*في الكبرياء*
الكبرياء هي اصل وينبوع كل خطيئة. غريغوريوس الذيالوغس يميزها عن الخطايا السبع المميتة ويقول ان الكبرياء هي ملكة الخطايا وحالما تغلب الانسان وتؤسر قلبه تسلمه الى سلطة قوّاده ليميتوه . الكبرياء هي ام كل الاثام ولذلك سماها القديس ايسيذوروس في كتابه المدعو اتيمولوجيا باستئصال الفضائل لانها تحارب وتقاوم الفضائل جميعها وهي على الاخص ضدّ التواضع ولها خمس درجات كما قال غريغوريوس الانف ذكره فاعلم ان الخيرات تنقسم الى روحيّة كالنعمة والنبوة واجتراح الايات وطبيعية كالحذق والجمال والقوة وعرضية كالغنى والشرف فهذه الخيرات يمنحها الله لمن يشاء وكيفما وحينما بقدر ما يشاء . فأول درجة للكبرياء هي ان يرزق الانسان جزءا من هذه الخيرات وينكر انها من الله ظنّا منه بانه هو الذي حصّلها والدرجة الثانية هي ان يعتبر الخيرات معطاة من الله لا على سبيل الهبة بل على سبيل الجزاء كأن له حقا في الحصول عليها. الثالثة هي ان يدّعي انه حاصل على مزايا ليست فيه الرابعة هي ان يحتقر غيره من الناس ويطلب منهم اكراما لا يستحقه والدرجة الخامسة تقوم بالتهاون بالنواميس الشريفة وبعدم الخضوع لما سنّه اباؤنا الابرار كالصوم وسائر التقليدات الكنسية وهذه هي الدرجة العليا لان من يتصل اليها يتهاون نوعا ما بالله عزّ وجل ملك الجلال وسيد البرايا له الاكرام والمجد كل حين. ومن الكبرياء تتفرع خطايا كثيرة منها الفضول والاعجاب والمجد الفارغ والافتخار والافراط والوقاحة والتشامخ والعصيان والحرية الكاذبة والاعتياد على مخالفة وصايا الله فهذه الجرائم هي بمنزلة بنات للكبرياء تعضدها وتقويها. فان كنت تريد ان تنجو منها فعليك ان تبغضها. قال القديس غريغوريوس كما ان التواضع هو علامة لمختاري الله اذانه يدل على انهم سوف يتمتعون بملكوت الله هكذا الكبرياء هي شهادة صادقة تشجب مرتكبيها اي بانهم سوف يتهورون في الجحيم ويسلّمون الى العذاب الابدي طبقا لقوله تعالى "من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع" فمقدار ما تعجب بنفسك وتعظم ذاتك تكون حقيرا ومرذولا امام الله لانه يعاند المستكبرين ويذلّهم ويشتت المتكبرين بذهن قلوبهم كما قالت سيدتنا. ان كان التواضع نعمة النعم فالكبرياء حاجز لكل الصالحات وعلة الزلات منها تتولد الهرطقة والعداوة والسرقة وخصائل ردية مختلفة تشبه ابنية مبينة حول برج لا يستطيع العدو ان يهجم عليها لكونها تحت حماية البرج وهذا البرج انما هو الكبرياء التي تعضد وتقوي الخطايا ضدّ من يحاربها من الناس. ربما كثيرون يرغبون ان يردوا ما اختلسوا من غيرهم ظلما وبسبب الكبرياء يستحون ان يقرّوا بذبهم ولذلك لا يردون المسلوب وكثيرون من محبي المال يرغبون ترك المكاسب القبيحةوالرباء الا ان الكبرياء لا تدعهم يقلعون عنها خوفا من ان يفتقروا ويقل اعتبارهم وبعض يريدون ان يصفحوا عن الشتائم والاهانات التي صوبها الاعداء عليهم ويتركوا الانتقام لله وحده الا ان شيطان الكبرياء يمنعهم عن تقييم امر الله فيحتسبون عدم الانتقام من الاعداء اهانة لهم. أرأيت كيف ان برج الكبرياء يساعد بقية الخطايا حتى ان اسلحة النور والتعليم الصحيح لا تقدر على هدمها. فاذا ان كنت تريد الانتصار في الحرب ضدّ الخطيئة فاجتهد اولا في هدم برج الكبرياء ومن ثم تستطيع الغلبة على ما سواها. افتخر النبي قائلا " انا قلت في تنعمي اني اتزعزع الى الدهر" فوقع في خطيئة الزناء والقتل وافتخر بطرس لما أجاب سيده الذي قال لتلاميذه وله انهم سيشكون به ليلة صلبه بهذه الكلمات "ولو تركك الجميع انا لا اتركك واني لمستعدّ ان اموت لاجل محبتك"فتهور وبسماح من الله حجد معلمه ثلاث مرات. هذه هي اثمار الكبرياء وكثيرون من النساك الافاضل الذين كانوا يخرجون الشياطين ويجترحون الايات سقطوا بسبب الكبرياء في اعظم الخطايا والباري تعالى محافظة على اصفيائه من الكبرياء كثيرا ما يسمح ان يجرّبوا باحزان كثيرة كما جرى لبولس الذي قال عن نفسه " أعطيت ملاكا شيطانيّا لبشرتي ليقرّعني لئلاّ اتسامى من عظم الاستعانات". انه في ميدان الحرب بين الفضائل والرذائل ان غلبت الفضيلة تهرب كل الخطايا ما خلا الكبرياء التي تحارب الانسان حتى الموت فاذا غلبت الاهواء استعد لمحاربة المجد الفارغ وان غلبك خسرت جهادك. ان كنت عفيفا مثلا وصاحب فضائل كثيرة فاحذر حينئذ كل الحذر من الكبرياء لانها لا تهرب من الانسان بل تحاربه حتى الموت وان لم تحذر منها فتكون باطلا تعبت ويصيبك ما اصاب الفريسي الذي مع كل فضائله نزل من الهيكل مشجوبا بسبب كبرياءه وكثيرون من الافاضل والاتقيا والنساك سقطوا بسبب الكبرياء وذهبت جهاداتهم باطلا وسدى. ان اليعازر غلب الفيل وقتله لكنه لعدم حرصه وقع عليه الفيل وقتله وانت كذلك اذا انتصرت على خطيئة من الخطايا فتصوّر انك قتلت وحشا لكنك ان لم تحذر لنفسك وتبتعد من المجد الفارغ فتكون غلبتك موتا لك وانت القاتل تصير مقتولا من تلقاء نفسك. ان اول من يبتعد من الله وآخر من يرجع اليه هو المتكبر. لان ذلك الوديع والمتواضع القلب يرذل الكبرياء ويحطها على الكراسي ويرفع المتواضعين. فهو حط بطرس بواسطة جارية وجليات بواسطة داود الذي مع كونه فتى صغير السن قتل الجبار. وهو تعالى حطم اولوفرنيس فقطعت امرأة رأسه وهو نفى ادم من الفردوس وأعدم شاؤل ورحبعام الملك وضرب من عسكر سنحاريب مائة وخمسة وثمانين الفا وغرّق فرعون وجنوده في البحر الاحمر وآخرون كثيرون اذهلهم الله ليس من البشر فقط بل من الملائكة ايضا لان الملائكة الذين اتخذوا العظمة لانفسهم ادبهم الله ونفاهم من السموات وحكم عليهم بالعذاب الابدي فان كانت الكبرياء صيّرت الملائكة شياطين لا بدع في ان التواضع يصيّر الانسان الها فاحذر من العجرفة اذ لا حق لك ان تتسامى لانه بالاثام حبل بي وبالخطيئة ولدت. حياتك تمضي بالاحزان والاكدار وآخرتها الموت لانك تراب انت والى التراب تعود فلو افتكرت بانك تراب ورماد وذكرت ان القبر منتهى مجدك وتصورت الاضرار التي تسببها الكبرياء لك لكنت ابغضتها بالتمام متصورا الرائحة الردية التي تنبعث منك والاقذار والدود ميراثك عند ما تصير مداسة للفقراء الذين انت الان تحتقرهم.فيا لجهدك ايها المتكبر لم لا تعتبر ما تراه جاريا كل يوم في الكنائس وفي المقابر. اليس من المستغرب ان يتكبر من هو حامل على رأسه قضية الموت الصائرة بسبب معصية ادم. ان كنت تفتخر بفضيلتك وحكمتك او في مزيّة تمتاز بها او في علم حصلت عليه فهذه جميعها منح ومواهب من الرب وسوف تعطي عنها اجوابا يوم الدين لان من أعطي كثيرا يطلب منه كثيرا والاقوياء يحاسبون بالعنف. ان القوى هي احسانات من الله ذي الصلاح فان فقت على غيرك في الحكمة او الشجاعة او القدرة او الغنى او غير ذلك من المواهب الخارجية او امتزت في المواهب الروحية كالعفة والامساك فيجب عليك بالاحرى ان تتضع لان هذه جميعها منحدرة من لدن ابي الانوار انما الخطايا والجرائم تخصك فان اردت ان تفتخر بها فتكون ارادتك ناتجة عن جهل منك وغباوة مفرطة. اقرن جميع خطاياك معا وقابلها مع فضائل القريب وعند ذلك تعرف خطاياك وحق القريب. لا تفتكر بفضائلك ونقئص غيرك. لا تنظر الى القذى الذي في عين اخيك وتنسى الخشبة التي في عينك لئلا تشجب كالفريسي المتعظم. ان الله وضع ادم مقابل الفردوس لكي ينظر طيب ذلك المحل الذي عدمه بسبب تكبره ويتواضع. فتذكر انت ما سلف من اعمالك لان التذكر بالمآثم دواء نافع ضد المجد الفارغ. قل لي بماذا تفتخر. أبالملابس الناعمة. لكنها في الغد تبلا وهي تستحصل من حيوانات اقل قدرا منك أبالغنى لكنه ليس لك لانك في الغد تموت ولا تاخذه معك. افتح عينيك واعتبر ذاتك فترى ان الكبرياء هي مزية شيطانية لا بشرية لان طغمة من الارواح تكبّرت وعصيت على الله معجبة بشرفها واما انت يا دودة الارض المنفى الى وادي البكاء فما بالك تتشامخ على الله متشبها بالمحال مع انه كان بالاحرى بك ان تتواضع لان جسدك من التراب ونفسك مع كونها شريفة فمملوءة من الخطايا. سأل احد الاخوة الناسكين الانباء بامفو ما هو الافضل للمتوحد ايا ترى الانفراد في البرية ام سكنى الدير مع الاخوة. فاجابه الشيخ العاقل: ان عرف المرء نفسه وتواضع فيمكنه ان يقيم حيثما شاء وان لم يعرف ذاته وتعظّم فلا راحة له اينما توجّه.
ان كنت تفتخر بفضيلة لا يملكها غيرك فاذكر ان غيرك ربما يفوقك بفضائل اخرى انت لا تملكها مثلا انت تصوم وتصلي اكثر واما ذاك فيمتلك محبة وصبرا وهما افضل من صيامك وبالاختصار تقول اذكر فضائل الاخرين ومعائبك فتحرز التواضع وتشتعل فيك نار الغيرة والميل للاصلاح والتثقيف وهكذا تنجو من ريح المجد الفارغ الذي يدمك الخلاص والنعمة الالهية.
هذا ولا يخفى ان المتكبرين فضلا عن كونهم ممقوتين من الله يكونون مبغوضين من البشر لان الناس لا تكره واحدا بمقدار ما تكره المتكبّر وبما انه محروم من الاصدقاء المخلصين يكون محزونا في اعماله فيريد العظمة وان لم يؤدوا له الاحترام يضطرب ويحزن داخليّا. المتكبرون كثيرا ما يعتبرهم الخوف ويقعون في شدائد ويرتكبون بمشاجرات ومقاتلات كثيرة لانهم يغايرون بعضهم. روي عن احد الملوك الروم انه قدّم له تاج ثمين فاخذه بيده وقال ايها التاج الشريف القدر والتعيس الحظ لو عرفت الناس ما يملأك من الهموم والبلايا والاخطار لما كان اكترث بك احد ولو صادفك مطروحا على الارض.فما قاله الملك العاقل بشأن التاج يصح على المراتب العالية والاشياء الثمينة التي يتوق اليها المتكبرون لانهما مهما كانت سامية وشريفة لا تخلو من الهموم والاضطرابات اذان الكبرياء تشبه شجرة عالية ذات اغصان وفروع جميلة ولكن غير قويّة من صعد الى رأسها يسقط سقطة مهولة يرثى لها اما المتواضع فيحبه الجميع ويغضّون النظر عن قصوراته فهو يقهر الغضبان بالصبر والمتكبر بالتواضع لان الرب يرفع المتواضعين ويخيّب راغبي العظائم فهو فضّل يعقوب على عيسو واسحاق على اسمعيل ويوسف على اخوته وحنه على فحنان وداود على شاول والعشار على الفريسي ولعازر الفقير على الغني وفوق كل هذه رفع ربنا يسوع المسيح بما انه متواضع باختياره اكثر من الجميع وليكن لك هذا المثال عبرة ان كنت ترغب المجد الابدي اي اقتد على قدر امكانك بربنا متذكرا ان ابن الله وكلمته صار انسانا متواضعا ليشفي جراح الكبرياء العضال. فيا له من عجب الاله افرغ ذاته واتضع بهذا المقدار حتى انه ولد في مغارة اضطجع في مذوذ عاش بالمسكنة احتمل الاهانة غسل اقدام تلاميذه وبعد الشتائم والاهانات احتمل الموت. فليستحي المتكبرون الجهلاء الذين لا يعبأون بالانموذج الالهي لانه ماذا لم يصنع الرحمن لاجل خلاصنا . فاقتد اذا بسيدك وامقت المجد الفارغ وحبّ التواضع الذي بدونه لا تنفع ولا فضيلة. جالس المتواضعين واجلس في المحل الاخير وقم بخدمة الغير. لا تسمح لذاتك بقول او عمل يستبان منه انك تجعل ذاتك افضل من غيرك. اقتصر على ما هو ضروري ولائق في الطعام واللباس دون افراط. . وبالاختصار نقول اقتد بالسيد والسيدة والقديسين الذين عاشوا في غاية التواضع. وكما ان الشجر المخصب ثمرا قدر ما يزداد حمله يحني رأسه واغصانه نحو الارض هكذا الرجال الافاضل كل ما كثرت عليهم الخيرات والمواهب يزدادون تواضعا لانهم يعلمون ما قاله الرب " اذا فعلتم كل ما أمرتم به قولوا اننا عبيد بطالون انما عملنا ما يجب علينا" ان كانت العظمة الالهية تواضعت حتى الموت فكيف يتسامى الضعف البشري . ان هابيل اوضح لنا سلامة القلب وانوش الطهارة ونوح علو الهمة والرجاء وابراهيم الطاعة وضيافة الغرباء ويعقوب طول الاناة ويوسف العفة وموسى الوداعة وايوب الصبر وداود محبة الاعداء وايلياس الغيرة الدينية. اما ابن الله فجاء ليعلّمنا التواضع ايضا فقال " تعلّموا مني فاني وديع ومتواضع القلب" نعم انه يعلمنا كل الفضائل الا انه بنوع اخصّ يحثّنا على فضيلة التواضع كانها خزانة لسائر الفضائل.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات