يحكي الكتاب المقدس في سفر التكوين وفي بداية الإصحاح الثالث قصة قاين وهابيل, فلنقرأها أولاً بحسب النص المسوري, والذي اعتدنا في أنطاكيا (للأسف) أن نقرأه ونفسّر نصوصه وكأنه كتابنا المقدس, ونحن نجهل مقدار الاختلاف الكبير بينه وبين النص السبعيني الذي تعتمده الكنيسة الأرثوذكسية
لنقرأ بتمعّن.
(تكوين 3: 1-7) "المسوري"
"و عرف آدم حواء امرأته فحبلت و ولدت قايين و قالت اقتنيت رجلا من عند الرب, ثم عادت فولدت أخاه هابيل, و كان هابيل راعيا للغنم و كان قايين عاملا في الأرض, و حدث من بعد أيام أن قايين قدّم من أثمار الأرض قربانا للرب, و قدّم هابيل أيضا من أبكار غنمه و من سمانها, فنظر الرب إلى هابيل و قربانه, و لكن إلى قايين و قربانه لم ينظر, فاغتاظ قايين جدا و سقط وجهه,فقال الرب لقايين: لماذا اغتظت و لماذا سقط وجهك,
إن أحسنت أفلا رفع و إن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة و إليك اشتياقها و أنت تسود عليها."
نفهم من النص أن الله قبل قربان هابيل, ولم يقبل قربان أخيه قايين.
ولكن ما لا نفهمه هو لماذا.
فقاين سبق أخاه في تقدمة القربان والتفكير بحصة الله من ثمار أتعابه, وهذا قد يعطيه أفضلية, ومع ذلك لم يقبله الله.
قاين أيضاً قدّم قرباناً من أثمار الأرض (تقدمة نباتية) وهي تقدمة من المفترض أن تكون مقبولة لدى الله. سيّما أنها تذكرنا بتقدمة الكنيسة العتيدة وقرابينها الأبدية (الخبز والخمر, المقدّمان أيضاً من ثمار الأرض: القمح والعنب) وتذكرنا أيضاً بتقدمة نباتية (خبز وخمر) قدمها أبو الإيمان إبراهيم لملكي صادق, وهو المسيح نفسه (بحسب الرسول بولس في رسالته إلى العبرانيين) وقد قُبلت تلك التقدمة.
لماذا إذاً رفض الله التقدمة النباتية, هذا ما لا نجد له جواباً وتعليلاً واضحاً في النص.
بينما قبل الله تقدمة هابيل, وهي تقدمة دموية, و يذكر النص أن هابيل فرز من حيواناته أفضلها ليقدمها لله, أي أن هابيل قد قسم أغنامه واختار القسم الأفضل وقدّمه للرب, وهذه هي الإشارة الوحيدة التي قد تعطي جواباً للسؤال.
ولكنها مع ذلك لا تكفي للحكم بأن تقدمة هابيل كانت أفضل. لأن النص لا يشير (ولا يلمّح حتى تلميحاً واحداً) فيما إذا كان قاين قد قسم غلاته واختار القسم (الأفضل, أو الأسوء) ليقرّبه للرب.
قادت هذه القصة بعض النقّاد إلى تفسير شاذ وهو التقرير بأن كاتب النص ذو عقلية دينية بدائية, وبالتالي فهو يفترض حكماً أن الله يطلب التقدمة الدموية ولا يقبل التقدمة النباتية.
وقد قرّروا أيضاً أن هذا النص يدعم نظرية التطور في الدين (المشتقة من نظرية دارون في التطوّر البيولوجي) والتي تقول بأن نصوص الكتاب المقدّس قد تطوّرت في رقيّها الديني, وأفكارها اللاهوتية تبعاً لتطوّر الديانة اليهودية من عبادة الأرواح, مروراً بتعدد الآلهة, ثم إله القبيلة الأقوى من آلهة القبائل الأخرى, وصولاً إلى التوحيد, انتهاءً بالإله المحب البشر!
الأمر الذي يقود حكماً, إلى نكران الوحي والنبوّة, وبالتالي نكران أن الروح القدس الأقنوم الثالث هو من أوحى لكتّاب العهد القديم والجديد أن يكتبوا ما قد كتبوا.
وحجّة هؤلاء النقاد قويّة, ومن الصعب تفنيدها, لأن النص لا يوضح هل قسم قاين ثماره قسمة عادلة, أم غير عادلة, ولا يوضح أي قسم من الثمار قذّمَ لله (الأفضل, أم الأسوء).
فمن المبرّر بالتالي أن نفهم من النص أن الكاتب يعتقد فعلاً أن الله يريد تقادم حيوانية دموية, ويرذل التقادم النباتية, وبالتالي فهو ينتمي إلى مرحلة متخلّفة دينياً .
وعندما نأتي إلى العهد الجديد نجد أن ربنا يسوع المسيح يسمّي هابيل صدّيقاً! لماذا؟
ويقول بولس الرسول في الرسالة إلى العبرانيين أيضاً:
(عبرانيين 11: 4)
بالإيمان قدّم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين, فبه شهد له انه بار إذ شهدَ اللهُ لقرابينه.
لماذا ذبيحة هابيل أفضل من قاين؟
هل لأنه انتخب من غلاّته أفضلها وقدّمها للرب؟
وما يدرينا ما إذا كان أخوه قد فعل مثله, ربما يكون قد انتخب من غلاته أفضلها أيضاً وقدمها للرب؟
وبالتالي يبرز هنا سؤال عن عدالة الله؟
ونص التكوين (المسوري) لا يوضح إجابةً على هذا السؤال.
وأين شهد الله لقرابين هابيل؟
النص يقول أنه قبلها, ولكن لا يذكر أن الله قد قال شيئاً بخصوص القرابين, فكيف يكون الله قد شهد لقرابينه؟
الحقيقة أن كل هذه الأسئلة, والاعتراضات (البريئة وغير البريئة), والتفاسير الشاذة, كلها تسقط بالكلّية عندما نترك النص المسوري (كتاب اليهود) ونقرأ نص التكوين بحسب السبعينية (أي الكتاب المقدس المسيحي الحقيقي والمشهود له من الرب يسوع كما بينّا في الحلقة السابقة)
لنقرأ النص كما تقرأه الكنيسة الأرثوذكسية مترجماً إلى العربية في كتاب التريودي الذي تقرأه الكنيسة في فترة الصوم الأربعيني المقدس.
(تكوين 3: 1-7) السبعيني:
ثم عرف آدم حوا امرأته فحبلت وولدت قاين قائلةً اقتنيتُ بالله إنساناً, ثم عادت فولدت أخاه هابيل, وكان هابيل راعي غنم, وأما قاين فكان عامل الأرض. فحدث بعد أيام أن أن قاين قدّم للرب من ثمرات أرضه ضحيّة, وقرّب هابيل أيضاً من أبكار غنمه وسمانها, فنظر الرب إلى هابيل وإلى قرابينه, وما صغى إلى قاين ولا إلى ضحاياه. فاغتمّ قاين جداً وسقطت سحنة وجهه, فقال الرب الإله لقاين: لماذا صرتَ مغموماً كئيباً ولماذا سقطت سحنة وجهك,
ما قدّمتَ تقدمةً مستوية, ولا قسمتَ قسمةً متقوّمة, قد أخطأتَ ,فاهدأ. فإليك يكون رجوعُه وأنت ترأسُ عليه.
مفاجأة كبيرة!
النص يتطابق مع المسّوري من الآية 1 وحتى الآية 6 (مع الاختلاف في استعمال كلمات "الله" إيلوهيم و"الرب" يهوه , مما يثير الكثير من الأسئلة حول مصداقية المعيار الأهم الذي استندت إليه نظرية التقاليد لفرز النصوص,كما أوضحنا في الحلقة السابقة.)
ولكن عندما نصل إلى الآية 7 يختلف النص اختلافاً جذرياً!
الله يوضّح لقاين خطيئته, ويبين له لماذا رُفضت قرابينه, في حين قُبلت قرابين أخيه.
(ولا قسمتَ قسمةً متقوّمة)
لم يقسم قاين ثماره قسمة عادلة (فرز الثمار السيئة في قسم لوحدها, والجيدة في قسم آخر) وهو نفس ما فعله أخوه الصدّيق.
(ما قدّمت تقدمة مستوية)
قدم قاين القسم السيئ والنخب الرديء من الثمار إلى الله (واحتفظ لنفسه بالقسم الجيد) وهو عكس ما فعله أخوه الصدّيق.
وهنا نفهم باستقامة رأي لماذا قبل الله قربان هابيل, وسمّاه الرب يسوع صدّيقاً.
ونفهم باستقامة رأي لماذا رفض الله قرابين قاين الرديئة, وسمّاه خاطئاً (قد أخطأتَ, فاهدأ).
ونفهم أن الرسول بولس عندما يقول (قد شهد الله لقرابينه) أنه يعرف أن سامعيه يعرفون سلفاً أن الله فعلاً قد سبق وأوضح وشرح لقايين خطيئته , وبالتالي فقد شهد لتقوى هابيل وقرابينه العادلة.
ونفهم أن الرب يسوع المسيح عندما يسمّي هابيل صدّيقاً, دون أن يشرح لماذا هو صدّيق, فهو يفترض أن المسيحيين يقرأون كتابهم (السبعينية) وليس كتاب غيرهم (المسوري).
نكتفي هنا لنسمع آراء وتعليقات الإخوة وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بمشيئة الرب.
صلواتكم
طاناسي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات