الآن وصلنا إلى نقطة أخيرة من هذه الموضوع، وهي هل اسم يواكيم هو نفسه هالي؟
إن موضوع توحيد اسمي يواكيم وهالي هو محاولة لاحقة على حل الاختلاف الذي قسم ظهر وأرّق نوم بعضاً من الناس الذين لم يفهموا لماذا هناك اختلاف في سلسلة النسب. ونقطة الاختلاف تبدأ بأن يُجعل اسم والد يوسف هو هالي في إنجيل لوقا واسمه يعقوب في إنجيل متى. فقالوا إذاً هالي هو اسم والد السيدة، ونسب يوسف إليه لأنه لم يكن له أولاداً.
ولكن بعد أن حاولوا حل هذا الاختلاف خرجت لهم المعضلة الأكبر، وهي أن التقليد الكنسي ينقل لنا أن أبو القديسة العذراء مريم اسمه يواكيم. فبدأت محاولة التوفيق بين الاسمين لكي يكونا شخصاً واحداً.
فكان هذا الرأي، الذي أعيد اقتباسه من الاب يوسف درة حداد:
لكن الاعتراض الوحيد على هذا التخريج : هل هالي، أبو يوسف الشرعي، وأبو مريم الطبيعي هو (( هاليا قيم )) أو كما يعربونه (( يواكيم )) ؟ من الظاهر أن الاسم في صيغتيه مركب في العبرية، من (( هالي )) و (( يو )) -وهو اسم الجلالة- ومن (( قيم )) أو (( كيم )) بحسب القراءة. ومن المعروف أن (( يو )) هو اسم الجلالة المرخّم في العبرية؛ وأن (( أَليا )) -في (( أَلياقيم ))- هو اسم الجلالة المركب من مرادفين لاسم الجلالة: (( أل )) و(( يا )) و(( يو ))، ومعناه : (( أل )) هو (( يو )) ، كما تدل عليه أداة التعريف عندهم (( ها )) . فيكون هالي ترخيم هالياقيم أو يواكيم.
والترادف بين (( ألياقيم )) و (( يواكيم )) وارد عندهم، كما يدلّ فرعون مصر، نيكادو، اسم (( الياقيم )) باسم (( يواكيم )) .
وهكذا يتضح لنا أن اسم (( هالي )) هو ترخيم لاسم (( ألياقيم )) أو (( يواكيم )) ، مع زيادة (( ها )) التعريف. فاسم والد مريم العذراء هو إذن هالي، المرخم من (( هالياقيم )) أو (( يواكيم )) . وهو في الوقت نفسه الاسم الشرعي لأبي يوسف، فيكون ليوسف أبوة طبيعية، فهو (( ابن يعقوب )) ، وأبوة شرعية فهو أيضًا (( ابن هالي )).
النتيجة التي وصل لها الأب يوسف هي صحيحة من حيث المبدأ. أي وجود أب شرعي واب طبيعي (راجع الفرق في المشاركات السابقة). ولكن قد بيّنا أنه لم يكن من أبوة إلا نوعيين بحسب الشريعة ونوع آخر هو التبني وإن لم يكن فيها شريعة إلا أنها لا تُخالف الشريعة وجائزة وضربنا عليها مثلاً استير.
أما أن يُكنى الزوج باسم والد زوجته، فلم يصح حتى الآن، كما رأينا، وجود هذا النوع من النسب. وإن عدنا إلى قصة بنات صلفحاد اللواتي لم يكن لهن أخ، فتزوجن من أبناء أعمامهن ومع ذلك لا يذكر الكتاب بأن الأزواج تكنوا باسم أبيهن، عدد 36: 11 فَصَارَتْ مَحْلَةُ وَتِرْصَةُ وَحَجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَنُوعَةُ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ نِسَاءً لِبَنِي أَعْمَامِهِنَّ. 12 صِرْنَ نِسَاءً مِنْ عَشَائِرِ بَنِي مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ، فَبَقِيَ نَصِيبُهُنَّ فِي سِبْطِ عَشِيرَةِ أَبِيهِنَّ.
لكن تجاوزاً، سنحاول الإجابة على: هل كان الاب الشرعي ليوسف هو والد القديسة مريم؟
الجواب على هذا السؤال قائم في الجواب السابق وهو أنه حتى يكون كلا الشخصي واحداً، فلا بد من التوفيق بين ما جاء في التقليد بأن يواكيم هو الد السيدة وماجاء في النظرية الحديثة بأن هالي هو والد السيدة.
لكن مافات الأب يوسف درة الحداد (ويبدو أن غيره الكثيرين) هو نفس الأمر الذي نوّه له، حين يقول: نرى أن لوقا قد نحت الأسماء العبرية نحتًا يونانيًا ينقلها من عجمتها العبرية إلى اليونانية
فهنا لا بد أن نطرح السؤال التالي: هل اسم هالي يُكتب ويُلفظ هالي في اللغة العبرية أم أن هذا نحتاً يونانياً لاسم عبري؟
وحتى نعرف هذا لا بد أن نعود إلى قاموس لغوي للكتاب المقدس، وهذا هو القاموس المتوفر مع برنامج الكتاب المقدس اي قاموس سترونج. يقول هذا القاموس على اسم "هالي":
Heli,G2242
G2242
Ἡλί
Hēli
hay-lee'
Of Hebrew origin [H5941]; Heli (that is, Eli), an Israelite: - Heli.
هنا وجدنا أول خيط لنا، بأن مصدر هذا الاسم هو عبري. ولا وجود لمصدرٍ له في اليونانية.
كما لاحظتم أن القاموس يقول أن هذا الاسم مشتق من الكلمة العبرية التي تحمل الرمز H5941. فدعونا نعود لهذه الكلمة:
H5941
עלי
‛êlı̂y
ay-lee'
From H5927; lofty; Eli, an Israelitish high priest: - Eli.
وأيضاً هنا يخبرنا القاموس بأن هذه الكلمة مشتقة من كلمة عبرية اُخرى ويعطينا رمزها ايضاً. لكن قبل أن ننتقل إلى الكلمة التالية، يجب أن نعرف أن وجود هذه الكلمة في القاموس يعني أنها أساساً مُستخدمة في مكان آخر من العهد القديم (الرمز H يعني أنها كلمة في العهد القديم أو الأصح ان نقول في العبرية). قدعونا نستعرض نصاً استخدم هذه الكلمة:
1 صموئيل 1: 3 وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَصْعَدُ مِنْ مَدِينَتِهِ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ لِيَسْجُدَ وَيَذْبَحَ لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي شِيلُوهَ. وَكَانَ هُنَاكَ ابْنَا عَالِي: حُفْنِي وَفِينَحَاسُ, كَاهِنَا الرَّبِّ.
فالآن بدأت الصورة تتوضح أكثر، فالكلمة في العبرية تُنطق "عالي" وليس "هالي"، ولكن لعدم وجود حرف العين في اللغات اليونانية واللاتينية، تم استبدالها بحرف الهاء h.
ولهذا استدركت الترجمات ماعدا فاندايك هذا الخطأ وجعلت الاسم في لوقا 3: 23 هو عالي: وكانَ يَسوعُ في نحوِ الثَّلاثينَ مِنَ العُمرِ عِندَما بدَأَ رِسالتَهُ. وكانَ النـّاسُ يَحسِبونَهُ إِبنَ يوسُفَ، بنِ عالي (الترجمة المشتركة، البولسية، الكاثوليكية واليسوعية كل هذه الترجمات تداركت الموضوع وأدرجت الاسم "عالي" وليس "هالي").
والآن لنتبع الأصل لهذه الكلمة "عالي":
H5927
עלה
‛âlâh
aw-law'
A primitive root; to ascend, intransitively (be high) or active (mount); used in a great variety of senses, primary and secondary, literally and figuratively: - arise (up). (cause to) ascend up, at once, break [the day] (up), bring (up), (cause to) burn, carry up, cast up, + shew, climb (up), (cause to, make to) come (up), cut off, dawn, depart, exalt, excel, fall, fetch up, get up, (make to) go (away, up), grow (over), increase, lay, leap, levy, lift (self) up, light, [make] up, X mention, mount up, offer, make to pay, + perfect, prefer, put (on), raise, recover, restore, (make to) rise (up), scale, set (up), shoot forth (up), (begin to) spring (up), stir up, take away (up), work.
وصلنا للنهاية إلى الجذر الأول للكلمة ولم يعد هناك مصدراً للكلمة. وكما يُخبرنا قاموس الكتاب المقدس أننا الآن أمام كلمة تعني المرتفع، العال. وهذه الكلمة ليست من اسماء الله كما هو الحال مع يهوه، بل الصفة المشتقة منها أُطلقت على الله كأن يُقال "الله العلي" أو "المرتفع" ولكن لا دخل لها باسم "يهوه". وعندنا استخدام مهم لهذه الكلمة في هذا العصر وهي مؤسسة طيران الكيان الإسرائيلي. حيث أن اسمها هو "العال" وليس "الهال". ولم يُطلق عليها اسم من اسماء الجلالة.
وعندنا الحرف ע....لفظه عايِن (مع كسرة على الياء) وهو يعادل بالعربية حرف العين.... في حين أن الحرف الهاء هو ה وطريقة لفظه هي (كسرة على الهاء وسكون على الياء).
تذكروا اللغة العبرية كالعربية تُكتب من اليمين لليسار. وبالتالي تكون هذه الكلمة ע-ع ל-ل ה-ـهِ
ومن هنا نقول إن والد يوسف البار في العبرية هو "عالي". ويقول الأب بولس الفغالي في "عالي": في نسب يسوع (لو 3 :23)، عالي هو ابن متّات ووالد يوسف. تختلف معطيات مت 1 :16 (حيث يعقوب هو والد يوسف) عن معطيات لوقا. رج نسب يسوع...
[وها نحن سنرجع للنسب ونأخذ ما يهم موضوعنا]:
اعتبر بعضهم أن لو أعطى نسب مريم. ولكن يبدو أن لو أعطى أيضًا نسخة ثانية لنسب يوسف (رج 3 :23). عرف العهد القديم أمثلة عن نسبين مختلفين بالنسبة إلى شخص واحد أو إلى عائلة واحدة (ق 1أخ 7 :6-12 مع 8 :1-40؛ 1أخ 2 :3-3 :4 مع 4 :1-23). ولما أراد الشرّاح أن يفسّروا هذين النسبين بالنسبة إلى يوسف، تحدّثوا عن زواجين (عالي - يعقوب؛ نيري - يكنيا). غير أنّ هذا التفسير يبدو غير مرضيّ، لأنّه يفترض في الحالتين أننا أمام أخوين من أم واحدة وأبوين، وإلاّ وجب على اللائحتين أن تتطابقا من جديد بالنسبة إلى أجداد هؤلاء الأشخاص. لهذا نفضّل القول بأنّ هذين النسبين يهتمّان بالحديث عن نقل الحقّ بعرش داود، كما يكفله الله. فأورد مت ولو، كلّ بطريقته، نسخة مختلفة عن النسخة التي أخذ بها الآخر.
وبالنسبة لعالي ويعقوب ليس بالضرورة أن يكونا اخوة، لأننا نفهم من قصة راعوث أن بوعز مع أنه قريب من نعمة إلا أنه لم يعرف راعوث عندما التقاها في أول الأمر، مما يعني أن القرابة بينهما بعيدة نوعاً ما. فالولي هو من يقوم بإنجاب نسل وليس بالضرورة أن يكون أخ او ابن عم... إلا أن ما يهمنا أن النسبين يلتقيا في زربابل. إذاً فما المانع أن يكون من أقام نسل لأبي يوسف هو أحد أقربائه من نسل زربابل!
وأخيراً إن عدنا إلى قصة بنات صلفحاد يذكر الكتاب في سفر العدد 27: 1 فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى
يتضح أنهن كانوا من عشيرة ماكير بن منسى، ولكن الكتاب لا يقول بأن أبناء عمومتهن أقاموا نسلاً لعمهم بأن تكنوا باسمه. بل عل العكس تماماً، إذ يقول الكتاب: عدد 36: 11 فَصَارَتْ مَحْلَةُ وَتِرْصَةُ وَحَجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَنُوعَةُ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ نِسَاءً لِبَنِي أَعْمَامِهِنَّ. 12 صِرْنَ نِسَاءً مِنْ عَشَائِرِ بَنِي مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ، فَبَقِيَ نَصِيبُهُنَّ فِي سِبْطِ عَشِيرَةِ أَبِيهِنَّ.
إذاً النساء تكنّت باسم عشيرة أزواجهن ولم يعدن يعتبرن من عشيرة ماكير... وهذه النظرية التسمي باسم والد الزوجة لا يؤيدها الكتاب المقدس حتى الآن، بل يعارضها في ورود قصة بنات صلفحاد.
وهذا الحدث الأخير يدعم أن الفتيات اللواتي لم يكن لهن أخوة ذكوراً، ومات أبيهن قبل زواجهن كُنّ يتزوجن من أقربائهن. وبالتالي يصلح أن نقول أن نسب يوسف لا يختلف كثيراً عن نسب السيدة العذراء. وقد يكون الاختلاف في جد أو جدين.
وعليه بحق ذكر كل من القديسين متى ولوقا أن السيد، بحسب الجسد، هو وارث عرش داود.
المراجع: المحيط الجامع وقاموس سترونج للكتاب المقدس
وبالنسبة لي مازلت لا أعترض على أن يكون هالي هو ابو مريم العذراء، ولكن على أن يكون هناك قرينة كتابية نستند إليها. وحتى ذلك الوقت يبقى رأي التقليد هو الصحيح بأن أبو القديسة مريم اسمه يواكيم وأن عالي هو الأب الشرعي ليوسف. ولا نستطيع أن نخلط بين يواكيم وعالي.
اذكروني في صلواتكم
المفضلات