كنت قد هممت في كتابة شيء ما عن عصرنة المحبة، وتحولها من محبة موبخة من أجل الحق، إلى محبة تتملق وتحابي على حساب الحق.
فتذكرت "أعمال المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي" الذي قام قدس الأب أنطون ملكي بنشره على موقع مجلة التراث الأرثوذكسي، وأنه يُعبر تعبيراً عميقاً عم يجول في خاطر.
مايهمني من هذا البيان، الجزء الأول منه فقط دون الدخول في الجزء الثاني والذي يتحدث عن الاختلافات اللاهوتية والعقائدية. بل فقط عن كيف يجب أن نتوجه نحو الآخر؟ وماذا تعني المحبة في الكنيسة الأرثوذكسية؟
ولذلك منعاً للخلط بين ما أريد قوله، وبين ما يوجد في البيان حول الاختلافات العقائدية، رأيتُ أن أكتفي بالجزء الذي يهمني دون أن أنقل كل مافي البيان.
أعمال المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي
"المسكونية: الأصول – التوقعات – خيبة الأمل"
الأب بيتر هيرز
انعقد المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي "المسكونية: الأصول – التوقعات – خيبة الأمل" في العشرين من أيلول 2004، في تسالونيكي – اليونان، واستمرت أعماله إلى الرابع والعشرين من أيلول بنجاح كبير. المؤتمر من تنظيم كلية اللاهوت الرعائي في جامعة أرسطو – تسالونيكي، بالتعاون مع جمعية الدراسات الأرثوذكسية. انعقدت جلسات المؤتمر في قاعة مؤتمرات الجامعة.
افتُتِح الاجتماع بكلمة لسيادة الميتروبوليت أنثيموس، مطران تسالونيكي. ضمّ الحضور ميتروبوليتية وأساقفة، محافظ تسالونيكي، أعضاء من البرلمان اليوناني، وأساتذة جامعات. وقد استُقبل المشاركون بالترحيب.
خلال أيام المؤتمر الخمسة، قدّم ستون متحدّثاً محتَرَماً، بينهم رؤساء من عدد من الكنائس الأرثوذكسية، تحاليلاً لمختلف أوجه المسكونية أمام حضور كثيف من رؤساء الأديار، الإكليروس، الرهبان، والعلمانيين، وقد كان بينهم لاهوتيون كثر وأساتذة وطلاب كليات لاهوت.
وقد توصّل المجتمعون إلى النتائج التالية، استناداً إلى المحاضرات والمناقشات التي صاحبتها:
أ. نتائج البحث
1. المسكونية: نتاج البابوية والبروتستانتية، وهي تمويه للتغرّب عن الكنيسة الحقيقية
بدأت المسكونية في حضن البروتستانتية في بداية القرن العشرين كمجهود لاسترجاع وحدة العالم البروتستانتي المتشتت في مجموعات وتفرّعات لا تُحصى. ليس للمسكونية علاقة بكونيّة (ecumenicity) الكنيسة وجامعيتها، المحفوظتان بشكل كامل، جغرافياً وكنسياً، في الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، أي الكنيسة الأرثوذكسية، المستمرة على الإيمان الذي كان دائماً وفي كل مكان وللجميع. إن وجود هرطقات لا يبطل وحدة الكنيسة ولا كونيّتها أو جامعيتها. تستمر الكنيسة في كونها واحدة وكونية. الهرطقات والانشقاقات، مثل "كنائس" الكثلكة والبروتستانتية في الغرب و"كنائس" غير الخلقيدونيين في الشرق، ليست الكنائس المحلية الشرعية أو الأصيلة في هذه الديار. تستعيد هذه الكنائس الوحدة والجامعية وتكوّن كنائس حقيقية، عندما تعاود الاتّحاد في إيمان الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وحياتها. فالكنيسة الأرثوذكسية الجامعة ليست الكنيسة الحقيقية فحسب، بل هي الكنيسة الوحيدة. وعليه، فإن مجلس الكنائس العالمي، منذ بداياته إلى اليوم، هو مركَبَة المسكونية البروتستانتية، وهو بالمعنى الكنسي الصحيح "مجلس هرطقات وانشقاقات عالمي".
لقد حادت البابوية عن وحدة الكنيسة وجامعيتها منذ بداية الألفية الثانية مع انشقاق 1054 وتبنيها هرطقتي "انبثاق الروح القدس" و"أولية البابا". إن كنيسة روما الأرثوذكسية سابقاً، التي أفرزت قديسين كثيرين وشهداء ومعترفين، قد أُغرِقَت في الهرطقة والضلال. وبقطعها عن الكنيسة الواحدة الحقيقية، وكأسيرة للسكولاستيكية ومطامح البابوات الدنيوية، لم تفشل كنيسة روما المحلية في الحفاظ على المسيحية الغربية موحّدة وحسب، بل أصبحت مصدراً للكثير من الهرطقات الجديدة والانشقاقات، كمثل الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بأشكاله المختلفة، الأنكليكانية والكثلكة القديمة. لقد حرّفَت الميزة الإلهية-البشرية للكنيسة، واستبدلتها بمؤسسة بشرية ذات سيطرة كاملة على المؤمنين، وقادت إلى إبطال مسيحية (de-Christianization) أوروبا وكنسيتها. لقد وافق المتحدثون والحضور على التحديد الأكثر ملاءمة للمسكونية الذي تركه لنا القديس يوستينوس بوبوفيتش: "المسكونية هي الإسم الشائع للمسيحيات الزائفة ولكل الكنائس الزائفة في أوروبا الغربية. فيها يوجد قلب كل الإنسانويات الأوروبية، مع البابوية رأساً لها. وكل هذه الإنسانويات الزائفة، كل هذه الكنائس المغشوشة ليست سوى هرطقة تلو الأخرى. اسمها المشتَرَك، بحسب الإنجيل، هو الهرطقة الشاملة". (1)
إن محاولات الوحدة بين روما والقسطنطينية على مدى خمسة قرون، منذ الانشقاق إلى سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد الأتراك، إضافةً إلى الحوارات اللاهوتية المرافقة، فشلت جميعاً لأنّها لم تكن مقرونة بتوبة حقيقية واستعداد لإنكار الضلال والعودة إلى الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إن التدابير والتسويات في شؤون الإيمان من أجل تحقيق الوحدة كانت تُرفَض دوماً من ضمير الشعب المؤمن اليقِظ الدائم الانتباه. بالرغم من جداول البرامج الدنيوية الواضحة والتلاعب السياسي، فإن هذه المحاولات لم تنتهي أبداً بالقبول بالحد الأدنى العقائدي، ولا بالتسوية التوفيقية والكلام الدنيوي عن المحبة، كما انتهت حوارات القرن العشرين المسكونية. لقد ساد المبدأ الرسولي والآبائي بأنّ "ليس من مكان للمساومة في أمور الإيمان".
ما عجزت البابوية عن إنجازه في قرون، قد تمّت محاولته، منذ بداية القرن العشرين بالمسكونية البروتستانتية. وبدورها دعمت المسكونية البابوية هذه الجهود منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1963-65). كلا البابوية والبروتستانتية يخسران بشكل مستمر لسلطتهما واعتبارهما في أميركا وأوروبا ومختلف أنحاء العالم. وتحاولان، من خلال العمل المسكوني، حماية نفسيهما، حجب انعزالهما وبعدهما عن كنيسة المسيح الواحدة الحقيقية، وتقوية أعظم الهرطقات الكنسية، أي القائلة بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية غير موجودة، وبأنّها توقفت عن الوجود، وبأن كل الطوائف المسيحية تحمل بعض أوجه الكنيسة، بشكل لا يستدعي من مؤمنيها أن يقلقوا ولا أن يهتموا بالبحث عن الكنيسة الحقيقية ولا عن خلاصهم.
2. لا تتوافق الحجج المُقَدَّمَة لدعم مشاركة الأرثوذكس مع حقيقة الأمور، لا بل ثَبُت أنّها خاطئة
ما يدعو للأسف، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، تِبعاً للمبادرات الطائشة من البطريركية المسكونية، قد تورّطت منذ بداية هرطقة المسكونية الشاملة، بما لها من نتائج خطيرة تتعلّق بالخلاص. فمع المنشورات المعروفة في 1902، 1920و1950، دخلت البطريركية المسكونية في الحالة السائدة وبالواقع اتّخذت فيها دوراً أمامياً. لقد تغّير موقفها الموقَّر الرسولي الآبائي من الهرطقات والإنشقاقات بشكل جوهري منذ 1902 تحت ضغط الأحداث السياسية العالمية. بالواقع، منذ زمن البطريرك أثيناغوراس إلى اليوم صار موقف كنيسة القسطنطينية الرسمي، الذي انشدّت إليه باقي الكنائس المستقلّة الواحدة تلو الأخرى، مع أن أغلبها بالأصل واجه تلك المبادرات بتردد وتحفّظ حتى منتصف القرن العشرين. في المؤتمر، صار واضحاً من مختلف المساهمات والمناقشات أن ما حثّ الكنائس المستقلّة على المشاركة في الحركة المسكونية لم يكن اهتمامات روحية بل سياسية واجتماعية وقومية. بمشاركتها، سعت كلٌّ من الكنائس بمفردها إلى ضمان الحماية والدعم من الغرب المسيحي، أو لتلافي غضبه، تماماً كما كان يجري عند مجامع الوحدة في زمان الحملات الصليبية وقبل سقوط القسطنطينية بقليل.
بسبب غياب المحرّك الروحي واللاهوتي، لم تصل الكلمة الإنجيلية الأصيلة والحقيقة الخلاصية إلى غير الأرثوذكس، وبالطبع لن يعترف بهذا داعمو الحركة المسكونية، بالرغم من أن بينهم، على نحو لا يمكن إنكاره، شخصيات لاهوتية بارزة ذات اهتمامات كريمة وشهادة أرثوذكسية، خاصةً في مراحل من العمل المسكوني الأولى. لتبرير مشاركة الأرثوذكس في الحوارات اللاهوتية الثنائية أو الجماعية في ما يُعرَف بمجلس الكنائس العالمي، تمّ اللجوء، حاضراً وفي الماضي، إلى حجتين أساسيتين، لاهوتية وروحية: إظهار المحبة لغير الأرثوذكس والشهادة للإيمان الأرثوذكسي. المحبة، في كل الأحوال، لا يمكن فصلها عن الحق. في حال لم يتواجد حوار المحبة مع حوار الحق ولم يؤدِّ إلى لقاء معه وقبول بالحقيقة الخلاصية التي هي المسيح وكنيسته، يصبح حوار المحبة شركاً خطراً يقود إلى لامبالاة (indifference) توفيقية وانفصالية عن وحدة الإيمان وشركة الروح القدس، أي أنّه يفصل الإنسان عن الخلاص. لا يوجد ما هو أسوأ من الحرمان من الخلاص، وعمل المحبة هو الأمر الوحيد الذي لا يمكن اعتباره حرماناً للخلاص. أيمكن للمحبة أن تكون ضد الحق؟ الهرطقة هي غياب الحقيقة، الخديعة، تسلّط الشيطان، الحقد، محبة البهتان وتمزيق حقيقة الكنيسة. في الحوارات المسكونية، تُستَعمَل كلمة محبة بغزارة فيما الحقيقة مفقودة، لقد اعتُبرَت الحقيقة كموضوع للبحث، غير موجود في أي من الكنائس. الكنيسة المسيحية الجامعة ليست في حالة بحث عن الحقيقة بل هي تمتلكها. وينبغي عليها إعطاؤها بمحبة إلى غير الأرثوذكس المحرومين منها أو الذين شوهوها. الحق أرفع من المحبّة، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "إذا رأيتم التقوى تتألّم في مكان ما، لا تقدّموا الاتفقاق (homonoian) على الحق، بل التزموا بشجاعة حتى إلى الموت... ولا تخونوا الحق في أي مناسبة" (2). إلى هذا، هو ينصح مشدداً: "لا تقبلوا أي عقيدة منحولة تحت ستار المحبة" (3). العمل المسكوني هو في خانة الخطيئة البغيضة، فهو في آن واحد ينكر الحق، الذي كافح كثيرون من غير الأرثوذكس لإيجاده، كما يسعى إلى إغلاق الباب أمام كل الساعين إلى الحقيقة. في الواقع، تنطبق كلمات المسيح إلى الفريسيين على المسكونيين أيضاً: "«لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (4).
لكن "شهادة الإيمان" المنشودة، حتى ولو شكّلت أملاً وتوقعاً جيدين، إلا إنّه بالحقيقة قد ثبت زيفها. في كل الأحوال، لا يمكن للإنسان أن يفترض أنّه سوف يشهد للإيمان الأرثوذكسي ويبشّر به، إذا كانت البداية خيانة الإيمان. إن مجرد المشاركة بمجلس الكنائس العالمي والحوارات اللاهوتية مع الهراطقة من بابويين وبروتستانت وأتباع المشيئة الواحدة، يشكّل إنكاراً لفرادة الكنيسة، ومساواة تضع الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية في الخانة نفسها مع الهرطقات والانشقاقات. وكما ذُكِر، إنّها الهرطقة الإكليسيولوجية الكبرى في تاريخ الكنيسة. لقد سأل الطيب الذكر إيريناوس ميتروبوليت ساموس، تعبيراً عن موقفه وموقف الكثيرين من الرؤساء: "كيف يمكن لرؤساء الكهنة الأرثوذكس أن يشاركوا في منظمة إكليسيولوجية يُنبَذ فيها الثالوث القدوس، يؤمن المشاركون بأنّ كنيسة المسيح مبعثرة إلى أجزاء، أنّ كلّ هرطقة هي جزء من الكلّ، وبأنّ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية هي مثل غيرها أحد الأجزاء لا غير؟" (5) بالحقيقة، لا يوجد أي واحد من الرسل القديسين ولا آباء الكنيسة، يمكن استعمال تعليمه وحياته وأعماله كمثال لتبرير عضويتنا وما هو أبعد من ذلك، بقاءنا في مجمع غير شرعي من الهراطقة، كمثل "مجلس الكنائس العالمي"، وما يماثله من المجالس والتجمّعات.
إن ثمار العمل المسكوني هي الشر، كما كان جذوره وما زالت: "فالشجرة تُعرَف من ثمارها" (6). لقد تواجد العمل المسكوني منذ حوالي القرن، وقد كشف بوضوح عن هويته، وبإمكاننا بكل ثقة أن نحكم عليه. بالواقع، حتى أبطاله الأرثوذكسيون ذوو الضمير الحي قلقون حيال مجرى الأمور والطريق المسدود الذي بلغه؛ إنهم يحاولون إيجاد شتّى الطرق لمنع انسحاب الكنائس الأرثوذكسية (هذا الخروج قد بدأ وهو ماضٍ ليقوى وينتشر). في المؤتمر، تحدّث عدد غير قليل من المحاضرين عن الثمرة المدمّرة للحوارات اللاهوتية والاشتراك في مجلس الكنائس العالمي.
قبل أن نعرض باختصار نتائج الحوارات اللاهوتية، من المهم أن نشير إلى الرأي الذي عبّر عنه المحاضرون والمشاركون وهو أنّه منذ ولادة الحركة المسكونية وانتشارها مع حضور الأرثوذكس في "مجلس الكنائس العالمي" لحوالي الستين سنة، لم ينجح المسكونيون بضمّ ولا شخص واحد إلى الإيمان الأرثوذكسية. في المقابل، حصلت انضمامات بالرغم من الاتجاه السائد بين المسكونيين بأنّه ينبغي أن يبقى الكلّ في طوائفهم، بانتظار الوحدة المتوقّعة بين "الكنائس". لقد رفض بعض أساقفة الشتات استقبال غير الأرثوذكس الراغبين بالانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية. إذاً ما هو أساس هذه الدعاية للشهادة للإيمان الأرثوذكسي؟ على العكس، بدل الشهادة للحق، نحن نشارك في الشهادة للهرطقات والضلال. لقد نتج عن هذا التصادق الطويل الأمد مع الهراطقة، الفريد في تاريخنا الكنسي، تغرّب عن الفكر الأرثوذكسي وتعتيم له، حتى أنّ إكليريكيين ولاهوتيين يوقّعون براحة بال على النصوص التي تنتج الحوارات التي فيها تُداس وتُنتَهَك العقائد الرسولية والآبائية، وحيث تُقَدَّم الهرطقة على أنّها الحقيقة، وحيث يبدو الهراطقة مستقيمي الرأي، ويُعتَرَف بأصالة معموديتهم وغيرها من الأسرار. وهكذا، خطوة خطوة نتقدّم من الصلوات المشترك إلى الشركة في الأسرار.
[تم الحذف وليراجع في مكانه]
7. الحوار الحقيقي وافتراضاته المسبقة
ختاماً، في ما يتعلّق بالحوارات اللاهوتية، لقد تمّ التأكيد على أنّ الكنيسة لا تتجنّب الحوار، فهي منفتحة على الجميع وهي تدعوهم للمجيء إليها ليخلُصوا. إنّ الموقف المسبّق الضروري والشرط الذي لا تُنتَهَك حرمته لكل حوار هو: لا تعتمد حقيقة الكنيسة الخلاصيّة على المناقشة أو المناظرة.
في حالة عجز غير الأرثوذكسيين عن فهم هذا الإطار الخلاصي، أو إنكارهم له، فينبغي عدم إطالة مدّة الحوار بل بالمقابل ينبغي ضبطها في ما هو ضروري، وكما فعل الآباء القديسون في المجامع ينبغي قطع الحوار. بهذا يُتَّبَع مثال الرب نفسه مع الذين لم يريدوا أن يفهموا تعليمه وكانوا سريعي الامتعاض: "فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ:«أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:«يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (8) إنّ في هذا الأمل الوحيد لأن يعي غير الأرثوذكس ضلالهم ويتحوّلوا اليوم إلى الكنيسة التي هي المسيح ممتداً عبر الأجيال في موقف مماثل للآية "وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»" (9). إنّ هذا الموقف النموذجي البارز حفظه البطريرك إرمياء الثاني في رده الثالث (1581) من الحوار مع لاهوتيي توبنجن البروتستانت. فهو ما أن أدرك أنّهم مصرون على انخداعهم ويرفضون قبول تعليم الآباء القديسين، "أنوار الكنيسة ولاهوتييها"، حتى قطع المراسلات معهم وتركهم يمضون في طريقهم: "إذاً، من جهتكم، أرجو أ، تعفونا من هذه الاهتمامات. وعليه، امضوا في سبلكم؛ لا تكتبوا لنا مجدداً عن العقائد، وإذا كتبتم ففقط من باب الصداقة" (10).
في هذا المؤتمر، تمّ التشديد على أن المنهجية المتّبَعة في إدارة الحوارات المرتكزة على "ما يجمع" أي على أوجه التشابه وليس على "ما يفرّق" أي على الفروقات، هي منهجية غير ثابتة وغير مبررة وفريدة في تاريخ الكنيسة. ما قيمة مناقشة ما نقبل وما نتّفق عليه؟ في هذا نحن نقنّع الفروقات لا غير، ونخدم مصالح أخرى، نحن نخفي الهوة ونريح أصحاب النيات الحسنة من غير الأرثوذكس، كما نسهّل الاقتناص، لما فيه الأذى للأرثوذكس. على المنوال نفسه، ضروري أن تُتّخذ كل القرارات المرتبطة بالعلاقات مع غير الأرثوذكس بقوانين مجمعية، وأن يُحاط علماً بها كل جسم الكنيسة، إذ يوجد اليوم نقص خطير في المجمعية.
في الختام أطرى المجتمعون وأثنوا على فكر الكنائس التي انسحبت أو تنوي الانسحاب من "مجلس الكنائس العالمي"، كما من الحوارات اللاهوتية. هذا ما عبّرت عنه الرسالة التاريخية والأكثر أرثوذكسية التي بعثت بها كنيسة أورشليم في 22 حزيران 1992، إلى بقية الكنائس المستقلّة، وفيها أعلنت أنّها توقف الحوار اللاهوتي "مع غير الأرثوذكس بشكل عام، قناعةً بأنّ الحوار ليس فقط بلا نفع، بل بالحقيقة، مضرّ بالكنيسة الأرثوذكسية ككلّ، وبكنيسة أورشليم بوجه خاص".
[تم الحذف وليراجع في مكانه]
وعليه، بمحبة نحن نرفض الحوار المسكوني لأن ما نرغب في أن نقدّمه لغير الأرثوذكس وغير المسيحيين هو بالضبط ما وَهَبنا إياه الله في كنيسته الأرثوذكسية المقدّسة: الفرصة لأن نكون أعضاء جسده.
حواشي
[1]Archimandrite Justin Popovich, The Orthodox Church and Ecumenism, Thessaloniki, 1974, pg. 224.
[2]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Romans, Homily 22, verse 18, PG 60, 611.
[3]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Philippians, Homily 2, verse 10, PG 62, 191.
[4]Mathew 23:13.
[5]See P. Bratsiotos, Irenaios of Samos and the World Council of Churches, "Ekklesia" 40 (1963) 477.
[6]Mathew 12:33.
[7]See: http://sor.cua.edu/Ecumenism/1991111...mOrthStmt.html for the full text in English.
[8]Jn. 6:67.
[9]Jn. 6:69.
[10]I. Karmiri, The Dogmatic and Symbolic Monuments of the Orthodox Catholic Church [in Greek], Graz, 1968, vol. 2, pg. 489.
[11]Acts 16:30.
[12]Luke 10:25 and 18:18.
ملحق: المشاركون في المؤتمر
المطارنة: ايروثيوس نافباكتوس وتوابعها (اليونان)، أمفيلوخي الجبل الأسود وتوابعها (صربيا)، نثنائيل نفروكوب (بلغاريا)، يوحنا فالاسون وباراداريو (مقدونيا).
الأساقفة: بندلايمون غانا (الإسكندرية)، أرتاميوس راسكاس وبريزن (صربيا)
الأرشمندريتية: يوسف رئيس دير كسيروبوتامو (أثوس)، ديمتريوس فاسيلياذيس أمين سر المجمع (أورشليم)، مكسيموس رئيس دير ديونيسيو (أثوس)، خريستوفوروس تسياكاس رئيس اللجنة المجمعية للهرطقات (قبرص)، نيقوديموس باروسيس رئيس دير والدة الإله خريسوبوداريتسا (يانينا، اليونان)، سارانتيس سارانتوس أستاذ في معهد ريزاريو (أثينا، اليونان)، يوانيكيس كوتسونيس (اليونان)، ألكسيوس كاراكلينوس (أثوس)، نيلس من دير فاتوباذي (أثوس) أستاذ في جامعة اليونان الكبرى - كالابريا (اليونان)، بيساريون رئيس دير رؤساء الملائكة (نيامتس، رومانيا).
المتقدمون في الكهنة: جورج ميتالينوس عميد كلية اللاهوت في جامعة أثينا (اليونان)، ثيوذوروس زيسيس عميد كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، جورج دراغاس أستاذ في كلية الصليب للاهوت في بوسطن (القسطنطينية)، قسطنطين كومان أستاذ قي كلية اللاهوت في جامعة بوخارست (رومانيا)، فلانتين أزموس من كلية اللاهوت في موسكو (روسيا)، زوراب أنتادزي (جورجيا)، قسطنطين ستراتيغوبولوس (اليونان)، لامبروس فوتوبولوس (اليونان).
الكهنة: باراسكافاس أغاثونوس (اليونان)، جون ريفز (الكنيسة الأرثوذكسية في أميركاOCA)، خريستوس فيليوتيس (اليونان)، بيتر هيرز (اليونان)
الشماس ليونديوس من دير رؤساء الملائكة (نيامتس، رومانيا).
الرهبان الشيخ موسى الأثوسي، أرسانيوس فليانغوفتيس (أثوس)، لوقا رئيس دير فيلوثايو (أثوس)، نيقوديموس بلاليس (أثوس).
أساتذة جامعيون: داسبو لياليو رئيسة قسم اللاهوت الرعائي في جامعة تسالونيكي (اليونان)، ديمتريوس تسالانغيديس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، أنطوني بابدوبولوس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، جون كورناراكيس أستاذ فخري - – كلية اللاهوت في جامعة أثينا (اليونان)، جان كلود لارشيه أستاذ فلسفة في السوربون، فرنسا (القسطنطينية)، ثيودور يانغو أستاذ مشارك – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، نيقولا فاسيلياذيس (اليونان)، قسطنطين كافارنوس، قسطنطين كوتسيوبولوس مدرّس – كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي (اليونان)، أنطوني ميرونوفيتش أستاذ في قسم اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة بياليستوك (روسيا)، بانايوتيس سوتيرخوس صحفي (اليونان)، إيفان دياتساكنو أستاذ جامعي (روسيا)، خريستوس ليفانوس رئيس أخوية القديس أثناسيوس، تورونتو، كنذا (القسطنطينية)، رادو بريدا أستاذ في كلية اللاهوت في كلوز-نابوكا، رومانيا (رومانيا).
تنبيه
كل ما أتى حول الاختلافت تم حذفه لأنه ليس موضوعي، ولئلا يدخل التشتيت.
لقد تحولّت المحبة في نظر البعض إلى الموافقة على الأخطاء، بحجة عدم النظر إليها، والاكتفاء بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب، وتجاهل حيقية وجود نصف آخر فارغ.
هذا الأمر لا يستطيع الكثيرون أن يتقبلوه! ولذلك تراهم يهربون تجاه المسكونية الحديثة وعصرنة المحبة المسيحية.
إن المحبة المسيحية لا تعني أن أتجاهل الاختلافات، بل تعني الإقرار بالإختلاف والخلاف، ثانياً الانطلاق نحو الآخر بحوار صريح دون محاباة ولا تملق من أجل الوصول إلى الحق.
ويبدو أن الكنيسة الأنطاكية، هي أكثر الكنائس انغماساً في هذه العصرنة، فلا يوجد ضمن أسماء الموقعين على البيان أي ذكر لكنيسة أنطاكية، في حين أننا نجد أنطاكية تُبشِّر بهذه المسكونية الحديثة بـ "المؤتمر الدولي لكليات لاهوت ارثوذكسية"...
![]()

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات