اختيار المطارنة الأرثوذكس بين القانون والواقع
جورج غندور
( دراسات عليا في الحقوق واللاهوت)
[frame="13 80"]
هل من دور لشعب الله في الكرسي الانطاكي في اختيار المطارنة الذين سوف يتولون رعايته في الأبرشيات المختلفة أم ان هذا الدور يقتصر فقط على مطارنة الكرسي الانطاكي؟ تصعب الاجابة عن هذا السؤال الذي شغل الكنيسة الانطاكية طيلة القرن العشرين. وتعود الصعوبة الى عدم الاستقرار التشريعي الذي عرفتة القوانين الاساسية المتعاقبة للبطريركية الانطاكية في تنظيمها لهذه المسألة من جهة، والى افتقار الكنيسة الانطاكية الى الخبرة المستقرة والمتواصلة في تطبيق القوانين من جهة أخرى.
في القوانين
بالعودة الى القوانين الاساسية للبطريركية الانطاكية التي صدرت خلال القرن العشرين والتعديلات المتتالية التي ادخلت عليها، يتبين بوضوح ان هذه القوانين اختلفت كثيراً في تنظيمها لمسألة اختيار المطارنة.
اعطى قانون العام 1900 الذي صدر مباشرة بعد تعريب الكرسي الانطاكي الشعب المؤمن الحق بأن يرشح ثلاثة اكليريكيين من ابناء الكرسي الانطاكي، وذلك خلال مدة اربعين يوماً من تاريخ تبليغ الوكيل البطريركي للأبرشية بالمباشرة باجراءات الترشيح. كما نقل صلاحية الترشيح للبطريرك في حال لم ترسل الابرشية لائحة بالمرشحين خلال الفترة المحددة.
أكد القانون الصادر في العام 1929 على دور الابرشية في الترشيح ونظم هذه العملية للمرة الأولى. فشكل لهذا الغرض "مجلساً ترشيحياً"، يتألف من اعضاء المجلس الملي في الابرشية، ومن جميع كهنتها، ومن مندوب واحد علماني عن كل كنيسة من كنائسها. ينعقد هذا المجلس الترشيحي في مدة اقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ الشغور، في مقر المطرانية الشاغرة، بدعوة من المعتمد البطريركي في الابرشية وبرئاسته. يرشح كل عضو من اعضاء المجلس الترشيحي ثلاثة اكليريكيين ويفوز بالترشيح الاكليريكيون الثلاثة الذين نالوا أكثرية الأصوات. أما في الحالات التي لا يجتمع فيها المجلس الترشيحي، او في تلك التي يتعذر عليه فيها القيام بأعمال الترشيح خلال انعقاده، فتعتبر الأبرشية كأنها اسقطت حقها بالترشيح وفوضته للبطريرك الذي يقوم عندئذ بترشيح ثلاثة اكليريكيين.
عدّل المجمع المقدس هذا القانون في العام 1938 حاصراً عمليتي الترشيح والانتخاب بالمطارنة اعضاء المجمع المقدس، بحيث صار كل من هؤلاء يرشح ثلاثة اكليريكيين لينتخب المجمع مطراناً على الابرشية من بين الثلاثة الذين فازوا بالترشيح. كرس القانون الصادر في العام 1952 هذه التعديلات ليصبح الترشيح والانتخاب بيد المجمع المقدس مجتمعاً.
عاد قانون العام 1955 واعطى ابناء الابرشية دوراً في اختيار مطرانهم فنص على تشكيل "هيئة ترشيحية" تتألف من اللجنة التنفيذية للمجلس الملي العام، ومن ممثلي الابرشية في المجلس الملي العام، ومن اعضاء المجلس الملي المنتخب في الابرشية. تجتمع هذه اللجنة في دار المطرانية الشاغرة برئاسة رئيس اللجنة التنفيذية في المجلس الملي العام وترشح بعد استمزاج رأي ابناء الابرشية ثلاثة مرشحين لينتخب المجمع من بينهم مطراناً على الابرشية. وسع هذا القانون وللمرة الاولى في تاريخ الكرسي الانطاكي مشاركة العوام لتشمل اشخاصاً من خارج الابرشية المعنية.
عدّل المجمع المقدس هذا القانون في العام 1961 حاصراً بنفسه عمليتي الترشيح والانتخاب ومن ثم عاد فكرّس هذا التعديل في قرار اتخذه في العام 1969 جاء فيه ان المجمع الانطاكي المقدس "يمارس صلاحيات الترشيح والانتخاب لملء كل شغور في الكرسي الانطاكي ريثما يعدل القانون الأساسي وقانون المجالس الملية وغيرهما".
اوجب قانون العام 1972 الساري المفعول حالياً على البطريرك "ان يدعو اعضاء المجمع المقدس لاجراء عملية الترشيح والانتخاب وفق احكام النظام الداخلي خلال اربعين يوماً من تاريخ الشغور"، واعطى النظام الداخلي الصادر في العام 1982 مؤتمر الابرشية حق ترشيح ستة اشخاص من الذين وردت اسماؤهم على لائحة الاهلية المجمعية وذلك خلال جلسة تعقد برئاسة المعتمد البطريركي في الابرشية خلال اربعين يوماً من تاريخ الشغور. ونص النظام الداخلي في مادة مستقلة على انه "في حال لم يكن "مؤتمر" في الابرشية او تعذر اجتماعه او اذا كانت سلامة الابرشية تستدعي ذلك" فعندها يتولى المجمع المقدس عمليات "الاختيار والترشيح والانتخاب".
وخلاصة القول، ان عملية ترشيح المطارنة التي كانت محصورة في مطلع القرن بأبناء الابرشيات وبكهنتها في مرحلة لاحقة، والتي كانت ترجع الى البطريرك في حال تقاعسهم عن القيام بدورهم قد انتقلت في اواخر الثلاثينات الى المجمع المقدس مجتمعاً. وقد توسعت هذه الصلاحية في بداية الخمسينات لتشمل المجلس الملي في الابرشية واعضاء اللجنة التنفيذية في المجلس الملي العام، وهم من خارج الابرشية، قبل ان تستقر في الثمانيات على مؤتمر الابرشية الذي يتألف من كهنتها وممثلين عن مجالس الرعايا فيها. اما دور البطريرك في عملية الترشيح فقد حصر فقط في ترشيح اكليريكيين لينتخب المجمع من بينهم الوكيل البطريركي والاساقفة. واللافت في هذا المجال ان النظام الداخلي لم يحدد عدد الاساقفة الذين يحتاج اليهم الكرسي الانطاكي تاركاً الباب مشرعاً لانتخاب عدد كبير من الاساقفة المساعدين والفخريين وهذا امر يخالف جوهر الاسقفية.
في الممارسة
ولئن اعطت معظم القوانين الصادرة في القرن العشرين، من حيث المبدأ، دوراً للعوام واحيانا لكهنة الابرشية في عملية اختيار المطارنة على الابرشيات الشاغرة الا ان الواقع التاريخي يدل على ان مشاركة المؤمنين في عملية اختيا رعاتهم غالباً ما كانت الاستثناء في حياة الكنيسة الانطاكية على مدى القرن العشرين بسبب التعديلات المتتالية التي ادخلت على القوانين او بسبب مخالفة احكامها.
ففي مطلع القرن، كان ابناء الابرشيات كثيراً ما يفوضون للبطريرك امر الترشيح بسبب عدم معرفتهم بالمرشحين. وفي مرحلة لاحقة، وبعد الانقسام الذي عرفته البطريركية الانطاكية اثر وفاة البطريرك غريغوريوس (حداد) وتنازع بطريركين على الكرسي الانطاكي، ومن ثم وفاة منتخب اكثرية المطارنة البطريرك ارسانيوس (حداد) واعتراف غالبية المطارنة بالبطريرك الكسندروس (طحان) وتنصيبه في كنيسة مطرانية بيروت نشأ صراع بين البطريرك والمطارنة ادى الى تنازع هؤلاء في معرض ملء الابرشيات الشاغرة. فسعت الاكثرية المجمعية الى انتخاب مرشحين من صفوفها وسعى البطريرك بكل ما اوتي من وسائل الى اختيار مطارنة من مؤيديه لتأمين غالبية موالية. وقد نتج عن ذلك تلاعب بنتائج الترشيح والانتخاب وتجييش للشعب في الابرشيات الذي توزع الى احزاب مؤيدة ومعارضة لهذا المرشح او ذاك. وقد انتهى الامر بالمجمع المقدس، بعد ان اصبح للبطريرك الكسندروس فيه غالبية مجمعية مؤيدة، بتعديل القانون وحصر عمليتي الترشيح والانتخاب بالمجمع المقدس.
اعاد المؤتمر الارثوذكسي المنعقد في العام 1955 في مرحلة لاحقة تكريس دور ابناء الابرشيات في اختيار رعاتهم من خلال ترشيح يقوم به مؤتمر الابرشية المنتخب مباشرة من الشعب. ولكن الانقسام السياسي الحاد وعدم تشكيل المجالس المالية وفقا لمقتضيات القانون قد اديا الى حرمان الشعب المؤمن من المشاركة في ترشيح المطارنة. فنشبت في هذه الفترة اكثر من ازمة وصلت احيانا الى حد الانقسام والقطيعة بين المطارنة. وكان ظاهر هذه الازمات اعتراض فئة من المطارنة على عدم اخذ المجمع المقدس بأسماء وردت بعد استمزاج هيئات كانت قائمة في الابرشيات اعتبرتها فئة اخرى غير شرعية. وقد قادت الازمات الى تعديل للقانون وحصر عمليتي الترشيح والانتخاب بأعضاء المجمع فقط.
لم يتغير التعاطي مع مسألة مشاركة المؤمنين في اختيار رعاتهم بعد صدور قانون العام 1972 ونظامه الداخلي في العام 1982. فبالرغم من المرونة التي اتاحها هذا القانون الذي حصر بالمجمع المقدس امر اعداد لائحة الاهلية للأسقفية ووسع عدد المرشحين الذين تختارهم الابرشية ليصل الى ستة مرشحين، فانه قليلا ما شارك المؤمنون في ترشيح مطارنتهم في السنوات التي تلت صدور النظام الداخلي. واللافت ان المجمع، وفي معرض اول انتخاب تلا صدور النظام الداخلي ونشره في العام 1984، قد تجاوز احكامه حاصرا بنفسه مجددا عمليتي الترشيح والانتخاب. لم يختلف الامر في الانتخابات اللاحقة، الا اذا استثنينا انتخاب مطران حلب في العام 2000 حيث قامت هيئة تمثل ابناء هذه الابرشية بترشيح ستة اكليريكيين انتخب المجمع المقدس من بينهم مطرانا على الابرشية.
ملاحظات
لا يتسع المقام هنا لاستعراض الاسباب التي حالت دون مشاركة الشعب المؤمن في اختيار رعاته ولجوء المجمع المقدس في معظم الاحيان الى الغاء هذا الدور، ولكن المتتبع لا يسعه الا ان يلاحظ ان التحزب والانقسام اللذين طبعا انتخاب المطارنة منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى مطلع السبعينات كان لهما اثر كبير في حصر عمليتي الترشيح والانتخاب بالمجمع المقدس الذي كان غالبا ما يلجأ الى هذه الخطوة للمحافظة على سلامة الابرشية. ولكن الانصاف يقضي في هذا المجال بالاشارة الى ان دور المطارنة في تلك الفترة كان محوريا في اذكاء الانقسامات وصب الزيت على نيرانها وقد كانوا ابطالها في الكثير من الاحيان، بحيث تساووا في المسؤولية مع العوام.
ولكن بعيدا عن مآسي التاريخ التي يبدو ان آباء المجمع الانطاكي يميلون الى تحميل مسؤوليتها الى الشعب المؤمن وحده من خلال استمرارهم بحرمانه من المشاركة في اختيار رعاته خوفا على سلامة الرعية، لا بد من ابداء بعض الملاحظات في ما يتعلق باختيار المطارنة وفقا للقوانين السارية المفعول حاليا والتي تجعل اختيار المطران على الابرشية الشاغرة يتم على ثلاث مراحل هي: اعداد لائحة الاهلية والترشيح والانتخاب.
1 – اعداد لائحة الاهلية
يشكل اعداد لائحة الاهلية حجر الزاوية في عملية اختيار مطارنة المستقبل. فكلما كانت هذه اللائحة محصورة بالاشخاص المؤهلين لاستلام الابرشيات، جاء الترشيح ومن ثم الانتخاب موفقا. ولكن الممارسة الانطاكية تدل على ان لائحة الاهلية تحولت الى لائحة احصائية للكهنة المتبتلين. والنظام الداخلي ذاته، لا ينظم كيفية اعدادها بل يكتفي بالاشارة الى لجنة مجمعية "تستقبل المعلومات عن الاكليريكيين المتبتلين وتنظم لائحة بذوي الاهلية منهم للاسقفية وذلك كل سنة، وتقدمها للمجمع المقدس لاقرارها". من هنا، فان الحاجة اصبحت اليوم ماسة في الكنيسة الانطاكية الى ايلاء امر اعداد هذه اللائحة الاهمية التي تستحقها. فلا بد من اتاحة الفرصة للكهنة وللشعب المؤمن اولا للاطلاع على الاسماء التي سوف تدرج في اللائحة، وثانيا تقديم اعتراضات معللة على بعض من لا يرون فيهم الاهلية المطلوبة، قبل ان يصار الى اقرار هذه اللائحة من خلال التصويت على كل اسم يدرج فيها، فلا يدرج في هذه اللائحة الاكليريكي الذي لا ينال اكثرية المطارنة اعضاء المجمع.
2 – الترشيح
تعود الصلاحية في هذا المجال الى مؤتمر الابرشية الذي يرشح ستة اكليريكيين لينتخب المجمع من بينهم مطرانا على الابرشية. ولكن النظام الداخلي يحصر عمليتي الترشيح والانتخاب بالمجمع المقدس "في حال لم يكن "مؤتمر" في الابرشية او تعذر اجتماعه او اذا كانت سلامة الابرشية تستدعي ذلك". لا شك ان الظروف التاريخية، ولا سيما تلك التي احاطت بتطبيق قانون العام 1955، هي التي دفعت المجمع المقدس الى تضمين النظام الداخلي الاستثناء المذكور سابقا. ولكن بعد ان صار الاستثناء هو القاعدة لا بد من دراسة كل حالة من الحالات المذكورة سابقا على حدة لمعرفة مدى ملاءمتها للواقع والشروط المطلوبة لتطبيقها.
أ – عدم وجود مؤتمر في الابرشية: السؤال البديهي الذي يطرح في هذا الصدد هو ما هي الصعوبات والاسباب التي يمكن ان تحول دون وجود مؤتمر في الابرشية؟ هذا يقود الى النظر في كيفية تشكيل مؤتمر الابرشية. فحسب نظام المجالس يتألف المؤتمر من الاكليريكيين في الابرشية ومن اعضاء تنتدبهم المجالس الرعائية ومن عدد من ذوي الكفاءات والاختصاصات يعينهم مطران الابرشية. يشكل هؤلاء مع الاكليريكيين حوالى نصف اعضاء المؤتمر. وبالتالي اذا اضفنا الى هذا الامر ان المجالس الرعائية تشكل بالتفاهم بين المطران والرعية، فانه يتبين ان الدور المحوري في تشكيل المؤتمر يعود للمطران الذي يختار الاكليريكيين ويعين اصحاب الكفاءات ويعين المجالس الرعائية. وبالتالي فان مسؤولية تجاوز القانون وعدم تشكيل المؤتمر تنحصر به في حال لم يقم بتشكيل المجالس الرعائية التي يشكل مندوبها جزءا اساسيا من مؤتمر الابرشية. وهنا، لا يجوز التذرع بالمشاكل الرعائية التي تعترض عملية التشكيل اذ يمكن للمطران ان يتجاوز هذه الصعوبات فيستبعد بقرار معلل الرعية التي يتعثر فيها التفاهم لاختيار مجلس الرعية على ان يعين مؤقتا مندوبا عن هذه الرعية من ضمن هامش الربع المخصص لاصحاب الكفاءات والذي يتيحه النظام له فلا تحرم اية رعية من التمثيل. يبقى السؤال انه في حال لم يوجد مؤتمر في الابرشية فهل يجوز تعطيل دور الاكليريكيين والعوام في هذه الابرشية في اختيار مرشحيهم لخلافة المطران الذي لم يشكل المؤتمر؟ لا شك انه بالنظر لطبيعة مؤتمر الابرشية الذي يتالف من اعضاء حكميين فانه يمكن ان يقوم المعتمد البطريركي في الابرشية الشاغرة بتشكيل هذا المؤتمر واعتباره مؤتمراً ترشيحياً فقط، بحيث يطلب الى الرعايا ان تنتدب اضافة الى كهنتها ممثلين عن مجالسها الرعائية وفقا لنسبتها العددية على الا يضيف الى المؤتمر "عددا من ذوي الكفاءات والاختصاصات "لان تعيين هؤلاء يعود حصرا الى مطران الابرشية. وبناء على ما تقدم فان عدم وجود مؤتمر في الابرشية استثناء يمكن تجاوزه في حال اراد المجمع حقيقة اشراك اكليريكي الابرشية وعوامها في ترشيح راعيهم.
ب) تعذر اجتماع مؤتمر الابرشية: ان اللجوء الى هذا الاستنثاء لحصر عملية الترشيح بالمجمع المقدس يفترض ان يكون في حالات محددة تستوفي شروط القوة القاهرة. وهنا لا بد من التساؤل حول القوة القاهرة التي يمكن ان تحول دون انعقاد مؤتمر الابرشية وتسمح بانعقاد المجمع المقدس في المكان والزمان ذاتهما؟! اللهم الا اذا قصد المشرع ان سبب التعذر يعود لمقاطعة الكهنة والعوام للمؤتمر ورفضهم القيام بالترشيح وهو امر مستغرب وغير واقعي. ولكن حتى ولو قصد المشرع ذلك فانه في هذه الحالة يشترط دعوة المؤتمر ومن ثم تعليل اسباب التعذر.
ج) سلامة الابرشية: السؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن ان يهدد اجتماع مؤتمر الابرشية وهو مؤتمر يتألف من كهنة الابرشية ومندوبين عن مجالس الرعايا سلامة الابرشية؟ اذا كان المقصود في هذا المجال تحزب البعض لمرشح دون آخر فان تحقيق هذا الشرط يقتضي اولا انعقاد المؤتمر وانقسام اعضائه بشأن الترشيح ومن ثم اتخاذ قرار من قبل المجمع بابطال الترشيح. ولكن هل يجوز الغاء الترشيح بعد حصوله؟ وفي هذه الحال هل ترفض الاسماء الستة التي رشحتها الابرشية ويتم الانتخاب من خارجها؟ واستطرادا كيف يمكن لهيئة ان تنقسم حول ستة اسماء واردة في لائحة الاهلية وهل يجوز في هذه الحالة مكافأتها والرضوخ لأهوائها؟
3 – الانتخاب
تنحصر عملية انتخاب المطران بالمجمع المقدس. وهذه الصلاحية هي في صلب النظام المجمعي. ولكن القوانين الاساسية للبطريركيات وللكنائس الارثوذكسية المستقلة تنظم هذه العملية وفق شروط محددة خاصة بها. والنظام الاساسي للبطريركية الانطاكية ينص في هذا المجال على نصاب ثلثي عدد اعضاء المجمع في الجلسة الاولى وعلى نصاب الحاضرين من المطارنة في الجلسة الثانية التي تنعقد بعد مرور 24 ساعة على انعقاد الجلسة الاولى. وبحسب النظام الداخلي يفوز في الدورة الاولى للانتخاب المرشح الذي ينال ثلثي الاصوات وفي حال لم ينل احد اكثرية الثلثين يعاد الانتخاب وينتخب مطرانا المرشح الذي ينال اكثرية الحاضرين المطلقة.
اذا ما طبقنا ما ذكر سابقا على الواقع الانطاكي الحالي، يتبين ان المجمع الانطاكي يتألف من البطريرك ومن مطارنة الابرشيات التسعة عشر، اي ان عدد الاعضاء الذين يتألف منهم المجمع المقدس هو عشرون عضوا. وعليه، فانه يشترط لانعقاد الجلسة الاولى حضور البطريرك واثني عشر مطرانا على الاقل لتكون الجلسة قانونية. في هذه الحالة يفوز بالانتخاب في الدورة الاولى المرشح الذي ينال سبعة اصوات ويعتبر مطرانا على الابرشية الشاغرة. اما في حال لم يتأمن نصاب الثلثين وانعقد المجمع المقدس بمن حضر من المطارنة ففي هذه الحالة يمكن لأقلية المطارنة الحاضرين مهما قل عددهم ان ينتخبوا مطرانا. واختصارا يمكن القول بأن نظام انتخاب المطارنة المعمول به حاليا يتيح للأقلية المجمعية ان تتحكم بانتخابات المطارنة وبطريقة قانونية، مما يستدعي اعادة النظر بالمواد التي تراعي عملية الانتخاب بحيث يفوز في الدورة الاولى المرشح الذي ينال اكثرية ثلثي اعضاء المجمع الاحياء وفي الدورة الثانية المرشح الذي يفوز بالاكثرية العادية لأعضاء المجمع الاحياء. وهذا التعديل كفيل بتجنيب الكنيسة الانطاكية ازمات يمكن ان تتهددها في المستقبل بحيث لا يتكرر تاريخ الانقسامات المؤلم الذي عرفته الكنيسة سابقا في معرض انتخاب المطارنة.
خاتمة
يعتبر الاب نيقولا افاناسييف في كتابه كنيسة الروح القدس ان الاسقف "يتولى ادارة الشعب من داخل القطيع الذي اقامه الروح القدس فيه لا من خارجه... وان الاسقف المقام في الكنيسة ومن اجل الكنيسة لا يمكن ان يتولى ادارة الشعب في غياب هذا الشعب، لان خدمته ستفقد آنذاك صفتها المواهبية والكنسية وتصبح خدمة قانونية". وقد حاولت القوانين الانطاكية السارية المفعول التعبير عن هذه الحقيقة لما اعطت اكليرييي الابرشيات وعوامها دوراً في ادارة الكنيسة وفي ترشيح الاساقفة من خلال مشاركتهم في مؤتمر الابرشية ومجلسها الملي.
لا يختلف احد في ايامنا الحاضرة على ان القوانين الحالية تعبر عن حياة الكنيسة وروحيتها وانها تقوم على ادراك سليم لطبيعة الاسقفية وكرامة شعب الله، ولكن التمادي في عدم تطبيق هذه القوانين والاستمرار في تجاوز الدور المخصص لمؤتمر الابرشية في الترشيح يفضح "ازمة شورى" حقيقية تعاني منها الكنيسة الانطاكية ويطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قبول الكنيسة لهذه القوانين.
ولان الازمة ليست في القانون بل في تطبيق القانون، لا بد من المباشرة بتطبيق نظام المجالس الذي مر على صدوره خمسة وثلاثون عاماً، مما يتيح للمؤمنين امكانية المشاركة في حياة الكنيسة. وفي حال عدم تطبيق هذا النظام في ابرشية ما، وبالتالي عدم وجود مؤتمر للابرشية فيها عند شغورها، فإن المجمع المقدس مطالب باعطاء المعتمد البطريركي في الابرشية صلاحية تشكيل "مؤتمر ترشيحي" يتألف من اكليريكيي الابرشية ومندوبين عن مجالس رعاياها القائمة على ان يقوم هذا المجلس بترشيح ثلاثة اكليريكيين من المدرجين على لائحة الاهلية لينتخب المجمع مطراناً من بينهم.
فترشيح ستة اكليركييين كما ينص النظام الداخلي الحالي كمحاولة للتحكم بالعملية الانتخابية، امر ينتقص من دور ابناء الابرشية وهو مخالف للتقليد الارثوذكسي المستقر منذ الامبراطورية البيزنطية ولما هو متبع في معظم الكنائس الارثوذكسية المستقلة وفي الابرشية الانطاكية في اميركا الشمالية التي ترشح كلها ثلاثة اكليريكيين. والتحكم في العملية الانتخابية وضبطها من اجل انتخاب المؤهلين فقط، لا يكون فقط اثناء الترشيح، بل يجب ان يقوم به المجمع باكراً عند اعداده للائحة الاهلية.
بالرغم من الدور الثانوي الذي اعطاه القانون لاكليركيي الابرشيات وعوامها في ترشيح من سيتولى رعايتهم فإن الممارسة تدل ان المجمع المقدس غالباً ما انتزع منهم هذه الصلاحية. لذلك فقد آن الاوان في انطاكية لان ينظم القانون الذي اتفق الجميع على انه يعبر عن حياة الكنيسة وروحيتها العلاقات بين ابناء شعب الله الواحد لكي كما يقول صاحب الغبطة البطريرك اغناطيوس (الرابع) (لا يعثر الآخرون ولا تصبح المحبة شأناً عاطفياً انانياً ومزاجياً لان الانسان لا يتحرر من مزاجيته وانانيته الا اذا تعلم الخضوع لما يخلص اخوته ويبنيهم".
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات