" فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ قَالَ لَهُمْ : " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي ؟ . فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ . وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ : لَنَا إِبْراهِيمُ أَباً . لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ : إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإِبْراهِيمَ . وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّار " ( متى 3 : 7 ـ 10 ) ؛ ( لوقا 3 : 7 ـ 9 ) .
+ كان الفريسيون يمثلون السلطة الدينية المنغلقة فى تفسيرها الدينى وتأويلها للنصوص وفقاً لمصالحهم المادية البحتة وتقليدها الحرفى القاتل ، ومن اسمهم فأنهم لبرهم الذاتى أفرزوا أنفسهم عن سائر الشعب ، وكان الصدوقيون يمثلون الجانب المضاد للسلطة الدينية ، لا يقبلون من الوحى إلا أسفار موسى الخمسة وينكرون وجود الأرواح والحياة الأخروية والقيامة العامة والملائكة ، كما أنهم رفضوا كل التقاليد الثابتة وغير الثابتة . وجاء يوحنا ، ورأى الفريسيون والصدوقيون أن كل الشعب يميل إليه فإتحد الفريقان المتنازعان ضده وجاءوا إليه بأجسادهم دون قلوبهم مسايرة للناس وكسب ودهم إلى أن يروا فى يوحنا ما يستطيعون به إزاحته من أمامهم ، أو ليكونوا من زعماء الحركة الجديدة . هاتان الفرقتان أظهرتا فى بادئ الأمر قبولاً نسبياً ليوحنا كنبى ، ولكنهم فيما بعد قل إعتبارهم له بسبب مواعظه التى توبخهم ، ولما نادى بأن يسوع هو المسيح أنكروا نبوته وسلطانه :
" وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ " ( لوقا 7 : 30 ) .
لهذا وبخهم "فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ قَالَ لَهُمْ : " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي ؟ " ( متى 3 : 7 ) .
لقبهم بـ " أولاد الأفاعى " . والأفاعى نوع من الحيات شديدة الإحتيال والضرر ، لم يقل لهم هذا على سبيل السباب أو الشتيمة ، بل توبيخاً لهم على ريائهم وعدم خلوص نواياهم فى مجيئهم إليه ، وإشارة إلى تعليمهم الذى هو كسم ناقع ، واستعمل سيدنا الرب يسوع هذا الوصف " أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي ... " ( متى 23 : 33 ) .
يقول علماء الحيوان أن الأفاعى الصغيرة عندما تخرج من البيض تكون جوعانة جداً ، لهذا فأنها تلتف حول الأم الحاضنة للبيض وتنهشها وتأكلها ، لهذا فإن الأم عندما تقارب فترة حضانتها للبيض على الإنتهاء ، وعندما تبدأ فى سماع حركة الأفاعى داخل البيض ، فإنها تسارع وتهرب من مكان حضانة البيض لئلا تخرج صغارها من البيض وتأكلها . وبناء على هذا فإننا نجد أيضاً فى تعبير " أولاد الأفاعى " أطلقه القديس يوحنا على اليهود من حيث أن أولاد الأفاعى تأكل آبائها ، كما كان يفعل اليهود بالأنبياء أبائهم الروحيين ، إذ يكاد لم ينج نبى من أذيتهم له . كما أن هذا اللقب أيضاً يشير إلى الخداع والخبث الذى كانوا يتميزون به .
+ يقول لهم " مَنْ أَشار عليكُمْ بالهرب مِنَ الْغَضَبِ الذى سيحل بكم ؟ " . تعجب يوحنا من أنهم رغم كونهم قساة القلوب ومرائين يخافون حتى يتظاهروا بالتوبة ويرغبوا أن يتصفوا بصفاتها ، وبسؤاله يُظهر الشك فى صدق مقاصدهم فإن كان ما يدّعونه صحيحاً فيلزمهم توبة حقيقية كأنه يقول : أى رجاء لمن كان مثلكم ؟ .
التوبة ليست شعارات أو كلام ، إنما التوبة الحقيقية من أعماق القلب يكون لها أثمارها الظاهرة . هم حسب الظاهر أولاد إبراهيم ، وحسب القلب الداخلى هم أولاد الأفاعى فالإنسان حسب تصرفه يُظهر ابن من يكون :
فمن يتصرفون بحماقة هم : " أَبْنَاءُ الْحَمَاقَةِ " ( أيوب 30 : 8 ) .
والسالكين فى المعصية هم : "ابْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ " ( كولوسى 3 : 6 ) .
والسالكين فى طرق الهالكين يدعون : " ابناء الهلاك " ( يوحنا 17 : 12 ) .
وعلى العكس فإن السالكين فى الحياة الجديدة هم : " ابناء القيامة " ( لوقا 20 : 36 ) .
والذين يعيشون فى النور الإلهى يسمون : " ابناء النور " ( يوحنا 12 : 36 ) و " أَبْنَاءُ نَهَارٍ " ( 1 ـ تسالونيكى 5 : 5 ) .
فالبنوة لإبراهيم بالأعمال وليست مجرد إنتساب جسدى . لهذا قال لهم :
" فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ . وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ : لَنَا إِبْراهِيمُ أَباً " .
المعمدان هنا ينكر عليهم صدق مجيئهم وطلبهم للعماد ، فهم لم يتحرَّكوا خوفاً من غضب آتٍ ، بل طمعاً فى كسب موقف الأتقياء والمتجدِّدين ليتاجروا به . فهم في نظر المعمدان أبناء غضب ، فكيف يهربون من الغضب . وعلى كلٍّ جعل محك توبتهم وتجدُّدهم وعودتهم الصادقة إلى الله الثمار التي يقدِّمونها كأتقياء حقيقيين . فالتوبة لها ثمر ولها سلوك مشهود له ، فالاعتراف الشكلى بالخطية لن يفيدهم شيئاً .
+ العلامة الحقيقية للتوبة هى أعمال التقوى ، والأثمار الجيدة تستلزم شجرة جيدة ، فيلزم تغيير حياتهم بالكامل . انكم لا تخلصون لكونكم ورثة لذاك الذى كان له الوعد ، فلهذا لا يكفى لنوال رضى الله بقطع النظر عن صفاتهم وأدابهم . وهم يقولون فى بعض تقليداتهم أن إبراهيم جالس أمام الباب المؤدى إلى الجحيم فلا يسمح بإنحدار أحد من نسله المختتنين إلى هناك . ففضائل الآباء لا تنفع الابناء إلا بمقدار ما يقتفون خطواتهم . بل كون أن الآباء كانوا أتقياء خلاف حال ابنائهم ، فهذا يزيد دينونة الابناء .
+ يُردف قوله بأن أخبرهم
"لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ : إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإبْراهِيمَ "
الله الذى أخرجهم من رحم سارة المتحجر غير القادر على الإنجاب :
" اِسْمَعُوا لِى أَيُّهَا التَّابِعُونَ الْبِرَّ الطَّالِبُونَ الرَّبَّ . انْظُرُوا إِلَى الصَّخْرِ الَّذِي مِنْهُ قُطِعْتُمْ وَإِلَى نُقْرَةِ الْجُبِّ الَّتِي مِنْهَا حُفِرْتُمُ . انْظُرُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَبِيكُمْ وَإِلَى سَارَةَ الَّتِى وَلَدَتْكُمْ " ( إشعياء 51 : 1 ، 2 ) .
هو القادر أن يُقيم من الأمم الوثنية المعتبرين حجارة من أجل غباوتهم وبلادتهم الباطلة فصاروا كحجارة الأصنام التى يعبدونها :
" مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا " ( مزمور 115 : 8 ) .
الله قادر أن يُقيم منهم ابناء لإبراهيم وطبعاً هنا البنوة الروحية بالإيمان . وتعبير " الله قادر أن يُقيم " تحمل أيضاً معنى الإقامة من الموت إلى الحياة ، فهو قادر أن يُقيم البعيدين عنه من الموت إلى الحياة .
+ يقول يوحنا المعمدان محذراً من أتوا إليه :
" وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراًجَيِّداًتُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ " .
المفروض أن الإنسان السالك فى طريق الله له ثمر روحى ، والذى ليس له ثمر فى الرب فهو لم يسر فى طريق التوبة ، تنمو فضائلنا تسندها جذور الإتضاع المستمر ، ولنرتفع عن الأرضيات ونحمل فى القمة اعمال التوبة المُثمرة ، ويقول الوحى الإلهى :
" الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ . فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ كَمَا فِي مَرِيبَةَ مِثْلَ يَوْمِ مَسَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ . حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ " ( مزمور 95 : 7 ـ 9 ) ، ( عبرانيين 3 : 15 ، 4 : 7 ) .
" اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ . ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ . لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ وَإِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ " ( إشعياء 55 : 6 ، 7 ) .
الله يطلب منى أن أثمر فى حياتى وفى تغيير حياة الآخرين إلى التوبة ، فيقول القديس بولس الرسول :
" فَوَيْلٌ لِى إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ " ( 1 ـ كورنثوس 5 : 6 ) .
الله يقف يجنى الثمار ويهب الحياة عوض الثمر ويكتشف الشجرة التى لم تثمر ولها ثلاث سنوات ( لوقا 13 : 7 ) . إن الله يفعل كالبستانى الذى يأتى بفأسه ليفرز الشجر واحدة واحدة ، فكل شجرة يجدها لا تـُثمر ثمراً جيداً يجتثها بالفأس من أصولها ويلقى بها فى النار ، لأنها إذ لا ثمر لها لا تصلح لشىء إلا أن تكون وقوداً للنار . وأما الشجرة المثمرة فسيبقى عليها ويرعاها بعنايته ويرويها بنعمته لتزداد جودتها ويتكاثر ثمرها . وقد فعل هذا التحذير فعله فى نفوس اليهود فسألته الجموع :

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات