وليمة محبة
محبة - ولائم المحبة (1) الكلمة ومدلولها: والكلمة في اليونانية هي (أغابي) (agape) وتدل على الولائم الأخوية التي كانت تقيمها الكنيسة في أيامها الأولى. ومع أنها ذكرت كثيرا في كتابات الأباء منذ عصر أغناطيوس، إلا أنها لا تذكر في العهد الجديد إلا في العدد الثاني عشر من رسالة يهوذا حيث نقرأ عبارة

(ولائمكم الحبية). كما يحتمل أن الرسول بطرس يشير إليها في عبارة (صانعين ولائم معكم) (2بط 2 : 13)، ولا شك أن هناك الكثير من الاشارات في العهد الجديد إلى ولائم الشركة بين المؤمنين، أما عبارة (كسر الخبز ) كما كانت تمارسه الكنيسة الأولى في أورشليم (أع 2 : 42، 46)، فيجب فهمها في ضوء أستخدام الرسول بولس لها (1كو 10: 16، 11: 24) في أشارة واضحة إلى عشاء الرب. أما عبارة (كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب) (أع 2: 46) فتدل على أنه كانت هناك وليمة شركة ترتبط باجتماعهم لممارسة عشاء الرب. واشارة بولس الرسول إلى ما كان يحدث من إساءة استخدام كنيسة كورنثوس للاجتماع (لأكل عشاء الرب) (1كو 11: 20 - 22و33و34)، دليل واضح على أنه في كنيسة كورنثوس - كما كان الأمر في كنيسة أورشليم - كانت ممارسة عشاء الرب ترتبط بالشركة في وليمة محبة. وفي أحد أقسام سفر الأعمال، التي يستخدم فيها لوقا ضمير المتكلم (نحن)، يسجل لوقا شهادته عما رآه رأي العين، من ممارسة الرسول بولس لعشاء الرب في الكنيسة في ترواس، حيث نجد أن (كسر الخبز ) وإن كان يرتبط (بالأكل) إلا أنهما شيئان متميزان بصورة تجعلنا نستنج أنه في ترواس - كما في أورشليم وفي كورنثوس - اعتاد المؤمنون، عند اجتماعهم معا في أول الأسبوع لممارسة عشاء الرب، أن يشتركوا معا في وليمة محبة. وما ذكره يهوذا في رسالته عن (الولائم الحبية) (الأغابي)، يؤيده استخدام آباء القرن الثاني لهذه الكلمة باعتبارها وصفا فنيا محددا لولائم الشركة التي كانت تقيمها الكنيسة. ( 2 ) نشأتها: يبدو أنه بالنسبة للكنيسة في أورشليم، بدأت ولائم الشركة منذ أيامها الأولى (انظر أع 1: 14، 2: 1 الخ )، فالولائم الدينية التي كانت مألوفة عند اليهود، وبخاصة وليمة الفصح، تجعل من الطبيعي أن تعبر كنيسة أورشليم عن معنى الأخوة، بولائم مشتركة، كما باعتبار "كل شيء عندهم مشتركاً" (أع 2: 44، 4: 32) فتقام موائد مشتركة، يجد فيها الفقراء حاجتهم (أع 6: 1-4). ( 3 ) العلاقة بينها وبين عشاء الرب: ترى الغالبية العظمى من دارسي الكتاب، أن (ولائم المحبة) (الأغابي) كانت ولائم لا تقتصر على الخبز والخمر، بل كانت تقدم فيها أجود أنواع الأطعمة. بهدف مزدوج: لاشباع الجوع والظمأ، كما للتعبير عن الأخوة المسيحية. وفي نهاية هذه الوليمة، كان يؤخذ خبز وخمر ـ بناء على وصية الرب ـ وبعد تقديم الشكر لله، كانوا يأكلون من الخبز ثم يشربون من الكأس لذكرى الرب يسوع المسيح، وكتعبير عن الشركة مع الرب نفسه، وعن شركتهم بعضهم مع بعض في المسيح. وهكذا كانت (الأغابي ) بالنسبة لعشاء الرب، شبيهة بوليمة الفصح الأخير، حيث صنع الرب العشاء. فكانت هذه الولائم تقام أولا ثم يعقبها (عشاء الرب) متميزا عنها تماماً. ولكن بعض الدارسين المحدثين، يقولون إن عشاء الرب في العصر الرسولي، لم يكن منفصلاً عن (الأغابي )، بل كانت (الأغابي ) من البداية إلى النهاية، هي نفسها (عشاء الرب) الذي كانوا يصنعونه لذكرى الرب حسب وصيته. ولكن مما ينقض هذا الرأي تماما، أن الرسول بولس، يؤكد بكل جلاء أن الخبز والخمر هما العنصران الوحيدان في (عشاء الرب) الذي وضعه الرب بنفسه (1كو 11: 23ـ29)، والمساوئ التي شاعت في أجتماعات الكنيسة في كورنثوس، والتي شجبها الرسول بولس، لم يكن من الممكن حدوثها، لو أن تلك الولائم كانت قاصرة على الخبز والخمر (انظر 1كو 11: 21 و33 و34). كما أنه لولا أن عشاء الرب كان متميزا ـ في العصر الرسولي ـ عن وليمة المحبة، لكان من العسير تفسير ما حدث بعد ذلك من الفصل بينهما. ( 4 ) الفصل بينهما: جا في كتاب (الديداك) أو تعليم الرسل (يرجع إلى حوالي 200م) أن الصلاة المرتبطة بعشاء الرب، يجب أن تقدم (بعد الشبع) (10: 1) مما يدل على أنه كانت هناك وليمة تسبق دائما عشاء الرب. وفي رسائل إغناطيوس (التي ترجع إلى 110م) نجد أن عشاء الرب (والأغابي) كانا مازالا مرتبطين. ويرى البعض أن ما جاء برسالة بليني إلى الأمبراطور تراجان (حوالي 112م) يثبت أن الفصل بينهما كان قد حدث فعلا لأنه يذكر أجتماعين للمسيحين في بثينية، أحدهما قبل الفجر وفيه كانوا يلزمون أنفسهم (بسر مقدس) (Sacrementum) أو قسم بأن لا يرتكبوا أي نوع من الجرائم واجتماع آخر في ساعة متأخرة يشتركون فيه في وليمة عادية لا ضرر منها. وحيث أن كلمة (سر مقدس) (Sacrementum) هنا لا يمكن أو لا يحتمل أن تشير إلى عشاء الرب، فدلالتها ضعيفة. وعندما نصل إلى يوستنيوس الشهيد (حوالي 150م) نجده ـ في حديثه عن العبادة في الكنيسة ـ لا يذكر (الأغابي) أبدا، ولكنه يقول إن عشاء الرب، كانت تسبقه خدمة تتكون من قراءة الأسفار المقدسة والصلوات والتحريضات، فلابد إذا أنه كان قد حدث الفصل قبل ذلك، بين وليمة المحبة وعشاء الرب. ويذكر ترتليان (حوالي 200م) أن (الأغابي) كانت مازالت موجودة، ولكنه يقول بكل وضوح، إنه في كنائس الغرب لم يعد عشاء الرب مرتبطا بها، ولكن يبدو أن الارتباط بينهما أستمر في كنائس الشرق إلى ما بعد ذلك، ولكن شيئا فشيئا أصبح الفصل بينهما عاما في الغرب وفي الشرق أيضاً. ومع أن (الأغابي) ظلت تؤدي دورها الاجتماعي في الكنيسة زمنا أطول، إلا أنها أخذت تختفي شيئا فشيئا بعد أن اقتصرت على مجرد وليمة إحسان للفقراء. ( 5 ) أسباب الفصل بينهما: يبدو أن عدة عوامل قد تضافرت على أحداث هذا الفصل، فلربما كان للقانون الذي أصدره تراجان ضد النوادي والاجتماعات العامة، بعض الأثر في ذلك، ولكن لعل الأهم من ذلك هو ما أشيع بين العامة بأن هذه الولائم المسائية كانت فرصا للهو والعربدة، بل وللجريمة. فإساءة استخدام هذه الولائم، التي شجبها الرسول بولس (1كو 11: 20ـ22) ويهوذا في رسالته (عد12)، لابد أنها تضخمت و استشرت بنمو الكنيسة وتزايد الأعداد فيها، واتساع صلاتها بالعالم الوثني، مما جعل من الأفضل الفصل بين الاثنين. أما العامل الأكبر فلابد أنه نشأ عن نمو فكرة السرية والتقديس، التي تحولت بها الصورة البسيطة التي رسمها الرب بنفسه، إلى ذبيحة كهنوتية سرية. لقد كان الأمر طبيعيا وفي غاية البساطة والملاءمة أن يصنع الرب العشاء في ختام وليمة الفصح المشتركة، ولكن عندما تحول هذا العشاء التذكاري إلى تكرار صورة ذبيحة الجلجثة عن طريق الخدمة الكهنوتية،سادت الفكرة الصوفية بأن (الأفخارستيا) لابد أن يتناولها الإنسان وهو صائم، وإنه من التدنيس لها أن ترتبط بوليمة اجتماعية عادية.
محبوب
محبوب وهو تعبير عن عاطفة الإعزاز، ويستخدم كثيرا في العهدين القديم والجديد. وقد وردت هذه الكلمة في العهد القديم في تسعة وأربعين موضعا، منها اثنان وثلاثون في سفر نشيد الانشاد وحده. وتأتي هذه اللفظة (محبوب) ترجمة عن كلمتين عبريتين ومشتقاتها، الأولى هي (أحب) بمعنى (يتوق أو يشتاق إلى) ومن ثم فهي تعني (يحب) وتقابلها في العهد الجديد كلمة (أغابو) وتعبر عن المحبة المبنية على الاحترام القلبي والتقدير الصادق. والكلمة الثانية (دود) بمعنى (يحب) (ومنها جاء أسم داود، أي المحبوب)، وتستخدم أساسا للتعبير عن الحب بين الجنسين حبا مبنياً على العاطفة والشعور، وهي في معناها قريبة من الكلمة اليونانية (فيلو). وكثيرا ما تستخدم الكلمتان في معناها السامي، بالتبادل، فقد أستعملت الكلمة الأولى للتعبير عن حب الزوج لزوجته (تث21: 15و16). كما أستخدمت مرتين للتعبير عن الحبيب (نش 1: 14و16). وهكذا تتسامى العاطفة في سفر النشيد من مجرد عشق إلى عالم الروحيات والنبوات عن المسيا. كما استخدمت كلتا الكلمتين تعبيرا عن محبة الله لمختاريه، فيقول عن سليمان مثلا إنه كان (محبوبا إلى إلهه) (نح 13: 26)، وعن بنيامين (حبيب الله) (تث33: 12)، بل عن اسرائيل المعاند: "ما لحبيبتي في بيتي" (إرميا 11: 15) وقد وصف الرب الشعب القديم بالقول: (حبيبة نفسي) بمعنى المحبوبة جدا (إرميا 12: 7). كما قيل عن دانيال ثلاث مرات (محبوب) أو (الرجل المحبوب) (دانيال 9: 23؛ 10: 11و19). أما في العهد الجديد فترد كلمة (أغابو ) ومشتقاتها خمسا وخمسين مرة، وتستخدم للدلالة على الحب الإلهي، وكذلك على الحب المسيحي الذي نبت في مجتمع الحياة الروحية الجديدة في المسيح، فيقول الرسول بولس ـ مثلاً ـ عن أمبلياس "حبيبي في الرب" (رومية 16 : 8). إن جمال وصدق وروعة هذا الحب، تنفرد به المسيحية على مر العصور، فالإخوة في المسيح هم (المحبوبون) (1تس 1: 4) و (الأحباء) (1كو 15: 58، يع 1: 16، 2: 5). وقد خص العهد الجديد البعض بالاسم بهذا الوصف، مثل تيموثاوس (2تي1: 2) وفليمون (فل1)، أمبلياس وأوربانوس واستاخيس (رو 16: 8و9)، و"برسيس المحبوبة" (رو16: 12). ويوحنا الشيخ مثل قوى واضح لعمق ورقة المحبة المسيحية، فهو يخاطب تلاميذه ـ في رسائله الثلاثة ـ في اثنتي عشرة مرة باسم "الأحباء" أو "الحبيب" (1يو 3: 2و21؛ 4: 1و7و11؛ 2يو1:1؛ 2 يو1و2و5و11و14). ويدعو الرسول بولس مختاري الله "القديسين المحبوبين" (كو 3: 12). وتبلغ كلمة (المحبوب) أسمى معانيها حينما ترتبط بالمسيح، فيتغنى الرسول بولس بمجد نعمة الله المجانية في المسيح قائلاً: "أنعم بها علينا في المحبوب" (أف1: 6). كما استخدمت كلمة "الحبيب" أي "المحبوب" مرارا للتعبير عن محبة الله غير المحدودة للرب يسوع المسيح "ابنه الحبيب" (مت 3: 17، 12: 18؛ 17: 5، مر 1: 11، 9: 7، 12: 7، لو3: 22، 9: 35، 20: 13، 2بط1: 17). وقد شاعت كلمة "أغابتوس" في كتابات الرسل وبخاصة في الرسائل الرعوية. وليست ثمة كلمة أقوى منها تعبيرا عن الروح المسيحية على مر العصور.