"لأنّ كلّكم الّذين اعتمدتُم بالمسيح قد لبستُم المسيح" (غلاطية 3: 27). إلى جانب قراءتِنا لهذه الآية في الرّسالة إلى أهل غلاطية، فإنّنا نسمعها كنشيد ليتورجيّ يُرتَّل عوضًا من التّسبيح المثلّث التّقديس "قدّوسٌ الله، قدّوسٌ القويّ قدّوسٌ الذي لا يموت ارحمنا" في عدد من القداديس على مدار السّنة على مثال قدّاس عيد الظّهور الإلهي وقدّاس الفصح المجيد وغيرهما.إنّ اللّباس مع الغذاء والمسكن شرطٌ أساسيّ للوجود الإنساني (سيراخ 29: 21)، والبَرَكة تضمن الخبز واللباس (تثنية 10: 18؛ تكوين 28: 20-21)، أمّا العقاب فيكون بالمجاعة والعري (تثنية 28: 48). إضافةً إلى ذلك، فإنّ اللّباس يعكس حياة المجتمع، إذ إنّه يشكّل، بالنّسبة لكلّ خليّة من المجتمع، علامةَ الحياة المنسجمة التي تنشأ عن الشّركة في العمل (1 صم 25: 4-8؛ أمثال 31: 10-31؛ أعمال 18: 3 و9: 39)، أو تنشأ عن إدارة حكيمة (أمثال 31: 30) أو عن التّعاون. إنّ إعطاء المعطف هو علامة أخوّة، فهكذا أقام يوناثان عهدًا مع داود (1صم 18: 3-4)، ذلك لأنّ الرّداء يشكّل مع الإنسان عهدًا فريدًا يعترف به المتحابّون (تكوين 37: 33). وتغطية القريب من العري وصيّة من الوصايا الحيويّة التي تفرضها العدالة في الجماعة (حزقيال 18: 7)؛ فإنّ الأمر أكثر من "تدفئة أعضائه" (أيوب 31: 20)، بل جعله يولد ثانيةً في حياة الجماعة (إشعيا 58: 7)، وإفادته بما صنع الله للجميع (تثنية 10: 18 – 19) وإخراجه من العدم والخواء.
هذا من ناحية، أمّا من ناحية أخرى، فإنّنا في المعموديّة ننـزع اللباس القديم المظلم ونلبس لباسًا جديدًا، نلبس المسيح. فإذا كان اللباس في العهد القديم يشكّل بركةً وانسجامًا في الجماعة وعهدًا بين الإخوة والأحبّة، فكم بالحريّ اللّباس الجديد. إنّ الجماعة المسيحيّة تولد من جديد من جرنٍ واحد، من مياه واحدة، من معموديّة واحدة (بحسب دستور الإيمان)، من المسيح الواحد. فالمسيح لم يُعطِنا لباسًا ماديًّا لكي يقيم عهدًا معنا نحن أحبّاءَه، لكنّه أعطانا نَفسَه لباسًا. فكما خَلَقَنا الله على صورتِه ومثاله قَبلَ أن نسقط ونشوّه هذه الصّورة، هكذا أعاد المسيح إحياءَنا بعدما مُتنا بالخطيئة من خلال مياه المعموديّة والرّوح القدس المحيي مُلبِسًا إيّانا الحلّة البيضاء، حلّة عدم الفساد، مُلبِسًا إيّانا نَفسَه.
"المسيح قد لبستم". كم مِن المعمَّدين يضعون نصب أعينهم أنّهم يلبسون المسيح؟ إنّنا نلاحظ أنّ الجنود الذين يلبسون حلّتهم العسكريّة لا يقومون بأيّ عملٍ يمكنه أن يسيء إلى سمعة هذه الحلّة، كما نرى أيضًا أنّه إذا أخطأ جنديٌّ واحدٌ مرَّةً فإنّ نظرة مَن شاهده يخطئ تتغيّر ليس فقط من ناحية هذا الجنديّ كفردٍ، بل إنّ نظرته تتغيّر من ناحية كلّ المؤسّسة التي ينتمي إليها. هذا إذا أخذنا مثالاً بشريًّا؛ فكم بالحريّ إنسان مسيحيّ لابس المسيح في المعموديّة يُشاهَد وهو يقوم بأخطاء شتّى مهما تنوّعت أهميّتها. فالمسيحي الّذي يزيّن سيّارتَه بشتّى الرّموز المسيحيّة من صليب ومسبحة وسمكة وغيرها لا يمكنه أن يخالف قوانين السّير أو أن يرمي النّفايات من نافذة السيّارة، والمسيحي الّذي يزيّن عنقه بالصّليب المقدّس ومعصَمَه بالمسبحة لا يمكنه شتم الآخرين أو ضربهم أو الكذب عليهم، والتّاجر المسيحي الذي تملأ الأيقونات حيطان متجره لا يمكنه ممارسة الغشّ في مهنته، والفنّان المسيحي ينبغي عليه ألاّ يقدّم لمشاهديه ومستمعيه ما لا يليق بمسيحيّته من مَشاهِد أو أغانٍ، والأستاذ المسيحي لا يساوم في الحقّ ولا يسعى إلى رشوةٍ ماديّة أو معنويةّ (تملّق أو غيره) لكي يحدّد مصير تلاميذه.
الأمثلة في هذا الصّدد كثيرة جدًّا، لكنّ المهمّ في كلّ الموضوع هو ألاّ ننسى أنّنا لسنا أفرادًا، إنّما نحن أعضاء في جسد واحد هو جسد المسيح، فلا يمكننا الإساءة إلى هذا الجسد وإلاّ أصبحنا مرضًا عضالاً يجب معالجته أو استئصاله كي لا يؤثّر في الأعضاء الآخرين. كما علينا ألاّ ننسى أنّ كلّ ما نفعله ينعكس إمّا سلبًا أو إيجابًا على الجماعة الواحدة كلّها. فَلِمَ إعطاء الآخرين فرصةً ليقولوا إنّ المسيحيّة أمرٌ والمسيح أمرٌ آخر؟ لِمَ لا نتشبّه بالمسيح الّذي نلبسه ونُدعى باسمه؟ وهكذا تصبح المسيحيّة تدلّ حقًّا على المسيح الّذي أحبّ الجميع وبذل نفسَه عنهم ليخلّصهم من خطاياهم ويقيمهم معه، الأمر الذي نلمسه بدءًا من المعموديّة حيث نموت في المياه ثمّ نقوم لابسين المسيح.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات