كان زكريا من فرقة " أبيا " الكهنوتية ، وقد كان داود النبى تنظيماً للخدمة قد قام بتقسيم الكهنة أربعة وعشرون فرقة تتناوب إقامة شعائر العبادة فى الهيكل فى المواعيد المحددة لكل منها ، وجعل لكل فرقة رئيساً تنتسب إليه وتحمل اسمه ( 1 ـ أيام 24 : 7 ـ 18 ) . وقد كان الكهنة قد كثر عددهم فى أيامه .
" وَقَسَمَهُمْ دَاوُدُ فِرَقاً لِبَنِى لاَوِى لِجَرْشُونَ وَقَهَاتَ وَمَرَارِى " ( 1 ـ أيام 23 : 6 ) .
" فَتَهَيَّأَتِ الْخِدْمَةُ وَقَامَ الْكَهَنَةُ فِى مَقَامِهِمْ وَاللاَّوِيُّونَ فِى فِرَقِهِمْ حَسَبَ أَمْرِ الْمَلِكِ " ( 2 ـ أيام 35 : 10 ) .
وكانت كل فرقة تقوم بالخدمة أسبوعاً كل ستة أشهر .
وفى إحدى نوبات الخدمة الخاصة بفرقته :
" فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ . حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ . وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجا ًوَقْتَ الْبَخُورِ " ( لوقا 1 : 8 ـ 10 ) .
أصابته القرعة على مقتضى نظام الكهنوت لأن يقوم بالتبخير على مذبح البخور فى الهيكل . وكان هذا الطقس الذى كان ينبغى أن يتم صباحاً ومساءً وقت تقديم المحرقة الصباحية ووقت تقديم المحرقة المسائية ، يتضمن شرفاً عظيماً ، فدخل زكريا هيكل الرب . وكان الشعب يصلى فى وقت التبخير .
" فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفاً عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ . فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ . فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ : " لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا " ( لوقا 1 : 11 ـ 13 ) .
* يعلِّق العلامة أوريجينوس على تعبير الإنجيل : " فظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور" بقوله أن الإنسان إذ له جسد كثيف لا يقدر أن يُعاين الكائنات الروحيّة والإلهيّة ، ولا أن يشعر بها ما لم تظهر له . كأن ظهورات الله وملائكته تتوقَّف على إرادة الله ورغبته أن نرى ، فالله حاضر معنا ، وأيضًا ملائكته ومع ذلك لا نراهم .
فهنا ظهور الملاك ورؤية زكريا له تم بإرادة الله فهو ظهور مقصود وإمكانية رؤية اعطيت لزكريا من قِبل الله .
* ظهر ملاك الرب عن يمين مذبح البخور ، أى ما بين المذبح الذهبى ( الصلاة ) ومائدة خبز الوجوه ( سّر الإفخارستيا ) . وكأن من يريد أن يلتقى مع القوات السمائيّة يلزمه أن يبسط يديه بالصلاة ، فيقدَّم ذبيحة حب وبخور طيب قدام الله ، وأن يدخل إلى مائدة الرب ، يلتقي برب السمائيِّين ويحمله فى داخله .
شىء طبيعى أن يضطرب زكريا ويستولى عليه الخوف ، فالإنسان حين ينظر أمراً غريباً ، حين يرى كائنات روحية فهذا يجعله مضطرباً ويخاف ، لكنه حين يرى كائنات سمائية لا يبقى فى إضطرابه بل يجد السماء عينها تهتم به وتشبعه بالسلام الحقيقى فى نفسه أما الكائنات الروحية الدنسة فتشغل الذهن وتربكه بالزمنيات ، فالأرواح ( الصالحة ) تطرح عنهم الخوف جانباً بالمحبة التى تظهرها كما فعل الملائكة : مع زكريا ( لوقا 1 : 13 ) ، ومع الرعاة ( لوقا 2 : 10 ) ، ومع النسوة عند قبر السيد المسيح ( متى 28 : 5 ) .
* القديس الأنبا أنطونيوس يقول : " إن خوف هؤلاء لم يكن نتيجة الخوف بل نتيجة اليقين بظهور الملائكة الصالحين ؛ هذا هو ظهور الملائكة القدّيسين " . كما يقول : " إذا ما رأينا أرواحاً وأثارت اضطراباً وضربات خارجيّة وتخيُّلات دنيويّة وتهديداً بالموت وكل ما ذكرناه ، فلنعرف أن هذا هو هجوم أرواح شرِّيرة " .
" فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا . وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ . لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرَّبِّ وَخَمْراًوَمُسْكِراً لاَ يَشْرَبُ وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ . وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِهِمْ . وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُسْتَعِدّاً " ( لوقا 1 : 13 ـ 17 ) .
+ دائماً أبداً حينما يعطي الله أو الملاك أمراً بـ " لا تخف " يكون المرافق لهذا الأمر قوة روحية خاصة ترفع فى الحال كل الإحساس بالرهبة والخوف ، ويكون عوضه هدوء وسلام كبير للنفس ، فيستقبل الإنسان الرسالة بملء الوعى والسلام والفرح .
+ ربما أن زكريا قد نسى طلبته أو فقد الرجاء فى الإنجاب وخاصة أنه قيل عنه وعن زوجته " وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا " ، وزوجته الطاعنة فى السن قد فات أوان صلاحيتها للحمل والولادة بحكم القوانين الطبيعية . ويتبين من بشارة الملاك أنها ستحمل على الرغم من ذلك بمعجزة إلهية ، وتلد ابناً مختاراً من الله . يقول له الملاك " أَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ " . آه يا رب طلبتى ، لقد نسيت دعائى ، من أجل إقامة نسل ؟ هذا أمر فات أوانه وإنتهى ، لقد نفضت عقلى من هذا الموضوع . هل تأتى الآن يا رب وتتذكره ؟ وتـُذَكِّرُنى به ؟ بل وتقول " أَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ " ! .
+ استمر الملاك " وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا . وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ " . إذا كانت أليصابات لم تقدر على الحبل وهى شابة ، هل تستطيع ذلك عندما تطعن فى السن ؟ وفقاً للطبيعة ، وفقاً للمقاييس الطبيعية ، هذا الأمر مستحيل من الجهة العقلية ، لكن "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ " ( لوقا 18 : 27 ) ، الله القادر على كل شىء يستطيع فعل ما هو مستحيل فعله عند البشر [ ( تكوين 48 : 3 ؛ 49 : 25 ) ، ( خروج 6 : 3 ) ، ( إشعياء 13 : 6 ) ، ( يوئيل 1 : 15 ) ، ( 2 ـ كورنثوس 6 : 18 ) ، ( رؤيا 1 : 8 ؛ 4 : 8 ؛ 11 : 17 ؛ 15 : 13 ؛ 16 : 14 ؛ 19 : 6 ؛ 19 : 15 ؛ 21 : 22 ) ] .
ونرى أن الاسم الذى اختاره الله له كان " يوحنا " أى " يهوه حنان " . الله عندما أظهر حنانه كله ، وحبه كله للبشر بتحقيقه للفداء الذى سبق ووعد به ، أراد أن من يُعد له الطريق يحمل اسم " حنان الله " لتعبر عن رسالته التى سوف يقوم بها إذ يُعد لله شعباً صالحاً مستعداً لينال حب الله وحنانه .
ليس فرح كفرح زكريا وليس إبتهاج كإبتهاج أليصابات ، لا لأنهما رُزقا ابناً فى شيخوختهما وحسب ، ولكن لأنهما رُزقا نبيًّا وأعظم من نبى . لأن كل نبى وُلد ليتنبأ ، ولكن يوحنا وُلد ليضع يده على المسيَّا نفسه ، ويشاهد الروح نازلاً عليه وتنفتح عيناه ويراه بصفته اللاهوتيه " ابناً لله " . لمَّا رأت عينا زكريا مولوده يوحنا نطق معبِّراً عن الفرحة والابتهاج التي تنبأ بها له الملاك . لم تكن فرحة زكريا لأنه صار له ابنٌ ، بل لأن الله اختاره ليكون أباً لنبي يُعِد طريق المسيَّا ! .
بل ونرى الملاك يقول له : أن المولود لن يكون مصدر فرح لأبويه فقط بل سيكون مصدر فرح لكثيرين . كم واحد منا مصدر فرح لكثيرين ؟ حتى مصدر فرح لشخص واحد غير مرتبط به جسدياً ؟ . تـُقاس عظمة الإنسان بمقدار ما يصدر عنه من فرح حقيقى يشع على الناس ، يكون كقرص عسل كل مكان يكون فيه يُعطى حلاوةً وخيراً وشبعاً لكل من يقترب منه ، وهنا لا نقصد مجرد الفرح العالمى بل الفرح الحقيقى .
وقوله " سيفرحون بولادته " لا تعني الولادة بحد ذاتها ولكن تعني : الفرح بمجيئه ، لأن يوحنا المعمدان لم يشعر به الشعب إلاَّ بعد ظهوره في البرية كارزاً بقرب مجيء الرب .
+
ويوجد أناس يكونون مصدر غم ليس لوالديهم فقط بل للآخرين أيضاً .
قيل عن يوحنا المعمدان " وتفرح وتبتهج ، كما يفرح كثيرون بميلاده " .
بينما قيل عن يهوذا الإسخريوطى " كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد " ( متى 26 : 24 ) .
تـُرى ما هو سبب فرح زكريا والكثيرون بيوحنا ؟ .
" لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرَّبِّ وَخَمْراً وَمُسْكِراً لاَ يَشْرَبُ وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ "
صفات رائعة سيتحلى بها المولود الموعود به : " سيكون عظيماً أمام الرب " سيكون عظيماً ليس أمام الناس ولكن أمام الرب !
العظمة أمام الرب ليس بكثرة السنين ولا بقوة الجسد والأعمال الظاهرة ، إنما بالحياة الروحية الداخلية القوية بحسب درجات الفضيلة التى يرقى إليها الإنسان ، فيوحنا لم يعش طويلاً ، ولا قهر إمبراطوريات ، ولم تكن له نصرات وغنائم ، بل لم يكن هذا فى برنامجه ، بل تطلع إلى ما هو أفضل جداً ، ولم تسيطر عليه محبة الحياة الزمنية . بل لم يُجر أى معجزات ! .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات