يتساءل كثيرون عن معنى النسك والتقشف. الجواب العملي سهل، أما النظري فسفسطة. إما أن يعشق الانسان ذاتهوإما أن يعشق الله. النسك والتقشف المغمّسان في الصلاة بالروح القدس يقتلعانا من أجسادنا، لنكون في المسيح للآب السماوي. ثم تنعكس قداسة الروح على الجسد، فيمنحُ الروحُ القدس أجسادنا رجاءَ قيامةِ عدم البلى في القبر.
إن عالمنا السائربخطى حثيثة نحو الفراغ الروحي والضياع، ونحو العبودية لسادة قساة القلوب نحو الاستغلال لصالح الطغاة في عالم الفساد الحاضر، هو اليوم أحوج منه في أي يوم مضى الى الانبعاث بالنسك والصلاة. الإنسان يتعرّى بسرعة من إنسانيته ليضحي آلة مسخّرة. لم يعد سيّد نفسه حتى في أتفه شؤون منزله.
النسك طريقة الى الحرية الروحية، الى اكتشاف نفسه الضائعة، الى إنقاذ عالم الغد من استفحال سرطان بقادرة على إنقاذ إنسان الغد ـ على المدى البعيد ـ من الوحشة الداخلية والضجر والسأم والملل وعلمَنا التاريخ أن قرارات الحرب والإبادة غير عسيرة على السياسيين. ومتى كان السياسيون رجال الله؟
أما الحبساء فقد انتصروا على الضجر، وملأوا فراغهم بتنشق روائح يسوع وامتصاص أنواره الزاهية. الحبساء خير الأدلاء على طريق الانعتاق الداخلي. عالمنا الحاضر بحاجة إليهم ليطردوا منه شياطين العنف، والتوحّش والبغضاء، والتلاشي في المستنقعات، والاختناق في السموم. يسوع وحده القرار والامتلاء والكمال والاطمئنان والسرور الأبدي. لا خلاص لعالمنا الحالي إلا بالنسك. الرهبان سيُخلـِّصون العالم (دوستويفسكي).