أن طقوس الكنيسة وخدمها موجودة بالدرجة الأولى لتساعدنا على اكتشاف هذه الحياة الجديدة وتذوقها. وإذ نحن نضيعها ونخونها بسهولة، تدعونا الكنيسة بالصوم والتوبة للعودة إليها. كيف باستطاعتنا أن نرغب ونحب شيئاً لا نعرفه؟ كيف بمقدورنا أن نضع، في حياتنا، أمراً فوق كل شيء إن كنا لم نره أو نستمتع به؟ كيف يمكننا باختصار أن نطلب ملكوت الله ونحن لا نملك فكره عنه؟ إنها العبادة في الكنيسة التي كانت منذ البدء وما تزال مدخلاً لنا إلى هذه الشركة في حياة الملكوت الجديدة. بواسطة هذه العبادة تكشف لنا الكنيسة بعضاً مما "لم تره عين و لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه". وفي مركز هذه الحياة الطقسية، في قلبها وفي ذروتها ينتصب الفصح. انه الأبدي الذي ينتظرنا، على المجد والنصر الذي يملأ منذ الآن – مع إنه غير منظور- الخليقة كلها. "لا موت بعد". طقوس الكنيسة كلها مرتكزة حول الفصح الذي هو الوقت نفسه النهاية والبداية: نهاية كل ما هو قديم وبداية كل الحياة الجديدة. أنه العبور الدائم من هذا (العالم) إلى الملكوت الذي أعلن مسبقاً في المسيح.
ولكن الحياة القديمة، حياة التفاهة والخطيئة لا تتغير بيسر ولا نغلبها بسهولة. أما الانجيل فيتوقع من الإنسان وينتظر منه جهداً، يبدو عملياً إنه عاجز عنه. إنه يتحداه برؤيا، بغاية، بطريقة حياة هي اكبر بكثير من قدرته. حتى أن الرسل عندما سمعوا تعليم السيد، سألوه بيأس: " وكيف يكون هذا". ليس سهلاً بالواقع أن نرفض غاية صغيرة في الحياة، تقوم على الاهتمامات اليومية والبحث عن المقتنيات المادية وعلى الطمأنينة والراحة. غاية في هذه الحياة كهذه لا تستحق أن تكون غاية "إذ نحن مدعوون أن نكون كاملين كما أن أبانا الذي في السموات هو كامل". أما هذا العالم فيقول لنا بجميع وسائله الإعلامية وغيرها: كن سعيداً، كن غنياً، ادخل الطريق الواسع. أما المسيح في إنجيله فيقول: ادخل من الباب الضيق، ناضل وتألم لأنه هذا هو الطريق الحقيقي والوحيد للسعادة. وإذا لم تساعدنا الكنيسة، فكيف يمكننا أن نتبنى هذا الاختبار الرهيب، كيف يمكننا أن نتوب ونعود إلى ذاك الوعد الذي يعطينا إياه الفصح كل سنة؟ هنا بالضبط يأتي دور الصوم المساعد الذي تقدمه لنا الكنيسة، دور مدرسة التوبة التي بمقدورها وحدها أن تهيئنا لقبول الفصح ليس كمجرد سماح بأن نأكل ونشرب ونسر، بل بالضبط كنهاية ما هو قديم فينا ودخول إلى (الجديد).
لقد كانت الغاية الأولى من الصوم في الكنيسة الأولى إعداد الموعوظين، أي المهتدين جديداً للمسيحية، للمعمودية التي كانت تقام آنذاك أثناء خدمة الفصح. وبالرغم من أن الكنيسة نادراً ما تعمّد البالغين وبالرغم من اختفاء الموعوظية، فالمعنى الأساسي للصوم يبقى هو نفسه. بالرغم من إننا معمدون، ما نفقده وما نخونه بالضبط هو الذي أخذناه في معموديتنا. إذا الفصح هو عودتنا كل سنة إلى معموديتنا نفسها والصوم هو تهيئتنا لهذه العودة. هو هذا الجهد البطيء والثابت كي نحقق "عبورنا" أو فصحنا إلى الحياة الجديدة في المسيح. وإذا كانت طقوسنا الصومية ما زالت تحتفظ حتى اليوم بطابعها التعليمي والعمادي، فهذا ليس أثراً باقياً من الماضي، بل أنه أمر صحيح وجوهري لنا. فالصوم والفصح هما لنا، كل سنة، مرة أخرى، كشف جديد واستعادة لما صرناه في موت معموديتنا وقيامتنا.
الصوم هو بالحقيقة رحلة وحج. ومنذ ابتدائها، منذ الخطوة الأولى في "الحزن اللامع والمشرق" للصوم، نرى من بعيد الغاية الأخيرة. انه فرح القيامة انه الدخول إلى بهاء الملكوت. هذه الرؤيا، هذا التذوق المسبق للفصح هو الذي يجعل حزن الصوم مشرقاً ولامعاً وهو الذي يجعل من جهدنا الصيامي "نبعاً روحياً". هذا الليل قد يكون مظلماً وطويلاً ولكننا طوال الطريق نلمح فجراً لامعاً وسرياً يشرق في الأفق "فلا تحرمنا من هذا الترقب يا محب البشر".
+++صوماً مباركاً.. وكل عام وانتم بخير
من كتاب - الصوم الكبير مع شرح صلوات أسبوع الآلام
للأب الكسندر شميمن
[MEDIA]http://www.jordanorthodoxmonastery.com/CD4/08%20-%20Track%208.mp3
[/MEDIA]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات