IV.لاهوت الصليب

1.العود (الخشبة)
للانطلاق في موضوع لاهوت الصليب نعود إلى الصليب الأوّل في تاريخ الكتاب المقدّس، والذي كان في الفردوس. يجري الكلام، ، بداية سفر التكوين عن عودَين. الأوّل هو عود معرفة الخير والشرّ والثاني هو عود الحياة (تك 2، 16-17؛ تك 3، 22-24). هذان العودان يفكّان الأختام عن معنى الصليب اللاهوتيّ العميق.
ما هو عود معرفة الخير والشّر؟ هناك تفاسير عديدة، لكن الشروحات الآبائيّة تؤكّد أنّه لم يكن شجرة مميّزة عن سواها من شجر الجنّة ولك تكن تحمل في مادّتها أيّة قوّة مختلفة ستعطي لآدم معرفة الخير! وإنّما في هذا "العود" "سيمتحن صوم" آدم وحواء، وحفظِهما للوصيّة. هكذا بشكل من الأشكال كانت ميزة هذا "العود" أنّه غير كلّ شجر الجنّة يشكّل رابطاً وبرهان للحبّ الإنسانيّ نحو الله والتزامه به كلّ لحظة، ما دام هذا العود كان في وسط الجنّة، وسط الحياة.
العود، الصليب، كان امتحاناً لآدم هل سيحوِّل العالم إلى الله أم أنّه سيحول بينه وبين الله. يربط الكتاب المقدّس العود دائماً بمسألة حريّة الإنسان كامتحان لطريقتَي عمله تجاه الله. فيسمّي (شجرة) عود معرفة الخير والشرّ لأنّ حوله سوف يتمّ تحديد الخير والشرّ، ومعرفة موقف الإنسان الحرّ في اختياره الخير أو الشرّ!
أمّا عود الحياة، وكما يروي الكتاب أنّه كان ذلك العود الذي لما أخطأ الإنسان أمام عود المعرفة بات من الخطر عليه أن يتناول من عود الحياة. لذلك طرد الله الإنسان فوراً "لكي لا يأكل من عود الحياة فيحيا إلى الأبد" (تك 3،22). وكما يبدو من النصّ، أنّه بعد سقوط آدم لا يوافقه أن يحيا هكذا ساقطاً إلى الأبد؛ ولربّما هذا يذكّرنا بقول القدّيس غريغوريوس النيصصيّ، أنّ الله أدخل الموت لكي لا يبقى الشرّ مؤبّداً.
القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ ومثله يوحنا الدمشقيّ، يريان أنّ العود كان رؤية الله (لقاءه) θεωρία، التي لا يمكن ذوقها قبل النموّ الروحيّ والمعرفيّ الكافي. لقد ذاقه آدم قبل الأوان، أي دون الصوم- النسك الكافي. يجب أن يسبق مذاق عود الحياة الاستعداد الكافي. خطيئة آدم كانت أنّه أراد أن يتألّه ويأخذ الحياة دون مرحلة النموّ المطلوبة. يمكننا اليوم أن نكرّر خطيئة آدم ذاتها حين نتناول "الكأس المقدّسة" (عود الحياة) قبل صلب الحياة" (PG 154,726).
وهذا ما يقوله الربّ لملاك أفسس في الرؤيا "مَن يغلب أعطِه أن يأكل من عود الحياة في فردوس إلهيّ" (2، 7). الخطيئة كانت أن نتناول العالم دون الله، واليوم علينا أن نتناول الله ونعفّ عن العالم (الصوم). بعود المعرفة استبان أنّ الإنسان فضّل اللذة على معرفة الله. واستبان أنّ الإنسان لا يستحقّ عود الحياة قبل نجاحه في امتحان عود المعرفة.
هذا كان عود الحياة في الفردوس، وهذا هو لاهوت الصليب.

2.صليب الله وصليب الإنسان:
*أ.صليب الله
الحريّة هي سبب الصليب. عندما أراد الله أن يخلق كائنات حرّة كالإنسان كان عليه أن يقبل الصليب. الإنسان، بالنسبة لله، لم يكن مشروعاً لإبداع "آلة سعيدة"! السعادة التي يرجوها الله للإنسان في جوهرها قائمة على "الخيار الحرّ" حين يخطئ وحين يُصيب فضيلة السعادة هي الحبّ الحرّ. قصّة الحبّ المصلوب بدأت في فكر الله وقراره بإبداع الإنسان حرّاً. منذ خلق الله الإنسان حرّاً كان قراره أن يدين الإنسان حين يخطئ بالصليب وليس بالعقاب. محبّته له هي حكمه وهي ناره ونوره.
في عالمنا الساقط، يبقى أنصار الحقّ صليباً والحفاظ على الوصيّة الإلهيّة في دهر الأباطيل كذلك. فرادة المعركة الإلهيّة في عالم الإنسان، وهي معركة كلّ مسيحيّ، إنّها الرسالة الخلاصيّة، هذه الفرادة تكمن في سرّ أنّ العدوّ فيها والأداة أيضاً كما الغاية هي هي نفسها، إنّها الإنسان. فأخونا الإنسان هو مَن يعادي "الصليب" وحريّته هي أداتنا، لا نملكها ولا نكسبها كلّ لحظة، وهو غايتنا. نحن، وكما الله، أمام مأزق في معركة لا يوجد لها مخرج. الخروج من هذا المأزق له درب وحيد وأداة فريدة، التي بدونها لا نغلب، إنّها الصليب.
الصليب طريقنا لمعالجة الخطيئة وتخليص الخاطئ، ويجعلنا ندفع نحن الثمن بدل أن نطالب. كلّ ذلك إقتداءً بالمصلوب.
الصليب علامة "جنون" الحبّ الإلهيّ للإنسان؛ حتّى حين يكون الأخير معاديّاً لله. (رو 5، 6-11).
الصليب إبطالُ فلسفة "ما يحقّ" والتزام مبدأ "ما يجب" و"ما يخلّص" صورة "ما يحقّ" لله هي صورة التجلّي أو المجيء الثاني ولكن صورة ما يخلّص وما تمّ هي "التواضع الأقصى" و"أيقونة الصلب".
هذه هي حكمة الله التي صارت جهالة وعثرة للناس. وهي أن يرمي الله ذاته للناس كضعيف ومهان وكلّ ذلك صار قوّة. الصليب هو "ضعف الله" المخلّص وهو قوّته وغلبته.
الصليب هو تفسير وأيقونة سرّ حبّ الثالوث للبشر.
الصليب هو جواب الحبّ الإلهيّ على الشرّ الإنسانيّ لاختيار الموت.
الصليب هو تحرير المسيح لنا مقابل تسلّط الشيطان (طروبارية المساء على "يا ربي إليك صرخت"، الثلاثاء من الأسبوع الثالث- تريودي). الصليب هو نهاية الحيّ الإلهيّ وعظمة قوّته (يوحنا الدمشقيّ، [PG 94,1129]).
الصليب هو الطريق (الطريقة-οδός) التي اختارها الله ليأتي إلينا والصليب هو الطريق الذي سيختاره البشر للذهاب إليه. لا يوجد جسر آخر يعبر فوق تلك الهوّة التي بين هنا وهناك، بين الله والإنسان. عليها عبر الله وعلينا أن نعبر عليها إليه.

*ب.صليب الإنسان
إنّ كتاب الرؤيا بإنبائه "أنّ الشاهدَين قد استشهدا حيث المسيح صُلب" (11،8) يريد أن يوحّد بين مصير التلاميذ ومصير المعلم. الربّ يسوع ذاته أكّد "مَن أراد أن يتبعني فلينكرْ ذاته، ويحمل، ويحمل صليبه ويتبعني" (متى 16، 24)، فليس عبد أفضل من سيّده. بولس الرسول يؤكّد أنّه لا يريد أن يعرف يسوع المسيح إلاّ مصلوباً (1 كور 2، 2).
إنّ معموديّتنا، حين أدخلتنا في جسد الكنيسة، جعلتنا نحيا حياة الله! أي أن نحمل صليبه صليباً لنا. الذهاب بالعالم إلى غايته بعد أن انحرف، وذلك على كلّ الأصعدة، هي مسؤوليّة إنسانيّة ورسالة مسيحيّة ثمنها صليبنا.
فالصليب هو الطريق لتوحيد مفهوم "الحياة" بواقع "العيش". الصليب هو الدرب لتحقيق "غاية الإنسان". الصليب يطابق بين "الزمن" و"تاريخ الخلاص": ولا يجعل في الزمن هدراً. الصليب هو محاولة لصق أقوال المحبّة بأفعالها. الصليب يحرّرنا من سلطان العالم ويجعلنا "أبناء الله" لا صليب دون حريّة ولا حريّة أيضاً دون الصليب. هذه فرضيّة أوجدها الفرق الشاسع بين دعوتنا والواقع.
المسيحيّ ترتسم نصب عينَيه صورةَ المسيح المصلوب (غل 3، 1) لأنّه دُفن معه بالمعموديّة ليحيا معه (2، 19) ولم يعد العالم يتعلّق بالعالم (6، 14).
لا يستحي المسيحيّ بالصليب، ولو أنّه يبدو للعالم جهالة. الصليب صار علامة مجد، وسيأتي الربّ في المجيء الثاني وهو يحمله.
الربّ يسوع أبان جراحاته بعد قيامته، فهي ليست دلالة ضعفه بعد أن كانت هكذا لصالبيه، بل صارت دلائل حبّه وهي الآن مجده.
الصليب للمسيحيّ مرتبط بالقيامة، ونحن نرفع أنفسنا عليه بعد أن قام السيّد بواسطته. فالصليب دون القيامة عذاب غير محتمل (Στ. Ράμφου, Η Παλινωδία του Παπαδιαμάντη, Κέδρος, 1976, σ. 60) .
الصليب خيارنا الحرّ أن نحوّل مسلكيّة العالم، أن نكون وسط العالم وليس منه (Olivier Clément, Η Θεολογία μετά το θάνατο του Θεού, σ. 95).
وكما يقول القدّيس مكسيموس المعترف "الصليب هو الحكم على أحكامنا" (PG 90, 408).

3.سرّ الصليب: الحياة بالموت
ما هو هذا السرّ الذي أتمّه يسوع، والذي لطالما أراد بولس أن ندفن معه بقيامته، وهكذا كلّ المسيحيّين من بعده؟ لا يأخذ الصليب أيّة قيمة عندنا إلاّ كاقتداء "يصلب" يسوع.
الفريد في صلب المسيح لم يكن مقدار عذاباته. هناك كثيرون تعذبوا من أجله أكثر منه. تحمّل القدّيس جاورجيوس عذابات لربّما كانت أقسى بأضعاف المرّات من العذابات التي فُرضت على يسوع، وهكذا شهداء عديدون. صُلب بطرس الرسول، وبناءً على طلبه، على العكس ، رأسه إلى أسفل، وقد يبدو ذلك أقسى من آلام صلب المسيح. هذه الصور تردنا عموماً من الفكر الغربيّ، الذي يريد أن يهوّل من مشهد الآلام لكي يكبّر صورتَين؛ أوّلها محبّة الله وثانيها خطيئتنا البشريّة. ولكن هذه المحاولة ترمي بسرّ الصليب وراء الستار لتجعل الانتباه يتركز على دراما تثير العواطف، ظانّين أنّ ذلك يقود إلى التوبة، ولكن بالواقع كلّ ذلك يعبث بسرّ الصليب. العبادات المتنوّعة حول هذا المحور من تكريم وآلام وجراحات ومسامير المسيح وإكليل الشوك والإفراط في السجود لها والتركيز على "درب الصليب" وغيرها... كلّها أمور لا ننكر قداستها ولكنّها ليست هي سرّ الصليب.
تصوّر أيقونات عديدة للصلب وجه المسيح بصور تحمل من تعابير الألم ما هو مفرط جدّاً في التأثير. ويبدو يسوع "أكبر متألّم" في التاريخ. وأوجاعه لم يتحمّل مثلها سواه. ووجهه يكسر قلوبنا وهو معصور من الألم. ولا نبالغ إذا قلنا أن بعض الصور له تصوّره يحمل مشاعر القهر واليأس أو على الأقل نهاية "الفجيعة"؛ حتّى أنّه صرخ "إلهي إلهي لماذا تركتني". طبعاً، ترانيمنا تحتوي على الكثير من الطابع الشرقيّ الذي ينتحب ويبكي على المصلوب، وخاصّة من النساء والأمّ. لكن ذلك كلّه في حدود لا تلغي هيمنة فكرة "سرّ الصليب" في طقوسنا ولاهوتنا.

الفريد في صليب المسيح، إذن، لم يكن مقدار آلامه بل مقدار تواضعه. كثيرون تعذّبوا من أجل اسمه أكثر منه، لكن ولا واحد أفرغ ذاته من أجله كما أفرغ هو ذاته من أجلنا. حين صُلب بطرس مقلوباً تألّم أكثر من يسوع، لكنّه لم يتنازل أبداً بمقدار تنازل يسوع. لم ولن يتنازل أحد لأجل إنسان بمقدار ما تنازل الله لأجل كلّ واحد منّا. وهذا ما عبّر عنه اللصّ اليمين حين قال لرفيقه اللصّ اليسار، "أمّا نحن فبعدل ننال الحكم"، وأمّا يسوع فلأنّه "أفرغ ذاته" متواضعاً ومتقبّلاً الموت، حتّى موت الصليب كما يقول بولس الرسول.
الصليب ليس الإشارة وحسب، وسرّ الصليب ليس آلام الحياة ولا مصائبها وويلاتها. هناك آلام عديدة ليست الصليب، ولربّما هي نتائج طبيعية لخطايانا. وهناك صبر ليس صليباً! هذه الصورة المعتمة للصليب والسوداء هي كلّ شيء عدا الصليب!
الصليب هو المخرج وليس المأزق، هو الرجاء وليس القنوط، هو الفرح وليس القهر! الصليب ليس صورة لكلّ مقهور ومتألّم يعود وينهض.
سرّ الصليب إذن ليس وجه الألم الخارجيّ، إنّما هو سرّ قائم على الإيمان بطريقة يسوع "إفراغ الذات". وهذا ما يعبّر عنه الرب يسوع في إنجيل هذا الأحد (الثالث من الصوم- السجود للصليب) حين يقول "مَن أراد أن يتبعني، فلينكرْ ذاته، ويحمل صليبه". "إنكار الذات" أي إفراغها، هو سرّ الصليب. وعلى أساسها نقيس كلّ ألم وكلّ رجاء.
سرّ الصليب هو جهالة للناس، لأنّ مَن مِنَ الناس يؤمن أنّك إذا سلكتَ درب الموت تحيا، وإذا أعطيتَ وبددتَ تأخذ؛ وأنّه، بكلمة مختصرة، الحكمة هي ما تلفظه بولس الرسول "أنّ العطاء ألذّ من الأخذ"؟ مَن مِنَ الناس يتجرأ أن يسلك نازلاً مؤمناً أنّه سيصل إلى فوق. هذا مبدأ لا يقبله إلاّ مَن حمل صليبه كسيّده متواضعاً فصار الصليب مجده. سرّ الصليب لا يبدأ دون إيمان عميق بطريقة يسوع في محبّة الإنسان.
سرّ الصليب لا ينطبق غالباً على ما يدعوه الناس "هذا صليبي" بالحياة؛ معبّرين بذلك عن شدائدهم وبلاياهم ومآزقهم.
آلام وصبر أيّوب الصدّيق هي صليب نعم، لأنّه حملها كيسوع فشكر الله، وقال: الله أعطى والله أخذ. الصليب ليس بلايانا بل هو إفراغ ذاتنا.
وما هو إفراغ الذات أو نكرانها؛ كما يوصي الإنجيل؟
إنكار الذات أو الاقتداء بيسوع الذي جاء وتصرّف مع الناس ليعلّمهم "إفراغ الذات". نكران الذات هو تفضيل الآخر على أنانيتنا. نتعلّم جميعنا، في كلّ أطر الحياة ومواقعها، أن نعيش نرجسيّاً أنانيّاً مفضّلين ذواتنا على كلّ شيء. وكل شيء يأخذ قيمته بمقدار ما يخدمنا! سرّ الصليب يقلب هذه المسلكيّة لذلك يبدو للكثيرين موتاً، ولكن المسيحيّ بخبرته الشخصيّة وبنظرته إلى مسلك سيده يراه حياةً.

سرّ الصليب يتمتع بصفات أساسيّة واضحة، تميّزه عن العديد من مظاهر العذابات أو الصبر في الحياة؛ وهذه الميزات أو الشروط يحددها إنجيل اليوم "مَن أراد أن يتبعني." فإنكار الذات له هذه الأسس التالية.
1- الحريّة، هي الطابع الأول لسرّ الصليب، كما يقول الربّ: "مَن أراد". فاحتمال الآلام طوعاً هي صليب، أمّا احتمالها إجباراً فهو قهر. مَن يحبّ حرّاً يحب، أمّا مّن يحبّ إجباراً فهو عبد.
2- من أجل يسوع، لأنّ إنكار الذات ليس التنكّر لها وإهلاكها. فالربّ يقول: "مَن أنكر ذاته من أجلي ومن أجل الإنجيل يجدها". ما دام المسيحيّ يجد ويحقّق ذاته عندما يبذلها للإنجيل، ولا يجد معنىً لحياته دون ذلك، لهذا حين يبذلها لذلك يجدها، وحين يوّفرها عن ذلك يخسرها.
لا يوجد إنسان دون كرامة، ولكن السؤال هو: ما هي كرامتنا؟ فإن كانت هي ممتلكاتنا، أو سلطتنا أو تعالينا على سوانا.. فالربّ هو عارٌ، والصليب عثرة. أمّا إن لم تكن لنا كرامة سوى فخرنا بالصليب؛ والسيد المصلوب فإنّنا سنحسب كلّ كرامة الدنيا رجاسة.
لقد أسلم الربّ ذاته على الصليب بإرادته صارخاً "لقد تمّ". أي تحقّق ما أبتغاه بالكليّة وبتمامه. السيّد المصلوب هو: ربُّ المجد وليس الذليل. هناك صورة تمثّل جهادات المسيحيّ وهي الراهب المصلوب على خشبة الصليب ويُرمى بأسهم من كلّ الجهات بمختلف شدائد وتجارب ومظالم الحياة. هذا الراهب كسيّده لا يحمل صورة القهر بل صورة "السّلام" لأنّه حرّ من عبوديّته للأهواء. إنّنا نموت مثل ومع المسيح. مثله، أي بطريقة إنكار الذات من أجله. ومعه أي محبّة بالآخرين ومسؤوليّةً معه في حياتهم. هذا كلّه يجب تعزية كبيرة ولو كنّا في مضائق وصعوبات. السلام لا يأتي من الاستراحة، السلام يمكنه أن يوجد مع الضيقات، لكن السلام لا يوجد دون "حريّة"! لذلك الإنسان المصلوب مع سيّده هو سيّد أيضاً في مجده. والصليب للمسيحيّ ليس عذاباً بل أيضاً مجد.
3- الإيمان الوجوديّ والحقيقيّ: لا يوجد أيّ برهان يعطينا قوّة الإيمان أن نسلك باتّجاه الموت وإذ بنا نخرج إلى الحياة، أن نتصرّف كجهلاء وإذ بنا نبلغ نهاية الحكمة. الإيمان بطريق يسوع وبصليبه هو الوحيد الذي يبرهن ما يظهر أنّه غير مبرهن، ويؤكّد ما يبدو أنّه غير ممكن. أي يقيم أي يقيم من "جهالة" العالم "حكمة الله" الله. الإيمان يجعل الإنسان يتمسّك ويلتزم بحكمة الله ولو اعتبرها العالم جهالة وأن نحيا على الإيمان وليس بحكمة هذا الدهر.
مخاطرة الإيمان وحدها التي تجعلنا نخطو من أجل حياتنا في درب تبدو مهلكة الإيمان بسرّ الصليب كموت محيي وحده يجعلنا نعرف أنّ العطاء هو الذي يعطي اللذّة وليس الأخذ.

V.الصليب حياتنا
هناك ثلاثة صلبان رُفعت في الوقت ذاته. الأوّل كان صليب يسوع والثاني للصّ اليمين والثالث للصّ اليسار. وكما يقول هناك ثلاثة أنواع من البشر تجاه الصليب. الأوّل هو مَن يخلِّص الآخرين بالصليب، والثاني هو مَن يخلُص بالصليب، والثالث مَن يهلك به.
لا تقيّم المسيحيّة الإنسان من مقدار تصرفاته الخلقيّة وحسب. معيار قيمة الإنسان موقفه من الصليب. تكمن عظمة الإنسان أو ضعته في اختياره للدرب التي اتّبعها سيّده أو في انضمامه إلى هوان العالم ومصلحته. عظمة الإنسان في أن يَخدُم وليس في أن يُخدَم. لذلك لا تُقاس من مقدار "التوبة" كاللصّ اليمين. كان اللصّان متساويان تماماً في المستوى الأخلاقيّ وأمام الحكم ذاته. لكن توبة اللصّ اليمين رفعته في عينَي السيّد والأجيال، وتجديف ذاك أنـزله إلى الحضيض، كما تقول طروباريّة الساعة التاسعة: "ظهر صليبك ميزان عدل، أمّا الأوّل فقد أحدره التجديف وأمّا الآخر فرفعه التكلّم باللاهوت (التوبة)".

1.الصليب درب شخصيّة
ذهاب الإنسان إلى صورته، مثال السيّد، هي درب صاعدة. عندما صرخ بطرس للمسيح "أنت ابن الله الحي" أجابه يسوع "لا لحم ولا دم كشف لك ذلك"؛ وبولس يقول لحم ودم لا يرثان ملكوت الله. وملكوت الله يُغتصب اغتصاباً. في نظام الكون "يعود التراب إلى التراب" وفي دعوتنا المسيحيّة يصير التراب إلهاً. لذلك شبّه يوحنّا السلميّ الحياة بالمسيح بالمصعد في ثلاثين درجة. وختم كتابه "اصعدوا يا إخوة اصعدوا". هذا الصعود لا يتمّ إلاّ بسرّ الصليب وإنكار الذات والنسك.
الصليب بتعبير بولس الرسول هو الحدّ الفاصل بين حياة الجسد وحياة الروح. لذلك هناك مَن هو "عدوّ صليب المسيح" (فل 3، 18)، ومَن "صلبوا ابن الله ثانية" (عب 6، 6).
أن نصلب الإنسان القديم ليقوم الإنسان الجديد (رو 6، 6) هذه هي الدرب الشخصيّة بين الإنسان والله. أن نخلع القديم ونلبس المسيح هي النقلة البشريّة من أجل الكمال للانتقال من الحياة بالجسد إلى الحياة بالروح والحقّ. الصلب، نكران الذات، يطهِّر الرغبات ويروحنها حتّى البعض منها ما هو جسدانيّ، فتؤول إلى حياة. مقياس روحانيّة أو جسدانيّة الرغبات هو مقدار حصّة الله والقريب فيها. والرغبات، حتّى الروحيّة منها أحياناً، هي عمياء وجسدانيّة عندما تستخدَم نرجسيّاً وأنانيّاً. العفّة هي حسن الاستخدام في المسؤوليّة بدل الاستخدام في الأنانيّة.
