مختارات من كتاب: الشيخ القدّيس "جاورجيوس كارسليذيس"

نقلته عن اليونانية: الأخت ماريَّـــا قبارة

مولد الشيخ ونشأته

ولد الشيخ جورج في أرغيروبوليس في البنطس في العام 1901 من أبوين تقيين، سابا كارسليذيس وأمّه صوفيا. وفي معموديته أخذ اسم أثناسيوس.
بقي الطفل يتيماً في سني حياته الأولى، والده قُتل في إحدى المعارك وعندما جلبوه إلى بيته وبعدما ألقت زوجته سلامها له رقدت هي أيضاً فدفنوها في نفس قبره. وأصبحت الجدة –والدة أبيه- الأمّ الثانية له ولأخيه الأكبر وأخته الصغيرة. كان للجدّة ثلاثة شباب من بينهم والد الأطفال الذي لقي حتفه، والآخر مثله أمّا الثالث فقد كان مفقوداً لا أحد من أهله يعرف إن كان حياً أو ميتاً.
وفي عمر الخامسة كان الييروندا راعياً لماشية أخيه القليلة، الذي كان يعامله بخشونة وقساوة، لكنّ الصغير احتمل هذا بصبرٍ وتعلّم الصلاة في هدوء الجبال، فكان يسارع إلى الكنائس للترتيل هناك. أمّا كهنة القرية فكانوا يرون نعمة الله المنسكبة فوق الصغير وأخذوا يراقبونه باهتمام في مسيرته هذه. كانت جدّته حزينة لسوء تصرف أخيه معه وسعيدة في نفس الوقت وهي ترى تقدّم أثناسيوس الروحي وتقدّم أخته آنا (حنة). وعندما أصبح في السابعة من عمره ذهب معها للسجود في الأديار القديمة المشهورة في البنطس، وللحج إلى دير سيدة سوميلا


سيامته شماساً

في 20 تموز من العام 1919 وفي عيد النبي الياس سيمَ راهباً على يد الأرشمندريت جاورجيوس وقدّم النذور الرهبانية الثلاثة: الطاعة والفقر والعفة، والتي حفظ هذه الفضائل كلّ حياته وبأعلى الدرجات. وبدلاً من اسم أثناسيوس اتخذ اسم سمعان والذي يعيد له ثاني يوم من رسامته أي 21 تموز. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ أجراس الدير و"السيمندرا" أخذت تقرع لوحدها في ساعة رسامة الشاب وكانت هذه علامة أخرى إلى أن السموات فرحت لرسامة هذا الراهب الشاب. كان الجميع خائفين لأنّه من بعد ثورة 1917 في روسيا كان قرع الأجراس ممنوعاً وبدأت اضطهادات مريعة للمؤمنين.
سرقت الكنائس ودمرت الأديار واستشهد الآلاف من الكهنة والعلمانيين، بدأت الاعتقالات والنفي والحبس والاضطهادات والتعذيبات والاعتقالات والسخرية والهزء وغيرها من الأمور إلاّ أنها قوّت إيمان من يحبّ الله. لسوء الحظ كان هناك جبناء وخائفون ومضللون في الإيمان وكانوا يخدمون الإلحاد ونظامه الاستبدادي. من بين هذه الأديار المنهوبة كان دير الييروندا أيضاً، اعتقل آباء الدير وتعرضوا للعذاب، وبحسب إحدى الشهادات وافق البعض منهم إلى إنكار إيمانه لحرية مؤقتة.
قادوا الشيخ إلى السجن مع باقي الرهبان وعمّه المطران، كان السجن بحالة يرثى لها أشبه بإحدى الزنزانات. كانوا يستلقون بدلاً من السرير على لوح موضوعاً فوق مصطبة يمرّ من تحتها أوساخ المجارير. بعض الآباء لقوا حتفهم في السجن ومن بينهم رئيس الدير إذ لم ينجُ من التعذيبات الكثيرة التي تعرّض لها. وفي صباح يوم اخذوا الييروندا خارج السجن، جلدوه بقسوة وربطوا يديه خلف ظهره وعبروا به طرقات المدينة ساخرين منه بقولهم: "ها هو النبي..."، وبعد أن ازدروا به أعادوه إلى السجن بعد أن قرروا إعدامه مع الباقين.
في عشية الفصح المبارك طلب الكهنة المسجونين الإذن بالذهاب إلى الكنيسة لإقامة الخدمة هناك ولكن لم يُسمح لهم. فصلوا وهم بين جدران السجن بحرارة إلى المسيح القائم من بين الأموات ليقويهم في الإيمان. وعندما بدؤوا يرتلون "المسيح قام من بين الأموات..." اهتّز السجن وفتحت الأبواب من تلقاء نفسها. وعلى أثر الضجة التي حدثت ركض من في القرية ليروا ما حدث، فرأوا ثلاثة كهنة وقورين يحملون الصليب الكريم ويتقدمون بشكل دائرة فوق السجن ويرتلون "يارب ارحم". استمّر المشهد الإلهي طوال الليل وهكذا رآه كل سكان القرية المجتمعين حول السجن، وتوقف مع حلول الفجر. وكان جميع المعتقلين في تلك اللحظة مستعدين لأداء الشهادة.
ارتدى الجميع ملابساً بيضاء وربطوا أيديهم ببعضهم واقتيدوا إلى مكان الإعدام، كانت جلجلتهم مخيفة، ففي الأسفل كان هناك منحدرات من صخور عظيمة تلفّ المكان من حولهم. أطلقت النيران على كلّ المجموعة، إحدى هذه الطلقات أصابت الغطاء المعدني العاجي لأيقونة القديس التي تصور والدة الإله والتي كان يلبسها على صدره عربوناً لجدته، أمّا الطلقة الثانية فأصابت بشرة رقبته دون أن تسبب له جرحاً خطيراً، والطلقة الثالثة أصابت قدميه دون أن تسبب له أيضاً أي أذى، ولكن بكونه مربوطاً مع الآخرين الذين أخذوا يسقطون موتى سقط هو أيضاً وجرح وتدحرج إلى المنحدرات الصخرية مع الأجساد الأخرى الميتة. رويداً رويداً وقع بمساعدة الناجين الآخرين وتسلقوا كلهم إلى مكان الإعدام، فلم يكن هناك من مخرج في هذا المكان الضيق الموحش لكي يجتازوه سراً.
عندما شاهدهم الحراس في الليل وهم مرتدين ذلك اللباس الأبيض ارتعبوا، لكن الييروندا هدّا من روعهم. أخبر الحراس الولاة والرؤساء فوصل أحد الأطباء إلى المكان وهو برتبه ضابط؛ ففحص الطبيب الييروندا وتيّقن أنّه تلقى ثلاث طلقات لكن أياً منها لم تكن قاتلة. وعندما غادر الضباط الغرفة أخبر الطبيب الضابط الييروندا بمايلي: "لا تخف. هناك قانون يصرّح أنّ من يتلقى ثلاث رصاصات ولا يموت على إثرها يطلق سراحه ويصبح حراً"، وهذا ما حدث بالفعل للييروندا وأطلقوا سراحه.
وتفيد إحدى الشهادات أن مدير السجن فيما بعد استدعى الييروندا ونصحه بأن ينكر إيمانه ليعيش مواطناً حراً فهو مازال شاباً صغيراً، إلاّ أنّ الييروندا صرخ بوجه المدير ضارباً كلتا يديه على مكتبه بكلّ شجاعة وجرأة قائلاً له: "ليس لديك أي سلطة أعلى من الله"، وهذا الكلام أزعج المدير واعتبره إهانة فأمر أن يُحبس في زنزانة مظلمة منعزلة في السجن حيث تتساقط عليه الأوساخ. مكث الييروندا مدّة طويلة في الزنزانة إلى أن مرض بشدّة فتساقطت أسنانه وأصبحت قدماه ضعيفتان. كان شهيداً يجاهر بإيمانه ضدّ مضطهديه: "أنا غريم لكل البرابرة والحكماء والجهلاء" هكذا كان يصرخ كما القديس بولس الرسول.

رئيس كهنة

في 8 أيلول من العام 1925 في ذكرى عيد ميلاد السيدة العذراء ارتسم الييروندا على يد الميتروبوليت "يوحنا تسياباراسكي" رئيس كهنة كنيسة القديس مينا في مدينة "غروزياتسخيتا" واتخذ اسم جاورجيوس بدلاً من اسم سمعان، وقد ردّ أبوه الروحي الميتروبوليت يوحنا بكلّ تواضع واحترام على كل من اعترض على رسامة هذا الشاب في سن مبكرة بقوله: "أن للييروندا نفس امرئ له من العمر مئة عام"
أعجب المؤمنون كثيراً بالشيخ واحترموه كأنه قدّيس، كانت حياته الطاهرة بمثابة نور للجميع. كان المؤمنون يزورونه باستمرار وقد كان الشيخ يتنقل من مكان لآخر، ولهذا عندما كانوا يعلمون بمكانه يحضرون فوراً للاستفادة منه. وقد لقب "بالشيخ المستنير"

المعلم الناسك

جاهد الشيخ بكل خبرته ليتحرر من قيود العالم المادية الدنيوية، لا يملك أي حبّ غريب في قلبه. طعامه كان قليلاً ومن دون نكهة، حياته كانت ذات رتم سريع، فكثيراً ما كان يكتفي بكوب واحد من الشاي طوال النهار. كان يأكل الأعشاب، أحبّ الأعشاب البريّة والخضار المخللة وفطائر الأعشاب والتي كان يعدّها بنفسه. وعندما يجد نبات القرّاص يطبخه أيضاً. لم يكن يأكل اللحم مطلقاً ونادراً ما كان يأكل السمك.
نومه خفيف جداً، وعندما تدخل قلايته لا يمكنك أن تجده نائماً، وإن كان بحالة غفلة فهو بفتح عينيه للحال. نومه كان مشبعاً بالصلوات التي كانت ترافق كل لحظات حياته. فقد كان يتذكر الرب حتى في أحلامه.
يذكر احد أبنائه الروحيين أن طعام الشيخ المفضل كان البصل المقلي مضافاً إليه الخبز، وكان يأكله مع الماء. أمضى حياته يأكل الأعشاب والجوز والقليل القليل من العسل فقط. كان الصوم والصلاة عمله الدائم. كان يتحدث دوماً عن الإيمان الراسخ بالله مشدداً بشكل خاص على الصوم. والصوم بحسب الشيخ، فترة منفعة روحية وجسدية. لطالما وعظ بالمحبة المترافقة بالغيرة والحماسة. عانى من فقر الدم والبرد، ولمرات عديدة كان طريح الفراش. وبشكل عام جسمه دوماً كان عرضة للمرض.
فراشه مصنوع من شعر الماعز، مفروشاً على لوح خشبي داخل قلايته. كان يمضي معظم وقته في الصلاة. طعامه هزيل جداً. مرة أحضروا إليه طعاماً دسماً يحوي بهارات، فرماه بعيداً مع الصحن. وبالرغم من مرضه لم يكن يتخلف عن إقامة السهرانيات يومياً تقريباً. تلقى هجمات شيطانية قاسية، وتلقى شروراً من الناس أيضاً الذين لهم ميول نحو الشرّ والتعصبّ، لكنه احتمل كل شيء بالصلاة المستمرة المتواصلة

الذبيحة الإلهية

في خدمة الذبيحة الإلهية اعتاد الشيخ أن يحضر خبز التقدمة بنفسه أو تحضره نساء معروفات بتقواهنّ. هناك أمام المذبح قنديل مضاء دوماً وكان الشيخ يحضر الذبيحة ويعيشها خلال الخدمة، لم يكن يخدم باستعجال وكان حذراً يقظاً وكثير الورع والخشوع. اعتاد الشيخ أثناء الكينونيكون وقبل الإعلان: "بخوف الله وإيمان ومحبة..." أن يخرج من باب الهيكل الأيسر ويدعو جميع المزمعين أن يشتركوا في المناولة المقدسة ليقرا لهم صلاة الحلّ والغفران ويدهنهم بزيت القنديل المقدس. وأي احد من المتقدمين للمناولة لم يعترف أو أن الشيخ يعلم انه ارتكب خطيئة جدية، يلتفت بالكأس المقدسة ويتركها على المائدة ويخرج من الهيكل وينصحه بعيداً عن الناس ولا يسمح له أن يتناول، ثم يعود إلى الكأس المقدسة ويكمل مناولة المؤمنين. كان المؤمنون الأتقياء وأثناء الليتورجية الإلهية يرون الشيخ مرتفعاً بالروح ومركزاً على الذبيحة غير الدموية بكليته.
حدث مرة في ليتورجية ليلية أن رؤوا الشيخ مرتفعاً عن الأرض وهذا أثناء قراءة الإنجيل المقدس. وفي ليلة ليتورجية أخرى شاهد الشخص نفسه الشيخ أثناء الدخول الكبير يمشي بالكأس المقدسة في الانافورا ولا تلامس قدماه الأرض ويتوقف في وسط الكنيسة مرتفعاً عن الأرض حوالي الشبر ثم يدخل إلى الهيكل المقدس وينزل من ارتفاعه ليعود ويلمس الأرض ثانية.
انذهل احد زوار الدير عندما زاره للمرة الأولى وشاهد الشيخ في لحظة معينة خلال القداس الإلهي لا يقف على الأرض حتى انه اخبر الأمر لباقي المصلين. وعندما علم الشيخ فيما بعد وبخّه وقال له بحزم: "مهما رأيت فعليك ألاّ تخبر أحداً به"، فاستغفر الزائر الشيخ واستسمحه لأنه كان يجهل ما اخبره إياه.
تخبر فتاة شابة أنّه في قداس يوم احد وبينما كان الشيخ يذكر أسماء المؤمنين عند تهيئة القرابين سمعت اصواتاً حادة مزعجة تعيد قراءة الأسماء باستهزاء، فسالت الفتاة أمها إن كانت هي أيضاً تسمع مثل هذه الأصوات فنفت الأم ذلك. وبعد حين ذكرت الأم هذه الحادثة للشيخ فكشف لها أن الشياطين كانت تثير الضجيج والفوضى ليتوقف الشيخ عن ذكر الأسماء، وهكذا كانوا يقاطعونه في ذكرانيات الأربعين التي كان يقيمها
مراراً وتكراراً كان الشيخ يحتفل مع القديسين وكان لذلك الأمر قصص تروى كثيرة. بعد نهاية الخدمة وعند إعطاء البركة كان الشيخ يسلّم على مشاركيه في الخدمة من أصدقائه وزواره السماويين. إنّ ارتباط الشيخ بالعالم الروحي أحد أجمل صفات سيرته المقدسة. كان ارتباطه بالقديسين حميمياً، شخصانياً ومليئاً نعمة، كان هذا الارتباط يشتدّ ويعظم خلال الخدم الإلهية، كان يكنّ احتراماً خاصاً للقدّيس يوحنا المعمدان، سابق المسيح وحامي الرهبان.

نهايته المباركة

في منتصف الليل من فجر يوم الأربعاء الواقع في الرابع من تشرين الثاني عام 1959، استودع الشيخ روحه بين أيدي خالقه الحبيب الذي أحبّه وخدمه بكل جوارحه كل أيام حياته ومنذ نعومة أظفاره.
كان الجميع يسعى للحصول على بركة وتذكار من الشيخ. مزقوا جبّة الشيخ إلى قطع صغيرة واعتبرت ممتلكاته الفقيرة كنزاً ثميناً من قبل من استطاعوا الحصول على شيء منها. كان الأب جاورجيوس مثالاً للأب الصالح وعموداً منيراً مشعاً وفرحاً أميناً. عمل في حقل الرب وكرّمه الناس البسطاء بمحبة صادقة


عن موقع: www.orthodoxlegacy.org