أخي طاناسي لا شكر على واجب، وخاصةً أنكما في الموضوع السابق من تطوع للتعقيب على الموضوع. فكان من المفيد أن تُعيدوا مشاركتكما.
ولكن المنحى الذي اتخذه الموضوع لاحقاً، أدى إلى أغلاقه ولم يأخذ حقه من الحوار والمناقشة.

[[[[ملاحظة: لمن لا يحب القراءة يستطيع أن يذهب إلى آخر المشاركة]]]]

أما بالنسبة لمقارنة الدراسات الحديثة التي ظهرت بعد عصر الطباعة واشتدت مع القرن التاسع عشر من جهة وماقاله الآباء من جهة أخرى. لا أستطيع عن نفسي أن أغض النظر وكأنه لا يوجد هناك عدة آراء.
والآباء كانوا دارسي للكتاب المقدس مثلهم مثل غيرهم من الذين شهدناهم في العصور الأخيرة. فالقديسون عندما فسّروا وشرحوا الإنجيل لم يكن حينها قد تم إعلان قداستهم وإن كانت حياتهم تفوح برائحة القداسة.
وهنا لابد أن نذكر القديس غريغوريوس بالاماس الذي تم محاربته وحرمانه في بداية الأمر.. والقديس نيقوديموس الآثوسي كذلك الأمر.
كليهما عندما طرحا إيمانهما (الجديد-القديم "جديد بالتعبير عنه وقديم بجوهره وحقيقته") لاقا معارضة شديدة من الكنيسة، وحُرقت كتب القديس نيقوديموس في ساحات اليونان.. فلو عاملنا كل تعليم جديد وكأنه بدعة، لما كنا الآن نطلب شفاعة القديسين المذكورين.
ودعني أسوق حادثةً أقدم، في المجمع المسكوني الأول انقسم الآباء إلى فريقين. فريق مؤيد للمصطلحات الجديدة وفريق يرفضها ويعتبرها بدعة لعدم وجودها في الكتاب المقدس أو تعليم الآباء السابقين.
فلو كانت نظرتهم أن ما كُتب قد كُتب ولا يجوز ادخال شيء جديد لم يعرفه آباؤنا، لكنا أشقى الناس جميعاً.
ولكن لأن واضع هذه الاصطلاحات الحقيقي هو الروح القدس فقد تمت الموافقة عليها وفيما بعد أصبحت تقليداً لا بل تعليماً رئيسياً لا تستقيم بدونه عقيدتنا. لم يدخلوا تعليماً جديدأً بل مصطلحات جديدة.
فليست العبرة في القدم فقط، بل في الحق الإلهي.

التقليد هو ليس خزانة نخرج منها مانريد قوله فنعيد استنساخه، بهذا يكون التقليد ميتاً ونحن ميتون. ويقول الأب جورج فلوروفسكي في كتابه "الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد": إننا نخطئ إذا اقتطعنا من النصوص الآبائية قطعاً وفصلناها عن المنظور الذي وُضعت فيه. وهذا يشبه خطأ استخدام آيات من الكتاب المقدس بعد نزعها من إطارها. ولذلك تبقى عادة "اقتباس" أقوال الآباء وعباراتهم خطرة إذا عزلناها عن المحيط الذي تأخذ فيه معناها الحقيقي وتصبح مليئة بالحياة. "إتِّباع الآباء" لا يعني فقط "اقتباس" أقوالهم والاستشهاد بها، بل يعني اقتفاء "فكرهم" وعقلهم (phronema).
ويقول أيضاً في نفس المرجع:
التقليد الحقيقي هو "تقليد الحق" (traditio veritatis) الذي يستند، عند القديس إيريناوس، إلى "موهبة الحق الأكيدة" (charisma veritatis certum) التي "أُودعت" في الكنيسة منذ البدء والتي حفظها تعاقب الأساقفة غير المنقطع. فما "التقليد" في الكنيسة استمراراً للذاكرة الإنسانية وللأعراف والطقوس لأنه تقليد حيّ و"وديعة حيّة" (depositum juvenescens)، كما قال القديس ايريناوس. ولذلك لا نقدر أن ندرجه "بين الشرائع المميتة" (inter mortuas regulas). فهو استمرار لحضور الروح القدس المقيم في الكنيسة واستمرار للتوجيه الإلهي والإنارة الإلهية. إن الكنيسة لا تُقيّد "بالحرف"، لأن الروح يحركها دائماً. فالروح نفسه، أي روح الحق، الذي "تكلم من خلال الأنبياء" وأرشد الرسل هو يستمر في قيادة الكنيسة إلى فهم أكمل للحق الإلهي، فيقودها من مجد إلى مجد.
وهذا المجد الذي يتكلم عنه الأب جورج لن يتوقف حتى نرى ابن الإنسان في مجيئه الثاني...

فافتراض كل جديد أنه بدعة يحتاج إلى إعادة نظر حتى لا نقع في اخطاء أجدادنا. ولكن كل جديد لا يكون مبنياً على ضوء تعليم الكتاب المقدس والآباء أي تعليم الكنيسة بالنسبة للحقائق والعقائد الإلهية فهو أمر مرفوض. لكن هناك دائماً مجال للاختلاف فحتى الآباء في عصر واحد اختلفوا في التفسير، فمنهم من قال في "خبزنا الجوهري أعطنا اليوم" أن المقصود فيه هو الخبز اللازم لكي نتابع حياتنا على الأرض ومنهم من قال المقصود به هو سر الافخارستيا.
فإن تبنيت هذا الرأي أو ذاك، لا تكون مخالف لتعليم الكنيسة بأن: الله يهتم بحياتنا الأرضية وصلى لنا حتى نُحفظ في هذا العالم، وفي نفس الوقت الهدف النهائي للإنسان هو أن يتحد بالمسيح.
ولكن إن تبنّينا حرف هذين الرأين فلا بد أن يصطدما. إذ في هذا الحالة لا يمكن أن يكون لنص واحد أكثر من تفسير... إلا أن كتابات الآباء تشهد بأن هناك عدة تفاسير دائماً لنصٍّ واحد ليس بالضرورة أن يتفقا وليس بالضرورة أن يتصادما، فقد يكونا فقا لا يلتقيا في التفاصيل ولكن تصب نهايةً في في نفس المصب.
وأحياناً يعتبر رأي أحد الآباء هو رأي محترم ولكنه غير صحيح. وهنا أسوق مثالاً من كتاب "إنجيل مرقس قراءة وتعليق" والنص هو: 46 وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. 47 فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ:«يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» 48 فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا:«يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». 49 فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوُا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ:«ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ». 50 فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقَامَ وَجَاءَ إِلَى يَسُوعَ. 51 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ لَهُ الأَعْمَى:«يَا سَيِّدِي، أَنْ أُبْصِرَ!». 52 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«اذْهَبْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ يَسُوعَ فِي الطَّرِيقِ. (مرقس 10: 46-52، متى 20: 29-34، لوقا 18: 35-43).
يقول الدكتور يوحنا:
بالنسبة للأناجيل الإزائية ترتبط هذه العجيبة مكانياً بأريحا وزمنياً بمرحلة ما قبل الصعود إلى أورشليم. عند لوقا تحصل الحادثة "لما اقترب من أريحا"، بينما عند مرقس تحصل عند خروجه مع تلاميذه من أريحا. إضافة إلى ذلك يتكلّم متّى عن شفاء أعميين. ولذلك يُطرح السؤال جدّياً عما إذا كان الإنجيليون الثلاثة يتكلّمون عن الحدث نفسه أم أنهم يتكلّمون عن أحداث مختلفة! لقد أُعطيت أجوبة مختلفة منذ القديم لهذا السؤال:
1- عند الكثيرين من المفسّرين القدماء تسود النظرية القائلة إن متّى كشاهد عيان هو الأقرب من الوقائع التاريخية عندما يذكر أعميين. ومن بين هذين الأعميين يذكر مرقس ولوقا الأشهر. أي أنهما يذكران ذاك الذي كان مشهوراً ومعروفاً في المنطقة ربما بسبب انتمائه المسيحي الذي اكتسبه بعد شفائه (يتبنّى هذه النظرية كل من ثيوفيلكتوس، فكتور الأنطاكي...).
2- يرفض المفسّر زيغافنوس هذه النظرية إذ يعرض وجهة نظره: "وأنا أعتقد أنه مختلف عن الأعميين الآخرين (عند متى). الأعمى عند مرقس طرح عنه الرداء من أجل السرعة وحصل على الشفاء بدون أي لمس، في حين أن الذي جاء عند لوقا حصل على الشفاء بينما كان يسوع يقترب من أريحا وليس عند خروجه منها". والجدير بالذكر أن وجهة النظر هذه تتفق مع رأي القديس يوحنا الذهبي الفم. هذه النظرية التي تتكلّم عن أحداث مختلفة وعن أربعة عميان موجودة عند أوريحنس (Origene) الذي يضع الأحداث بالتسلسل التالي: "يمكن أن يكون أعمى لوقا قد ظهر عند اقتراب يسوع من أريحا، وأعمى مرقس عندما دخلها، وأعميا متى عندما عبر عنها". يعطي أوريجنس هذا التفسير للذين يهتمون فقط بالتاريخ "الدقيق" وبالمقارنة بين الروايات الإنجيلية. أمّا بالنسبة للذين يفتشون عن جوهر الروايات فيقول: "لقد عُرض موضوع واحد في أشكال مختلفة". وبعدها يعرض تفسيره الرمزي الذي يقول (انسجاماً مع التفسير الرمزي لمثل السامري الشفوق) إن أريحا هي العالم، والخروج منها هو الابتعاد عن الاهتمامات الدنيوية، والأعميان هما مملكتا إسرائيل ويهوذا، والأعمى الواحد (حسب رواية مرقس ولوقا) هو الشعب كله الجالس على "الطريق"، طريق الناموس والأنبياء، يستعطي الشفاء من عماه من يسوع العابر فيستجيب هذا الأخير لطلبه.
3- يقول القديس امبروسيوس أن الأعميين قُدّما إلى يسوع عند دخوله أريحا طالبين الشفاء، ثم حصلا على مطلبهما عند الخروج من المدينة. إلا أن هذه النظرية لا تنطبق على أّية من الروايات الإنجيلية.
4- حسب المغبوط أوغسطين، من بين الأعميين المذكورين عند متى، شُفي الواحد عند الدخول إلى المدينة الثاني عند الخروج منها.
5- وحسب البعض الآخر تُحلّ المشكلة إنْ أخذناها بعين الاعتبار المعلومات الواردة عند يوسيفوس الذي يقول أن هناك مدينتين باسم أريحا وهما أريحا القديمة وأريحا الجديدة، وأن العجيبة حصلت عند الخروج من الواحدة والدخول إلى الأخرى. ويتكلّم متى ومرقس عن المدينة القديمة ولوقا عن الجديدة.
6- إذ أخذنا بعين الاعتبار التفاسير الحديثة لمدرسة تاريخ الإشكال (Formgeschichte) للأناجيل والصلات اللغوية الموجودة بينها، نجد بسهولة أن الروايات هذه تشهد قبل كل شيء على سلطة يسوع المسيانية قبيل آلامه بوقت قصير. والحدث نفسه يُعرض بأشكال مختلفة عند الإنجيليين الثلاثة طبقاً للتقليد الذي كان في ذهن كل واحد.
هذه النظرية الأخيرة، التي هي الأصح حسب وجهة نظرنا، تدعمها العناصر التالية: يريد الإنجيليون الثلاثة بجملتهم أن يقولوا من خلال رواياتهم أنَّ يسوع، الذي لم يعرفه الجمع ولا تلاميذه، يعترف به العميان كمسيّا ("ابن داود"). والرواية ما هي إلاّ مثال يقدّمه الإنجيليون بمناسبة زيارة يسوع لأريحا قبل آلامه. طبعاً لا يعني هذا أن يسوع شفى أعمى واحداً إذ نعلم أنه قد منح "النظر" إلى عميان كثيرين. فالإنجيليون يتكلّمون في أماكن عدة عن شفاء جماعات من العميان (أُنظر متّى 12: 22...، 15: 30، 21: 14 وغيرها). لكن الإنجيليين الثلاثة لا يهدفون من خلال رواياتهم أن يعطوا توقيتاً لتحرّك يسوع وأعماله الشفائية اليومية بشكل متسلّسل. إنهم يختارون من بين هذه الأشفية الكثيرة التي صنعها يسوع نماذج تشدّد كلها على حقيقة واحدة: سلطة يسوع المسيانية وتحقيق نبوءات العهد القديم به. إن كان شفاء أعمى أريحا المسياني قد ورد بأشكال مختلفة في الأناجيل الثلاثة، فهذا يعود إمّا إلى التقليد الكنسي الذي كان لدى كل واحد منهم أو إلى الأهداف التي يسعى وراءها الإنجيليون الثلاثة. هكذا فإن تقليد متّى يتكلّم عن أعميين وعن شفائهما عند خروج يسوع من أريحا، ويتفق تقليد مرقس مع ذلك مضيفاً اسم الأعمى الذي شُفي، أمّا تقليد لوقا فيضع شفاء الأعمى قبل دخول يسوع إلى أريحا عندما كان يقترب من المدينة.


نحن الآن أمام معضلة حقيقية، فإن اردنا الاحتكام للآباء فقط واستنساخ أقوالهم، فلن نصل إلى نتيجة وسيبقى لدينا آراء متضادة بين القديسين أنفسهم! فأيِّ منهم نختار؟
وهنا يُطرح سؤال جديد، على ضوء هذا الاختلاف بين آراء الآباء، هل يجوز لي أن أُعمل الوزنة والموهبة التي أعطاني إياه الله؟ أم علي أن أقف صامتاً؟ إن الدكتور يوحنا مُدرس العهد الجديد في تسالونيكي والذي يمدحه سيدنا أفرام ومن شدة تأثره به قام بترجمة هذا الكتاب تبنى الرأي الحديث الذي لم يتبناه أيّاً من الآباء. ولكن هذا التبني للدكتور يوحنا لم يأتِ من فراغ، بل على ضوء تعليم الآباء القديسين، وهو أن الإنجيليين لاهوتيين قبل أن يكونوا مؤرخين. وعندما يروون حادثة فليس الهدف منها تاريخي بل لاهوتي تعليمي. هذا موضوع آخر لن ندخل به الآن.

[[[لمن لا يحب القراءة يستطيع من هنا المتابعة]]]

أسف على الإطالة في الأعلى
على ضوء تفسير "خبزنا الجوهري" نعود لموضوعنا
نستطيع أن نقول أن غاية الرأيين أو الهدف الرئيسي لكليهما أن يثبتا أن يوسف هو ابن شرعي لهالي ويجوز نسب الولد إلى الوالد أو الأب الشرعي.
ولكن السؤال يبقى هل يستند الرأيين إلى حقٍّ مُعلن؟ أو قواعد راسخة؟ أما أنهما اجتهادات لكليهما؟ أم إلى آراء شخصية هنا وهناك؟
كما بيّنا أعلاه يوجد بعض الآراء الشخصية التي تختص بعض التفاصيل غير العقائدية لأن الوحي الإلهي لم يُلغي بشرية القديسين. أما في ناحية العقائد فلم يكونوا هم المتكلمين.
إلا أن هذا النص عليه إجماع آبائي منقطع النظير، باستثناء الاجماع على العقائد، بأن يوسف هو ابن هالي الشرعي. ولكن هذا الاجماع الآبائي هو مضمن في النظرية الحديثة وهي بدورها لا تناقض هذا التعليم أن يوسف هو ابن شرعي لهالي.
وحتى لو اعتمدنا التقليد فقط على أن اسم والد العذراء هو يواكيم، فإننا لن نصل إلى نتيجة تُخالف تعليم الكتاب المقدس. لأن حينها قد يحتج المحتجون بأن التقليد هذا اعتمد على كتاب غنوسي. أو سيقولون كما جاء في المشاركة الثانية أن يواكيم هو نفسه هالي.
سأبدأ بالتعقيب على هذا الرأي بعد أن اسمع رأي أخي الحبيب مكسيموس. لن أتكلم لكي أتبنى ماقاله الآباء، بل لكي أبين أن ماقاله الآباء صحيحاً.
إذ يجب أن نقدم جواباً مقنعاً فيه شيء من المنطق وليس كلاماً جافاً ونقول هو هكذا.
ليس دائماً المنطق يستطيع أن يقرّب الامور، بل أحياناً يضربها في مقتل لأنها فوق المنطق البشري، وهنا أخص بالذكر سرّي الثالوث القدوس والتجسد ونعمة الروح القدس.. عدا ذلك يتطلب دائماً قليلاً من المنطق، وما اختلاف الآباء أعلاه إلا لأنهم يحاولون أن يقدموا جواباً منطقياً.
اخي مكسيموس مارح أستنى كتير لأنو الاخوة بكونوا عم يستنوا...

صلواتكم