لذلك يقول القدّيس بالاماس إنّ لا أحد يستطيع أن يتصالح مع الله دون قوّة الصليب (PG 151,125). "هذا الصليب المثّلث الأطراف... يمتدّ واصلاً السماء بالأرض لأن بقوّته يقدِّم الأنام إلى الله" (الأودية الثامنة، سحر الأربعاء الرابع من الصوم).
وهذه الحياة الشخصيّة المصلوبة، الحياة مع سرّ الصليب، تمرّ بدرجتَين. الدرجة الأولى يكون فيها النـزاع مع العالم مؤلماً، حيث أنّ رغباته ما زالت حيّةً فينا. وبعدها تأتي الدرجة الثانية حين تموت هذه الرغبات الدنيويّة وتحيا مكانها محبّة النِعَم السماويّة ويقرأ الإنسان كلّ شيء هنا روحيّاً، ولا يعد صراعه مع الدنيا نـزاعاً بين ما فيه وما يريده صراعاً داخليّاً وإنّما يبدأ من غلب الدنيا ويبلغ إلى لغة الروح يجاهد الجهاد الحسن مع الزمن الذي هو وقتٌ حسن يعمل به للربّ. وبولس الرسول يعبّر عن هذه الخبرة الروحيّة بدرجتَيها حين يصرخ "به صُلبتُ أنا للعالم والعالم صُلبَ لي". حين يدخل المسيحيّ بإيمانه سرّ الصليب يشعر نفسه مصلوباً، لأنّه ما زال للعالم فيه حصّة تتنازعه ليعود عن هذه الدرب الموصلة إلى الحياة. ولكن حين يخطو مع الروح يصير العالم مصلوباً بالنسبة له، أي ليس للعالم شيئاً فيه، ولم يعد الزهد من أجل يسوع صعباً بل بالعكس مفرحاً. وهذا ما عبّر عنه يسوع حين قال: سيأتي سيّد هذا العالم ولكن لن يجد له عندي شيئاً. الحركة الأولى هي الانسلاخ عن إنساننا القديم، حيث نشعر أنفسنا في نـزاع مؤلم. أمّا الحركة الثانية فهي الركض والسعي حيث ألمنا الوحيد سيكون هو أن "نحزن الروح" بالتهاون؟ وطوبى للعبد الذي إذا جاء سيّده يجده مستيقظاً.

2.الصليب في الحياة الجماعيّة
الصليب في خشبتَيه، الأولى الممتدّة بين الأرض والسماء، بين الإنسان والله، والثانية الممتدّة بين الإنسان والإنسان، على مدى القريب، يرمز بذلك إلى ما أتمّه يسوع في شخصه على الصليب حين بسط يدَيه الطاهرتَين فجمع المتضادِّين وهو أيضاً لم ينفصل لحظة عن الآب واصلاً بالبشر بالله.
لا يحتلّ الآخر في حياة كلّ منّا مكان "طرفٍ" ما، نحدّد سياسة تعاملنا معه بطريقتنا الخاصّة. ما نعرفه من إنجيلنا أنّ الآخر هو "حياتنا". هو كما هو يأخذ ويعطي حياتنا منّا إلينا. الموت والعدم هو الانطوائيّة والعزلة، والحياة هي المشاركة. الانعزاليّة لا تحمل مسؤوليّة الصليب تجاه العالم والآخرين، لكنّها الدرب المؤدّية إلى الهلاك. المشاركة تقتضي حمل الصليب وتقود إلى الحياة.
الإنسان ليس فرداً يحيا في وسط العالم وبين الناس وحسب. الإنسان هو جزء من هذا الكون وعضو في شركة، يعطي لحياته معناها من خلال المسؤوليّة التي يحدّدها لنفسه تجاه الكون والإنسان الآخر.
الإنسان في الكتاب هو "الكاهن"، الذي لا يوجد حين يُعزل ولكن حين يكهن في وسط الجماعة. ونحن، كلّ منّا، يحدّد علاقته مع الله من خلال كهنوته للعالم وبين الناس.

عن موقع مطرانية حلب