بالنسبة للأناجيل الإزائية ترتبط هذه العجيبة مكانياً بأريحا وزمنياً بمرحلة ما قبل الصعود إلى أورشليم. عند لوقا تحصل الحادثة "لما اقترب من أريحا"، بينما عند مرقس تحصل عند خروجه مع تلاميذه من أريحا. إضافة إلى ذلك يتكلّم متّى عن شفاء أعميين. ولذلك يُطرح السؤال جدّياً عما إذا كان الإنجيليون الثلاثة يتكلّمون عن الحدث نفسه أم أنهم يتكلّمون عن أحداث مختلفة! لقد أُعطيت أجوبة مختلفة منذ القديم لهذا السؤال:
1- عند الكثيرين من المفسّرين القدماء تسود النظرية القائلة إن متّى كشاهد عيان هو الأقرب من الوقائع التاريخية عندما يذكر أعميين. ومن بين هذين الأعميين يذكر مرقس ولوقا الأشهر. أي أنهما يذكران ذاك الذي كان مشهوراً ومعروفاً في المنطقة ربما بسبب انتمائه المسيحي الذي اكتسبه بعد شفائه (يتبنّى هذه النظرية كل من ثيوفيلكتوس، فكتور الأنطاكي...).
2- يرفض المفسّر زيغافنوس هذه النظرية إذ يعرض وجهة نظره: "وأنا أعتقد أنه مختلف عن الأعميين الآخرين (عند متى). الأعمى عند مرقس طرح عنه الرداء من أجل السرعة وحصل على الشفاء بدون أي لمس، في حين أن الذي جاء عند لوقا حصل على الشفاء بينما كان يسوع يقترب من أريحا وليس عند خروجه منها". والجدير بالذكر أن وجهة النظر هذه تتفق مع رأي القديس يوحنا الذهبي الفم. هذه النظرية التي تتكلّم عن أحداث مختلفة وعن أربعة عميان موجودة عند أوريحنس (Origene) الذي يضع الأحداث بالتسلسل التالي: "يمكن أن يكون أعمى لوقا قد ظهر عند اقتراب يسوع من أريحا، وأعمى مرقس عندما دخلها، وأعميا متى عندما عبر عنها". يعطي أوريجنس هذا التفسير للذين يهتمون فقط بالتاريخ "الدقيق" وبالمقارنة بين الروايات الإنجيلية. أمّا بالنسبة للذين يفتشون عن جوهر الروايات فيقول: "لقد عُرض موضوع واحد في أشكال مختلفة". وبعدها يعرض تفسيره الرمزي الذي يقول (انسجاماً مع التفسير الرمزي لمثل السامري الشفوق) إن أريحا هي العالم، والخروج منها هو الابتعاد عن الاهتمامات الدنيوية، والأعميان هما مملكتا إسرائيل ويهوذا، والأعمى الواحد (حسب رواية مرقس ولوقا) هو الشعب كله الجالس على "الطريق"، طريق الناموس والأنبياء، يستعطي الشفاء من عماه من يسوع العابر فيستجيب هذا الأخير لطلبه.
3- يقول القديس امبروسيوس أن الأعميين قُدّما إلى يسوع عند دخوله أريحا طالبين الشفاء، ثم حصلا على مطلبهما عند الخروج من المدينة. إلا أن هذه النظرية لا تنطبق على أّية من الروايات الإنجيلية.
4- حسب المغبوط أوغسطين، من بين الأعميين المذكورين عند متى، شُفي الواحد عند الدخول إلى المدينة الثاني عند الخروج منها.
5- وحسب البعض الآخر تُحلّ المشكلة إنْ أخذناها بعين الاعتبار المعلومات الواردة عند يوسيفوس الذي يقول أن هناك مدينتين باسم أريحا وهما أريحا القديمة وأريحا الجديدة، وأن العجيبة حصلت عند الخروج من الواحدة والدخول إلى الأخرى. ويتكلّم متى ومرقس عن المدينة القديمة ولوقا عن الجديدة.
6- إذ أخذنا بعين الاعتبار التفاسير الحديثة لمدرسة تاريخ الإشكال (Formgeschichte) للأناجيل والصلات اللغوية الموجودة بينها، نجد بسهولة أن الروايات هذه تشهد قبل كل شيء على سلطة يسوع المسيانية قبيل آلامه بوقت قصير. والحدث نفسه يُعرض بأشكال مختلفة عند الإنجيليين الثلاثة طبقاً للتقليد الذي كان في ذهن كل واحد.
هذه النظرية الأخيرة، التي هي الأصح حسب وجهة نظرنا، تدعمها العناصر التالية: يريد الإنجيليون الثلاثة بجملتهم أن يقولوا من خلال رواياتهم أنَّ يسوع، الذي لم يعرفه الجمع ولا تلاميذه، يعترف به العميان كمسيّا ("ابن داود"). والرواية ما هي إلاّ مثال يقدّمه الإنجيليون بمناسبة زيارة يسوع لأريحا قبل آلامه. طبعاً لا يعني هذا أن يسوع شفى أعمى واحداً إذ نعلم أنه قد منح "النظر" إلى عميان كثيرين. فالإنجيليون يتكلّمون في أماكن عدة عن شفاء جماعات من العميان (أُنظر متّى 12: 22...، 15: 30، 21: 14 وغيرها). لكن الإنجيليين الثلاثة لا يهدفون من خلال رواياتهم أن يعطوا توقيتاً لتحرّك يسوع وأعماله الشفائية اليومية بشكل متسلّسل. إنهم يختارون من بين هذه الأشفية الكثيرة التي صنعها يسوع نماذج تشدّد كلها على حقيقة واحدة: سلطة يسوع المسيانية وتحقيق نبوءات العهد القديم به. إن كان شفاء أعمى أريحا المسياني قد ورد بأشكال مختلفة في الأناجيل الثلاثة، فهذا يعود إمّا إلى التقليد الكنسي الذي كان لدى كل واحد منهم أو إلى الأهداف التي يسعى وراءها الإنجيليون الثلاثة. هكذا فإن تقليد متّى يتكلّم عن أعميين وعن شفائهما عند خروج يسوع من أريحا، ويتفق تقليد مرقس مع ذلك مضيفاً اسم الأعمى الذي شُفي، أمّا تقليد لوقا فيضع شفاء الأعمى قبل دخول يسوع إلى أريحا عندما كان يقترب من المدينة.
المفضلات