كيف نفهم حادثة سدوم وعمورة؟
المفهوم الشائع عن الله بين الناس، حتى المسيحيين منهم، أن الله يقتل أعداءه!
إنه تصوّر فطري (لا بمعنى الفطرة النقية التى فطرنا الله عليه، أي صورته فينا، بل بمعنى ما نشعر به تلقائياً فى وضعنا الساقط، وهو وضع تحتجب فيه أصالتنا وراء " قناع الأهواء")، يلصق بالله نزعتنا إلى التخلّص ممن يعترض سبيلنا (فنصور الله على شاكلة بؤسنا عوض أن نتصور نحن على شاكلة مجده).
إن عفوية أهوائي تجعلني انظر إلى الآخر من خلال مشاريعي: فإن اعترضه، جازت بنظري إزالته.
فإذا بي ألصق بالله الموقف نفسه، فأجعل منه إلها يتلاءم مع ما ألفته فى نفسى، واتجاهل كونته ((الآخر بالكلية))، ذاك الذى يدعوني إلى تخطي ما ألفته وارتحت إليه من انحراف وتشويه فى ذاتي ((أخرج من أرضك)) لأجد به ذاتي الحقيقية، تلك التي يتصوّر هو فيها.
الله يكشف لي ذاته باستمرار، ولكننى أتلقى هذا الكشف من خلال ما أنا عليه من مواقف وأوضاع تلوّن، وقد تشوه، الكشف الذى أتلقاه منه. الشمس واحدة، ولكنني أراها حمراء وخضراء وزرقاء حسب لون النظارات التى أضعها على عينيّ. وحدها النظارة الصافية تكشف لى كل حقيقتها. هكذا بقدر ما تشفّ نظرتي إلى الله، بهذا المقدار عينه يستقيم كشفه عن ذاته.
من هنا ان الله في العهد القديم كثيراً ما يبدو إلهاً بطاشاً ينتقم لنفسه يقتل أعدائه: إبادة الناس جملة بالطوفان، تدمير سدوم وعامورة، قتل أبناء المصريين، إماتة الذين خالفوا موسى، إرسال الحيات على شعب إسرائيل فى البرية لمعاقبته على تذمّره ضد الله وموسى... هذا كله، غالباً ما يبرَّر على أنه ((تأديب)) من الله. ولكن هذه ((العقلنة)) للتصرّف المدمّر المنسوب إلى الله لا تغيّر شيئاً فى جوهره ولا تجعله أكثر لياقة بالله. ذلك أنه، إذا صحّ هذا التبرير، يكون الله قد إتخذ من إنسان ما، ومجموعة من البشر، مجرد أداة لتنفيذ مشروع تأديبي، أي أنه يكون، فى تلك الحالة، غير مقيم وزناً لقيمة هذا الإنسان و هذا الجمع بحدّ ذاته. من جهة أخرى يكون، والحالة هذه، قد ضرب عرض الحائط بحريّة الناس، إذ يكون قد أرغمهم بعنفه على الخضوع له، ناهيك عن أن مثل هذا الخضوع لا بدّ وأن يكون شكلياً وظاهرياً لا يتغير من جرّائه أي شيء فى قلوبهم.
هذا التصوّر عن الله يعكس، كما رأينا، أنوية البشر العدوانية. ولكنه، بالمقابل، يرسخها أيضاً ويغذّيها، إذ يعطيها مبرّراً مستمدّاً مما يُعتقد أنه أخلاق الله نفسه. إنه يمنحنا ذريعة لنتحكّم بمصير الآخرين ونبطش بهم لتأكيد سلطاننا، مقنعين أنفسنا بأننا، إذا فعلنا ذلك، فإنما نحن نخدم الله وننفذ مشيئته ونعليه على ((أعدائه)). من هنا نرى البشر، ولو كانوا أعظمهم وأقدسهم، يسيرون على منوال الصورة التى يرسمونها عن إلههم (بهذا المعنى يصحّ القول: "قل لي من هو إلهك، أقول لك من أنت" ): فموسى العظيم يأمر سبط لاوي بأن يقتلوا جملة من الإسرائيليين الذين عبدوا ((العجل)) الذهبي*، ويشوع بن نون يبيد مدناً كنعانية إبادة كاملة معتقداً أن هذه هي مشيئة الله. وإيليّا، أعظم أنبياء العهد القديم، يذبح بيده 450 كاهناً من كهنة البعل... وقد امتدّ ذلك إلى ((العهد الجديد)) بفعل استمرار ((عتاقة)) الأهواء متحكّمة فى كثيرين من ((أبناء النور))، على الأقل فى مجالات واسعة من وجودهم، فأدى إلى الحروب الصليبية (وإغراق القدس بالدماء عند فتحها) ومحاكم التفتيش وإحراق الهراطقة غرباً وشرقاً...
* هذا مع العلم بأن موسى نفسه، عندما تراءى له أن الله سوف يبيد الشعب كله عقاباً له على عبادته لهذا الوثن، رفض هذا الاحتمال بكل جوارحه واستند فى ضراعته إلى الله إلى ما سبق لله أن عبر عنه من رحمة لهذا الشعب، وكأنه يحتكم ضد صورة الإله المنتقم إلى ما اختبره من حقيقة الله فكان هذا الصراع الذي عاشه فرصة له لتنقية إيمانه بالله من شوائب العتاقة البشرية ولكن هذه التنقية لم تصل عنده إلى آخر المطاف (راجع خروج 32: 7 - 14).
من كتاب الله والشر والمصير، كوستي بندلي.
صلواتكم

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس



المفضلات