كثير من المعترضين يقولون : إنهم غير قادرين على استيعاب فكرة الثالوث . عقلهم لا يتقبلها بسهولة
ولهم نقول : إن الحقائق أعلى من العقل , ومع ذلك نقبلها بثقة وفرح لأنها إعلان الله الذي يحبنا ولا يمكن أن يخدعنا . أيضاً إن كنت تُخضع الله لمفاهيمك البشرية فإنك تحاول المستحيل لأنك محدود والله غير محدود .
إن القديس أوغسطينوس كان يسير على شاطئ البحر يوماً وهو مشغول بهذه الفكرة " كيف أن الله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد " . عندما رأى طفلاً يحفر في الرمل حفرة ثم يملأها من البحربواسطة دلو صغير والحفرة لا يمتلئ , فسأل الطفل : " ماذا تريد أن تفعل ؟؟ " فقال : " أريد أن أنقل البحر الكبير ليكون لي أنا في حفرتي " . فقال القديس أوغسطينوس لنفسه : " هذا عين ما أفعله الآن . إني أحاول أن أضع الله غير الحدود في حفرة عقلي المحدود " .
على أن الله دائماً يعلن لنا عن ذاته بطرق وأساليب مختلفة في التاريخ , والضمير , والطبيعة , والكتاب المقدس . ولولا ذلك ما استطاع العقل أن يدرك الكثير . فالله هو الذي بدأ بالإعلان عن نفسه ليحرك فينا العقل والإيمان . وهما ليسا ضدين لكنهما يسيران في اتجاه متواز , لكن العقل دائماً قاصر لا يرى المنظورات المحسوسات ولكن الإيمان " يرى ما لا يُرى " ( عبرانين 11 : 13 ) .
قال المرنم في مزمور 19 " السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه " . وقال القديس بولس الرسول : " لأنه أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصبوغات قدرته السرمدية ولاهوته , حتى أنهم بلا عذر " ( رومية 1 : 20 ) . أموره غير المنظورة تُرى ! ؟ نعم الله لا يراه أحد ويعيش , ولا تدركه الأبصار . لكن هذه الأمور غير المنظورة يمكن أن نراها من خلال المصنوعات أو الخليقة , التي نرى فيها خليقة الله ونعرف من هو شخصه العزيز المبارك .
قال أحدهم : قابلتني أخت جزائرية وسألتني : " كيف تصفون الله وكأنكم رأيتموه .. هذا كُفر !! .. فالله العزيز الحكيم والكبير لا تدركه الأبصار , وهو عال عن كل ما تقولون علواً كبيراً " فأجبتها : "الفستان الذي ترتدينه جميل , لابد أن صانعه فنان " فتقبلت كلماتي وعلى وجهها خجل . وقالت : " هل زرت الجزائر ؟ " فقلت : " لا " . قالت : " وكيف عرفت ؟ لأنه فعلاً أشهر ترزى عندنا " . فقلت : " من الفستان عرفت صانعه وحكمت عليه أنه فنان كذلك حينما أرى السموات مرفوعة بغير عمد أقول : " سبحانك ربي في قدرتك , فأنت إله كلي الحكمة , وحين أرى الشمس تشرق و تغرب في موعدها منذ آلاف السنين ولم يتغير لحظة , يمكن أن أقول عن الإله أنه " مهندس عظيم " . فقالت : " نعم معك كل الحق " .
فهل يمكن أن نرى في خليقة الله من حولنا فكرةالتعدد في الوحدانية ؟؟؟
1 - مجالات الحياة على كوكبنا ثلاثة : الأرض , والجو , والبحر .
2 - جوهر الأشياء ثلاثة : جماد , ونبات . وحيوان .
3 - قواعد اللغة العربية ثلاثة : ضمير المتكلم , وضمير المخاطب , وضمير الغائب .
4 - الزمن ثلاثة : ماضي , وحاضر , ومستقبل .
5 - الإنسان ثلاثة : نفس , وروح , وجسد .
6 - المادة ثلاثة : صلب , وسائل , وغاز .
7 - الذرة ثلاثة : نيوترون , وبروتون , وإلكترون .
8 - الألوان الرئيسية ثلاثة : أحمر , وأصفر , وأزرق .
9 - العائلة ثلاثة : الأب , والأم , والأبناء .
10 - في المقارنات ثلاثة : فوق , وتحت , وعلى ذات المستوى .
11 - الماء عصب الحياة ثلاثة : 2 هيدروجين + 1 أوكسجين .
فالطبيعة من حولنا تصرخ في أساسيتها بالثلاثيات . والأقوال المأثورة تقول : " الحبل المثلوث لا ينقطع " كل شيء بالثالوث يكمل , المرة الثالثة ثابتة , أيام العزاء ثلاثة " , وطبعاً ليس الغرض من هذه الإقتباسات المذكورة هو الإستدلال على أقانيم اللاهوت لابد أن يكونوا ثلاثة.. كلا لأن الله أسمى من يقال بالنسبة إلى شيء من الأشياء بل الغرض هو الإستدال بها على أنه لو أعلن لنا الوحي أن الأقانيم ثلاثة لما جاز لعقولنا أن تعترض على الإطلاق , لأن هذه الحقيقة متفقة مع الواقع المعروف لدينا .
خلاصة عقيدتنا في الله من خلال الثالوث الأقدس :
الله ( اللاهوت ) لاشريك له ولا تركيب فيه لكنه يتميز عن كل الموجودات بأنه مع وحدانيته وعدم وجود تركيب فيه , ليس أقنوماً بل ثلاثة أقانيم .
ليس الأقانيم ثلاثة ذوات في الله , لأن الله ( اللاهوت ) ذات واحدة , وليس ثلاثة مظاهر له لأنه ليست له مظاهر, وليس ثلاثة أجزاء فيه , لأنه لا تركيب فيه بل هم عين ذاته .
وإن كان كل أقنوم غير الآخر , لكن نظراً لأنهم عين اللاهوت ( أو الله معيناً ) فإنهم واحد في كل الصفات والخصائص , ولا انفصال لأحدهم عن الآخر على الإطلاق . فمنذ الأزل الذي لا بدء له إلى الأبد الذي لا نهاية له , الله هو ( الآب والإبن والروح القدس ) وهم الله الواحد .
إن معاني أسماء الأقانيم ليست المعاني الحرفية أو المجازية المستعملة لدى البشر . بل المعاني الروحية الإلهية التي تتوافق مع وحدانية الله وتفرده باللاهوت والأزلية , وعدم التعرض للتغير أو التطور . والغرض الوحيد منها هو الإعلان عن أن الله مستغنن بذاته عن كل شيء سواها فنسبة ( الآب ) في اللاهوت تدل على المحبة الباطنية فيه . ونسبة ( الإبن ) في اللاهوت تدل على المحبة الظاهرة فيه , ونسبة ( الروح القدس ) تدل على المحبة المتبادلة العاملة فيه . منذ الأزل الذي لا بدء له .
لذلك فوحدانية الله هي الوحدانية الجامعة المانعة , التي وحدها تليق بجلاله , لأن بها تكون له ذاتية خاصة , ويكون متصفاً بكل الصفات الإيجابية اللائقة بكماله , وتكون هذه الصفات ليس بالقوة بل بالفعل , منذ الأزل هي عاملة , لذلك فلم يعتره تغيير أو تطور . ولا جد عليه جديد نتيجة خلق العالم .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات