* في الغضب*
قد يسمح في الغضب اذا كان مصوّباضد الخطيئة او اذا كان القصد منه اصلاح ذنب او اجراء عدل وبما انه ناتج عن عدل فهو صوابيّّ ولا خطيئة فيه لا بل الاغتياظ ضد الجرائم فرض لازم. قال فم الذهب في المقالة الحادية عشر من تفسير انجيل متى " ان من لا يغضب بسبب شرعيّ يخطي لان غض النظر في غير وقته يسبب الجنايات ويقوّي الكسل ويحث على الشر" فيكون غيظك صوابيّا اذا رأيت احدا يخطي مزدريّا بالناموس الالهي علنا فاغتظت منه وبحسب وظيفتك وحقوقك ادّبته واذا وبخت مثلا الذين يشتغلون في الاعياد او طردت من هيكل الرب اولئك الذين يصنعون الضوضاء فيه نظير ما فعل السيد المسيح الذي طرد من الهيكل الباعة واصيارفة بمقرعة. لكن الغضب يكون خطيئة اذا تجاوز حدّه او سبّب ظلما وبدأ عن علة غير صوابية وبطريقة خارجة عن حدود اللياقة ولذلك من الواجب عليك ان تستولي على غضبك ولا تدعه يسبق عقلك لان منه تتولد ذنوب كثيرة كالصياح والتجديف والقتال والشتم وما اشبه. ولا شك في اننا نقع في نتائج هذا الاثم اولا اذا انتقمنا من احد بلا سلطان وبلا امر من الحكومة ثانيا اذا التهينا بسبب الغضب عن الذهاب الى الكنيسة او عن الاعمال الخيرية ثالثا اذا جدفنا ( والتجديف هو اثم فظيع كما رايت في الفصل السادس) رابعا اذا لعنا انفسنا او غيرنا وعلى الخصوص من هو اعظم منا رتبة ومقاما كالاب والام والرئيس ففي مثل هذه الذنوب يقع الغضوب ومن يرغب النجاة من هذه الخطيئة فعليه ان يطالع ما كتبناه بشأن الكبرياء لان منها يتولد الغضب ولان المتكبرين ينحازون اليه وفضلا عن ذلك اسمع النصائح الاتية:-
اولا اعلم ان من شتمك او قصد مضرتك يضر نفسه اكثر من ان يضرّك وكذلك ان شتمت انت احدا او اردت الانتقام منه تضر نفسك اكثر لان الانسان لا يحمل الضرر كما قال فم الذهب المعظّم الا من قبل نفسه. فانت لا تنتقم من محزنيك ولا ترد مضرتهم لاننا جميعنا اخوة واعضاء المسيح ويجب علينا ان نحمل اثقال بعضنا. هل من اللائق ان تثقل اليد على الرجل او الرجل الواحدة على الاخرى او على عضو آخر فجاهل اذا هو ذلك الانسان الذي يريد مضرة اخيه.
لا تدع الغضب يتقوّى عليك ولا تعمل عملا او تلفظ كلمة تسبب عثرة بل ابتعد عمّن اذنب اليك ومارس عملا آخر الى ان يروق غضبك واذا خطر ببالك ان تعمل شيئا وانت في حال الزعل فتأخر عن اتمامه الى ان تتمعن على هدوّ وتذكر ان هذا العمل يؤذي جسدك ونفسك لان كثيرين فعلوا ما فعلوه وقت الغضب فحلت فيهم الندامة فيما بعد. لقد ورد في اخبار الرهبان ان الاخوة سألوا انبا اشعيا ما السبب في ان الشياطين ترهبه فاجاب اني من حينما قبلت اسكيم المتوحدين لم ادع كلمة غضب تبرز من فمي والانبا اغاثون كان يقول اني لم ادع الشمس تغيب على غضب اخي بل كنت اطلب منه السماح فيزول الشك فافعل انت هكذا لتنجو من الغضب ومن عواقبه.
اذا تطاول عليك احد واخذ يشتمك فافعل احد الامرين وه اما انك تنصرف عنه الى ان يروق خاطره او اذا لم يمكنك ذلك ان تلاطفه بالكلام الليّن لان الكلام الحلو يطفي الغضب والكلام القاسي يهيجّه واذا لم يمكنك احد هذين الامرين فلازم السكوت وتوسل الى الرب من اجله لان الاولى ان تهدّي الغضب بالسكوت ولا تقهره بالجواب.
اذا حملتك على الغيظ اسباب ليست من الناس كالمصائب والاحزان فتأكد ان الله ارسلها اليك لمحو اثامك وبدلا من ان تغتاظ احملها بصبر واحمد الله الذي ارسلها لمنفعتك حاذيا حذو كثيرين من الصديقين. اذكر ايوب الجهيد الصنديد الذي اصطبر على الضربات والاضرار ولم يلفظ كلمة ضد الرب وموسى النبي الذي لم يغضب لما مرمره اليهود العادموا الوفاء وداود الوديع الذي احتمل الاضطهادات والشتائم والاهانات ولم يغضب ولم ينتقم من اعداءه ومن رجال العهد الجديد فاذكر الرسل القديسين الذين لما جلدهم الفريسيون ذهبوا فرحين من امامهم كما يذكر القديس لوقا الانجيلي في اعمال الرسل لانهم حسبوا ذواتهم مستاهلين ان يهانوا من اجل اسم سيدهم كذا كل الشهداء الذين لا يحصى عددهم اذكرهم وتشبه بهم وكابد الاحزان لتكون هي سببا لخلاصك ابغض الغضب لانه يصيرك ان تنسى الله وضميرك ويعمي نفسك ويعدمك العقل والتمييز ويلقيك في مصائب متنوعة ويضر الجسم لانه يشوش الاخلاط ويضعف المزاج ولهذا السبب ترى الغضوبين في الغالب قصيري الاعمار. الغضب يعدم الانسان سلامته الداخلية والخارجية وهذه السلامة اعزّ شيء في العالم ويصيره يجيز حياته في الشقاوة والكآبة وبهذا المقدار يشوشه ويحزنه حتى انه لا يستطيع ان يعمل عملا صالحا لا لنفسه ولا لجسده وكثيرا ما يعمل اعمال جنونية تليق بالحيوان لا بالانسان وهل تليق هذه الحالة بانسان عاقل سيما مسيحي من شأنه التواضع والوداعة وطول الاناءة اقتداء بالسيد المسيح معامه ومخلصه فاضبط غضبك ولا تدعه يسبق عقلك فتكون لك الكرامة على الارض والاكليل في السماء والا فان استولى عليك الغضب تطرد من السماء لانك لا تستأهلها والناس تهرب منك كمن وحش والغضب يصير لك موتا. الغضب حبل متين يجرّنا به المحال الى خطايا متنوعة دون ان نعرف اين نذهب واما الوداعة فهي السكين التي بها تقطع هذا الحبل بكل سهولة وخاصة اذا سنّت بمسنّ الصخرة التي هي المسيح اي اذا افتكرنا بوداعته واقتدينا بها لاننا باعمال التواضع نغلب اولئك الوقحاء العاتين الذين دأبهم تشويش سلامة الصالحين . هذه الوداعة هي ترس ضد سيف الاعداء ويجب ان نمتلكها في السعادة فضلا عن الضيق كي لا نتعظم وهي تصبّر الانسان محبّا للسلامة عاقلا لا يلتفت الى الشر ولا الى فاعله المسبب له الاحزان بل يراقب ويحاسب نفسه في ماذا يجب ان يعمل كتلميذ للمسيح مخلصنا الوديع. فاذا كن دائما مستعدا لاحتمال الاحزان وارض بها عالما ان الهك الرحوم يرسل لك التأديب عربونا للسعادة الابدية ليت جميعنا ننالها بنعمته ومحبته للبشر ابدا آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات