بيان المجمع المقدّس
حول "الأساقفة المساعدون"
في الدّورة العاديّة السّادسة والأربعين للمجمع الإنطاكي المقدّس، المنعقدة بين 17 و 20 آب 2010، يبدو أنّ آباء المجمع تعبوا في معالجة مسائل عديدة حسّاسة تشغل الكنيسة، في الوقت الحاضر، كمسؤوليّة التّعليم الدّينيّ والأساقفة المساعدين، ونجحوا في إضفاء جوّ من السّلام والرّضى والتّأنّي على أبحاثهم. هذا أقلّه كان الانطباع الّذي تكوّن لدى أكثر أعضاء المجمع ممَّن سمعنا تعليقاتهم أو تناهت إلينا انطباعاتهم. نشكر الله ونرجو الفَلاح لأنّ الأمور بحاجة إلى المزيد من التّوضيح والتّحديد والتّكامل حسمًا للجدل!
على أنّنا في قراءتنا البيان المجمعيّ شعرنا بأنّ ثمّة غموضًا يعتور النّصّ، خاصّة في شأن الأساقفة المساعدين. الشّعور الّذي يتكوّن لدى القارئ إثر قراءته أنّ أصحاب البيان ربّما اصطدموا بعقبات كانت موضع جدل، فبحثوا عن صيغة توفّق بين الآراء المتباينة، وانتهوا إلى كلام غير واضح وقابل لغير تفسير يطرح تساؤلات، في المسألة المتداولة، أكثر ممّا يقدّم إجابات!
أكتفي، في هذه المقالة، بتناول الفقرة الخاصّة بـ "الأساقفة المساعدين" لأُبدي بعض الملاحظات بشأنها بقصد فهم النّصّ بشكل أفضل، أو التماس التّوضيح!
تذكر هذه الفقرة دراسة أعدّها سيادة المطران باسيليوس (منصور) عن وضع الأسقف، تاريخيًّا، في الكنيسة الأرثوذكسيّة. وتعطي الانطباع أنّه، في ضوئها، جرت "مداولات طويلة ومتأنّية"، في الموضوع، أفضت إلى اعتبار أساقفة أبرشيّة أميركا الشّماليّة – وهذا كان، فيما يبدو، سبب الطّرح أصلاً – "أساقفة مساعدين مقامين على أسقفيّات ومكلّفين من متروبوليت الأبرشيّة على أسقفيّات وتابعين لمرجعهم الرّوحيّ متروبوليت الأبرشيّة الّذي له الولاية العامّة على كامل الأبرشيّة".
الكلام على كون الأساقفة المساعدين "مقامين على أسقفيّات" و "مكلّفين من متروبوليت الأبرشيّة على أسقفيّات" و "تابعين لمرجعهم الرّوحيّ متروبوليت الأبرشيّة" تتراكم فيه عناصر لا تبدو متجانسة. وَصْفُ "الأساقفة المساعدين" بأنّهم مقامون ومكلّفون وتابعون يوحي بمعان لا تتداخل، بيسر، فيما بينها. فالقول إنّهم "مقامون على أسقفيّات" يوحي بأنّهم لمّا أُقيموا أُقيموا من الله ورُبِطوا بأرض وشعب هذه الأسقفيّات، وقد تسمّوا بها وعليها. وجَعْلُ الإقامة في صيغة المجهول، "مقامون"، يوحي بأنّ آلية إقامتهم كانت أنّ متروبوليت الأبرشيّة هو الّذي اقترح إقامتهم، على هذه الأسقفيّة أو تلك، ووافق المجمع المقدّس على اقتراحه. وهذا ما جرى، فعلاً، كما أشار المتروبوليت باسيليوس في دراسته. فما دام الأمر كذلك، فإنّه يُفترَض أن تكون إقامة الأساقفة، في المستقبل، على أسقفيّات محدّدة، بعامّة، أو نقلُهم منها، رهنًا باقتراح متروبوليت الأبرشيّة وموافقة المجمع المقدّس عليه. أمّا إذا صار الأمر منوطًا بصاحب الأبرشيّة، وحده، كما توحي القولة الرّاهنة، في البيان الأخير، بأنّهم مكلَّفون من متروبوليت الأبرشيّة على أسقفيّات، وليست ثمّة حاجة، أو لم تعد ثمّة حاجة إلى موافقة المجمع على تكليف المتروبوليت أو سحبه، فإنّ القولة الأولى أنّ الأساقفة "مقامون على أسقفيّات" لا تعود مفيدة في شيء، وتمسي القولة الثّانية كافية ومعبِّرة. الأمر بحاجة، في كلّ حال، إلى توضيح وكذا علاقة الأساقفة المساعدين، في أميركا الشّماليّة، بالمجمع الإنطاكي المقدّس! أن تبدي قولتين لكلّ منهما مضامينها والتباساتها أمر مبلبِل ويجعل النّصّ مثارًا للجدل!
من جهة أخرى، استعمال لفظة "مقامون" ولفظة "مكلَّفون"، الواحدة تلو الأخرى، يطرح تصوّرَين للأمور يذهب كلّ منهما في اتجاه مخالف للآخر وليسا متكاملين. فإذا قلت إنّهم "مقامون" فإنّك تعطي الانطباع أنّ علاقة الأساقفة بالمتروبوليت هي علاقة في إطار مجمع محلّيّ يُفترَض أن تحكمه قوانين محدّدة وصريحة أساسيّة وداخليّة، تنظِّم علاقة المتروبوليت بالأساقفة في رعاية شعب الله، وكذا علاقة المجمع المحليّ بالمجمع الإنطاكي المقدّس. إذا كان هذا في الأذهان، أصلاً، فإنّ وصف "الأساقفة"، بـ "المساعدين" يجعل هناك تساويًا بين تسميتهم بـ "المساعدين" وتسميتهم باسم الأرض والشّعب الّذي أقيموا عليه. إذًا لا تعود ثمّة حاجة لوصفهم بـ "المساعدين" بل يسمّون أسقف كندا، أسقف لوس أنجلوس وتوابعها، أسقف ويتشتا وتوابعها، الخ... أمّا إذا قلت إنّهم مكلَّفون من متروبوليت الأبرشيّة، فإنّك، إذ ذاك، تربطهم بشخص المتروبوليت. في هذه الحال تنتفي العلاقة الدّائمة لهؤلاء الأساقفة بأرض محدّدة وشعب محدّد، ولا تعود ثمّة حاجة، أو حتّى مبرِّر، لوجود مجمع محلّيّ، بالمعنى الصّارم للكلمة. تكون هناك، فقط، هيئة استشاريّة للأساقفة تساعد المتروبوليت في إدارة شؤون الأبرشيّة، يكلّفها بما يرتئي ويحرّكها في الاتجاه الّذي يشاء. الأساقفة المساعدون، والحال هذه، يكونون "مساعدين" من جهة دورهم، ولكنْ أساقفة فخريّون، حتمًا، من جهة أسقفيّتهم، إذ حيث لا أرض ولا شعب، لا يمكنك أن تقيم أساقفة، وفق الممارسة الكنسيّة، إلاّ على أسقفيّات مندثرة! والأساقفة المقامون على أسقفيّات مندثرة هم، حتمًا، أساقفة فخريّون، ولو لم تَسمْهم بهذه الصّفة، ولو أدّوا دور المساعدين لصاحب الأبرشيّة. تسمية "الأسقف المساعد" ملتبسة وغير سليمة، في كلّ حال، من جهة الإكليزيولوجيا الأرثوذكسيّة، لأنّه ليس عندنا، في الكنيسة، أساقفة إداريّون أو وظائفيّون. إذا لم تسمّهم على أسقفيّات مندثرة فعليك أن تفعل لتبقى منسجمًا مع لاهوت كنيستك! أمّا ابتداع رتبة "أساقفة مساعدين" في خِدَم مختلفة، دونما علاقة، ولو إسميّة، بأسقفيّة مندثرة، فرهن بقرار من مجمع مسكونيّ لا من مجامع محلّيّة لأنّ هناك بُعدًا لاهوتيًّا جامعًا للموضوع لا يجوز لمجمع محلّيّ أن يتغاضى عنه! إنّه لا شكّ لأمر غريب جدًّا أن تسعى في الأرض الجديدة، في الأميركا الشّماليّة، حيث يوجد أرض وشعب، لإقامة أساقفة هم، من جهة أسقفيّتهم، أساقفة على أسقفيّات مندثرة، مستعارة أسماؤها من بطريركيّة إنطاكية التّاريخيّة، ومن جهة خدمتهم، أساقفة مساعدون للمتروبوليت، في هذا الشّأن أو ذاك! هذه، لا شكّ، انتكاسة كبيرة! الأسقفيّة الفخريّة الّتي سعى المجمع المقدّس إلى التّخلّي عنها منذ ثلاثين سنة، كعنوان للتّخلّف، تكون قد خرجت من باب الكنيسة الأمّ، إلاّ البطريركيّة، لتعود فتدخل، عمليًّا، من شباك المهاجر في أبرشيّة أميركا الشّماليّة!
أيضًا، إذا كان التّركيز على كون الأساقفة تابعين لمرجعهم الرّوحيّ، متروبوليت الأبرشيّة "الّذي له الولاية العامّة على كامل الأبرشيّة" فإنّ المجمع المقدّس يكون قد أتى على نفسه بسابقة مقلقة جدًّا ومثيرة للصّعوبات بالنّسبة لبقية الأبرشيّات، الآن وفي المستقبل. الأساقفة الفخريّون، في ممارسة بطريركيّة إنطاكية وسائر المشرق، على مدى عقود من الزّمن، كانوا تابعين للبطريرك، وكان غبطة البطريرك هو الّذي يكلّفهم بمساعدة هذا المتروبوليت أو ذاك، بناء لطلبه، أو سدًّا لفراغ لا يقدر هو أن يملأه. أمّا الآن، فأنت بإزاء وضع يجعل الأساقفة تابعين للمتروبوليت مباشرة! لماذا هذا الاستثناء لأبرشيّة أميركا الشّماليّة؟ لعلّك تقول إنّ في أميركا الشّماليّة، حاليًّا، استقلالاً داخليًّا! ولكن ألم يرتبط الاستقلال الدّاخليّ، هناك، بخلق أسقفيّات على الأرض ومجمع محلّيّ وقانون مكانيّ؟ فإذا أَسقطتَ، فعليًّا، المجمع المحلّيّ واستعضت عن الأساقفة، على أرض وشعب، بأساقفة فخريّين، على أسقفيّات مندثرة، فماذا يبقى من الاستقلال الدّاخليّ؟ كلّ متروبوليت في أبرشيّته عنده، في كلّ حال، استقلال داخليّ تَعْقِلُه القوانين الكنسيّة وارتباطُه بالمجمع الإنطاكيّ المقدَّس. ما الّذي يميِّز متروبوليت أميركا الشّماليّة، والحال هذه، عن سواه من أصحاب الأبرشيّات؟ هو لا يزال ضمن المجمع المقدّس وخاضعًا للقوانين الكنسيّة فيه! إذًا ما قيل عنه إنّه استقلال داخليّ لأبرشيّة أميركا الشّماليّة يمسي، عمليًّا، ساقطًا، ولو أُبقي عليه نظريًّا! والأساقفة المساعدون، الآن وفي المستقبل، يصبحون تابعين للمتروبوليت، دون البطريرك، في كلّ مكان!
أيضًا وأيضًا يرد السّؤال: إذا حقّ لمتروبوليت أميركا الشّماليّة أن يكون له أساقفة فخريّون مساعدون كذا عددهم لأنّ أبرشيّته مترامية الأطراف، فلماذا لا يحقّ لصاحب أبرشيّة أوستراليا ونيوزيلندا، مثلاً، أن يكون له الامتياز عينه؟ هو، أيضًا، أبرشيّته واسعة ومترامية الأطراف! أبرشيّة جبل لبنان، عندنا، بحاجة، عمليًّا، لأسقف مساعد أو أكثر، أيضًا! وكذا صاحب عكّار! ثمّ صاحب بغداد والخليج بحاجة لمساعد، ولو لسبب آخر! والأساقفة، إذا اعتُبروا مساعدين، فالمفترض أن يساعدوا أصحاب الأبرشيّات إذا وُجدوا غير قادرين على القيام بأعباء مهامهم بلياقة وترتيب، لسبب أو لآخر، وهذا ليس قصرًا على أميركا الشّماليّة! هذا يعيد فتح الملف من جديد، ملف أصحاب الأبرشيّات والأساقفة الفخريّين المساعدين! المسألة، إذا كان لنا أن نفهم ما ورد على هذا النّحو، تتعقّد، ولسنا نرى لها، في القريب، حلاًّ جذريًّا! ثمّة ضبابيّة كثيفة متزايدة تكتنف الموضوع وتفسح في المجال، واسعًا، للجدل! النّصّ ملتبس وكلٌّ قادر على تفسيره على هواه، في هذا الاتجاه أو ذاك!
ختامًا أُورد ما عبَّر به المتروبوليت باسيليوس (منصور)، في دراسته، عن تأزّم موضوع الأساقفة المساعدين أو الفخريّين، أو الّذين على الأرض، سمِّهم ما شئت. قال: "منذ ثلاثين سنة يؤكّد آباء المجمع الإنطاكيّ المقدّس عدم قبول أحد لرتبة أسقف فخري، ورأوا أنّه من الواجب والأليق إيجاد منطقة جغرافيّة ليرأسها الأسقف حتّى لو وُكِّل في مهمّات أخرى ليكون ذلك مطابقًا لمفهوم الأسقف في الإكليسيولوجيا الأرثوذكسيّة. نرجو أن يستطيع آباء المجمع الإنطاكيّ المقدّس التّوصّل لإيجاد الحلّ الدّائم والشّافي والكافي لموضوع الأساقفة حتّى لا يبقى أمثال هؤلاء النّاس مجالاً للصراعات الفكريّة والتقلّبات المادّيّة والمزاجيّة لهذا أو ذاك من أصحاب السّلطات الكنسيّة، وأن يُوضَع لهم القانون الواضح الكامل أسوةً بأصحاب الأبرشيّات ويحدّد علاقتهم برعاياهم وأموالهم وشيخوختهم وعلاقاتهم بأصحاب أبرشيّاتهم".
نرجو!
بكلّ محبّة واحترام
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات