ لا تبحث، يا إنسان، عن تفسير. يريد الإنسان أن يفهم بعقله ولا يستطيع أن يفهم. العقل صليب. لو كان الفهم ينفعنا لما حجبه الربّ الإله عنا. تدبير الله غير عقولنا وأكبر منها. لذا ليست الحاجة إلى تفسير، الحاجة هي إلى تسليم، والتسليم بحاجة إلى ثقة والثقة بحاجة إلى إيمان والإيمان بحاجة إلى حبّ والحبّ بحاجة إلى معرفة أنّه هو إياه نَفَسُنا. في معرفة المقاصد الإلهية نحن أطفال، وشأن الأطفال أن يُسلموا أنفسهم إلى أبيهم. لِمَ تَشغل نفسك يا إنسان بما هو فوق طاقتك؟! تريد أن ترتاح؟ استودع ربّك روحك! أليس هذا ما فعله يسوع من جهة أبيه لما قال وهو معلّق على الصليب: "في يدَيك أستودع روحي"؟ خفِّف عن نفسك إذاً! قل له: "لتكن مشيئتك!" "أعنّي يا ربّ!" "رحمتك يا ربّ تتبعني جميع أيام حياتي!" لا تُسلِم نفسك لموت النفس وأنت، بعدُ، حيّ بالجسد! إذا كنت قادراً على أن تصلّي فصلِّ! وإذا لم تكن قادراً على ذلك فآخرون يصلّون عنك. يكفيك أن تكون إيجابياً وأن تساعد نفسك حتى لا تقع في دوّامة الحزن واليأس. تلهّى عن نفسك بغيرك. تابع اهتمامك بالسؤال عن الآخَرين، بالاهتمام بالآخَرين، بخدمة الآخَرين. ضعْ نفسك في جو إيجابي، في جو الحياة. هذا يستلزم جهداً؟ طبعاً! هذه معركة، وقد تكون معركة العمر. المهم ألا نخسرها بالاستسلام قبل أن نخوض فيها. بإمكانك أن تتأكّد أنّ الربّ الإله معك. لا يتركك وحيداً. لن يحمّلك أكثر من طاقتك. لتكن لك ثقة به. فقط اعمل ما بوسعك وهو يهتمّ بالباقي. أنت لا تعلم ما سيحدث لك. قد تُشفى هذه الليلة. هذه العلّة، في كل حال، لمجد الله. قد يأتيك الموت وقد تأتيك سحابةُ عمرٍ جديدة. في كِلا الحالَين سيكون الله معك ويعينك. أنت بين يدين أمينتين محبّتين. قد تذوق الموت بعد حين. وقد تُعطى لك فترة إضافية كحزقيّا لتعدّ نفسك للتوبة أو لتُحدّث بمراحم الله. المهم أن تطلب، في كل حال، عِشرة ربّك لأنّه هو الحياة. موت الجسد لا بدّ آت. والذي نرجو أن يعيننا غداً يعيننا اليوم أيضاً. فإذا ما كانت ساعتنا الآن قد حانت فلنواجهها بالاتكال على رحمة الله وصلاة الكنيسة، وإذا ما كانت، بعدُ، بعيدة فسنُشفى بنعمة منه. كلُّنا يطلب من أجلك أن تُعطى صحّة النفس والجسد، لو أمكن، وكلُّنا يرجو ذلك لأنّنا نحبّ الله ونثق به وأنّه يسمع، ونحبّك، لكنّنا نطلب إليه بروح التسليم. نسأله أن يهبك لنا، لكنّنا نسأله، في آن، أن تتمّ فيك مشيئته عالمين أن مشيئته هي للخلاص، أنّنا إن عشنا فللربّ نعيش وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللربّ نحن. فإنّ الحياة لي هي المسيح والموت ربح!
أما بعد، يا حبيبي، فهذه الأيام للبَرَكة هي مهما بدت سوداء. ليست لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية. اليوم تعرف ونعرف معك أنّ كل ما تحت الشمس باطل. لك مقدّمة خبرة الزهد ولك مذاق الحياة الجديدة. نسأله أن يعطينا إياك لأنّنا اكشتفناك واكتشفناه فيك كما لم نعرفك ولم نعرفه فيك من قبل. كنت لنا تحصيل حاصل فصرت لنا نعمة جديدة. اكتشفناك حبيباً ونسأله لأنّنا نرغب في أن نذوقه حبيباً فيك. وما أحلاه إن أعطانا ذاته! وإن تكن مشيئته غير ما نشتهي فلتكن مشيئته لأنّنا مؤمنون أن ما يشاؤه هو عن محبّة كائن.
فليكن اسمُه مبارَكاً، في كل حال، من الآن وإلى الدهر.
[align=left]
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات