تعيّد كنيستنا اليوم للأقمار الثلاثة، وهم باسيليوس الكبير (379 †) وغريغوريوس اللاهوتيّ (389 †) ويوحنّا الذهبيّ الفمّ (407 †). وهؤلاء الآباء الثلاثة تميّزوا بصفات مشتركة عديدة وعاشوا في زمن مشترك، نهاية القرن الرابع. ولعلّ أهمّ الميزات المشتركة بينهم هي رئاسة الكهنوت والرعاية وأيضاً سموّ المعرفة العلميّة عامّة واللاهوتيّة خاصّة. كما نضيف إلى ذلك منشأهم الرهبانـيّ قبل دخولهم حياة الرعاية.
وتدور كلمات الرسالة التي سمعناها اليوم من فم بولس الرسول، تدور حول فضائل هؤلاء الكواكب اللاّمعة في سماء الكنيسة لا بل "الأقمار" التي تضيء لنا بعد الشمس (يسوع). و تشير كلمات بولس "تأمّلوا سيرتهم واقتدوا بإيمانهم" إلى حقيقة هؤلاء المعلّمين، الذين كانت حياتهم، وليـس فقط تعاليمهم، مدرســــةً للأجيال اللاحقة. لقد طبّقوا مبادئ إيمانهم تماماً في حياتهم، فصارت حياتهم تقود وتثبّت إيماننا، كإيمانهم. إنّهم رجال "علّموا وعملوا" فصاروا عظماء في ملكوت السماوات.
لقد اشتهر باسيليوس الكبير بتنظيمه للحياة الرهبانيّة وكتابته لأنظمة الأديار، بالإضافة إلى أعمال الرحمة الكبيرة والإحسان. وتميّز غريغوريوس النـزينـزي بعلمه وشعره وكتاباته اللاهوتيّة، حتّى أنّ الكنيسة دعته مع اثنَين آخرَين (يوحنا الحبيب- سمعان اللاهوتي الجديد) باللاهوتيّ. أمّا الذهبيّ الفمّ فقد كان سيّد الكلمةِ ومعلّمَها، بالإضافة إلى الرعاية والاهتمام بالإحسان والمؤاساة. هكذا جمع هؤلاء الأقمار الثلاثة بامتياز فضائل الحياة الرهبانيّة، وحياة الرعاية والإحسان والمشاركة، وبالإضافة إلى سيف الروح، الكلمة.
هنا تصفهم كلمات بولس الرسول كمدبّرين يتّبعون حياة وتعاليم رئيس الكهنة الأعظم يسوع فـ "يخرجون إليه حاملين عاره"، زاهدين بكلّ مطربات العالم طالبين تعزيات الروح وفرح البشارة. إذ نشأوا في إطار الحياة الرهبانيّة، الحياة التي لا تستحي "بعار المسيح" أمام "هذا الجيل المعّوج" ومقايضاته ومتطلّباته. إنّه الخروج ليس من العالم بل من رقعة التنازلات التي يختلط فيها البرّ بالشرّ وما لقيصر بما لله... لقد كانت الحياة الرهبانيّة بالنسبة لهم البيئة التي نـزعت عنهم أمجاد العالم وألبستهم "عار المسيح"، فتعرّوا من الألوان الدنيويّة وتزيّنوا بالمسيح.
ويرى بولس أنّ الذبيحة الحقيقيّة في ديانة العهد الجديد، التي يمكن أن نقرّبها بواسطة رئيس الكهنة الجديد والأعظم، لا يمكن أن تكون ذبائحَ تبريرٍ إنّما بالأساس ثمرةَ شفاه معترفة باسمه.، أي استقامة الإيمان والتعليم والاعتراف والشهادة بذلك. وهذه هي تماماً صورة تعليم وإيمان الأقمار الثلاثة، وهي قدوة لإيماننا أيضاً. لقد أبدع كلّ منهم، باسيليوس وغريغوريوس والذهبيّ الفمّ، في نشر الإيمان بسلاح الكلمة، سيف الروح.
ومع ذلك فإنّ التخصّص والسمّو في التعليم لا يجعلنا منظّرين نرمي للناس نظريّات وصفحات عن الإيمان، حاشى! لذلك يقول بولس الرسول "لا تنسوا الإحسان والمؤاساة فإن الله يرتضي مثل هذه الذبائح". وهذا ما لمع به قدّيسونا، خاصّة باسيليوس والذهبيّ الفمّ. لم يكن كلامهم للإنشاء بل للتنشئة. يهدف الإنشاء إلى ترك المؤلّفات الجميلة، وتبغي التنشئة تكوين النفس الجميلة. لذلك تتبنّى التنشئة الإنسان في كلّ حاجاته، بدءاً من معرفته وصحّة إيمانه إلى حاجاته الماديّة التي هي جزء حقيقيّ من حياته. لم ينسَ أقمارُنا الثلاثة، وهم علاّمون ورجال كلمة، لم ينسوا الإحسان وشاركوا المحتاج وبرعوا كرعاة في إيجاد المؤسّسات الخيريّة، وشدّدوا على أنّ الإحسان هو برهان وتثبيت على فهمنا للدّعوة الإنجيليّة.
أمام أيقونة الأقمار الثلاثة يطيب لنا دائماً أن نكرّر ونتذكّر كلمات بولس "يا إخوة اذكروا مدبّريكم الذين كلّموكم بكلمة الله، تأمّلوا سيرتهم واقتدوا بإيمانهم"، آمين.
المطران بولس يازجي

شفاعة الاقمار الثلاثة لتكن معنا جميعا
و لكل المحتفلين بعيد الاقمار الثلاثة كل عام و انتم بخير
بالقداسة و الى سنين عديدة