للأمانة العلمية
هذه المقالات منقولة من كتاب " التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة "
اعداد : احد رهبان برية القديس مقاريوس - مصر
(( [align=center]المعنى العام لكلمة قانون [/align]:
كلمة قانون أو Canon مشتقة من الكلمة اليونانية Kanon و تعنى الأداة التي يستخدمها المهندسون و الإنشائيون لعمل خطوط مستقيمة ، و هي المسطرة ، و تعني " القاعدة " و سرعان ما استخدمت على وجه الحصر في المجال الكنسي . فالقوانين الكنسية هي مجموعة من القواعد و الأسس للسلوك أو الاعتقاد تضعها الكنيسة . كما يستخدم آباء الكنيسة الأوائل كلمة " قانون " كمرادف لقاعدة الأيمان ، أو لبعض الأمور الملزمة على المسيحيين .
[align=center]المعنى الكنسي [/align]:
و يقرر العالم " Bikell " أن على مدى القرون الثلاثة الأولى ، نادرا ما كانت كلمة " قانون " kanon تستعمل لقرارات الكنيسة ، بل كانت تستخدم للأشارة الى قانون الأيمان عموما و يدلل على رأيه بأن صيغة الجمع لكلمة " قانون " ، أي " قوانين " لم تستخد إلا نادرا بواسطة الكُتّاب المسيحيين الأوائل .
و مع حلول القرن الرابع بدأ استخدام كلمة " قانون " للقرارات التنظيمية للكنيسة ، نتيجة استخدامها بهذا المعنى في المجمع المسكوني الأول في نيقية ( عام 325 م ) .
أما كلمة " قرار " او " مرسوم " decretum . فبالرغم من انها كانت تعنى خلال نفس الفترة قرارا ملزما ، الا انها بدأت تتحدد أكثر فأكثر للمسائل العقائدية ، بينما استخدمت كلمة قانون التحديد لقوانين النظام في الكنيسة . و في مجمع نيقية اصبحت التعليمات المختصة بالنظام و التى اصدرها مجمع الأساقفة تأخذ اسم " قوانين " ، على انه بعد مجمع نيقية لم تعد التعليمات المختصة بالنظام تأخذ كلمة " قانون " بل " مرسوم " او " قرار " Decretum .
و القانون الكنسي هو مجموعة القوانين و التعليمات التي تبنَّتها السلطة الكنسية أو اصدرتها من اجل سياسة و تدبير الكنيسة المسيحية و اعضائها . و كلمة " القانون " المستقاه هنا تشير الى حقيقة ان هناك ثمة عناصر في القانون الكنسي استعارتها الكنيسة من القانون المدني .
و في القرن الرابع استخدمت الكلمة لوصف التعليمات التي اصدرتها المجامع الكنسية ، و هي بهذا تختلف عن كلمة " ناموس " nomos ، التي كانت تعني التعليمات الصادرة من السلطات المدنية ، لذلك فأن كلمة نومو - كانون Nomo-Canon تعني مجموعات التعليمات التي تشكلها القوانين المستقاه من كلا المصدرين ( المدنية و الكنسية ) حول الشئون الكنسية .
و " النومو - كانون " يعني ايضا " القانون الكنسي " بالرغم من الاختلاف الطفيف بين التعبيرين : فالنوموكانون يشير على الأخص الى القانون الذي يحوي التعليمات المستقاة من القانون الروماني ، بينما القانون الكنسي يشير الى كل القوانين التى اصدرتها السلطات الكنسية .
القانون الكنسي كعلم :لقد مر زمن طويل منذ صدرت القوانين الكنسية في مصادرها الرئيسية القديمة . فمنذ قرون طويلة كان المجهود منصبا على تجميع قوانين المجامع الكنسية ( مسكونية او مكانية ) و الرسائل لبعض الباباوات و الاساقفة المشهورين ، و في غضون القرن الحادي عشر تم نشر هذه القوانين مصنفة تصنيفا موضوعيا ، اي تجميع القوانين المختصة بموضوع واحد مثل كتاب " المجموع الصفوي لأبن العسال " .
ثم نأتي الى علم القانون الكنسي اي التعريف بالقانون الكنسي بطريقة منهجية منظمة ولا نعثر على مثل هذا المنهج العلمي في التعريف بالقانون الكنسي باللغة العربية ، لكن المجهود المتداول على مدى القرون كان عبارة عن تجميع القوانين اما بتصنيف تاريخي أو بتصنيف موضوعي .
على ان اول عقبة تقابل علم القانون الكنسي هو تحديد القوانين التي تعتبر انها المُلزمة .
و هذا ليس بالأمر الصعب حينما يكون امام عالم القانون الكنسي نصوص محددة و واضحة من القوانين . و عمل الرجل القانوني الكنسي هو صياغة القانون بأستخراجه من هذا الكم الهائل من النصوص ، او بتعميم القرارات او الاحكام الفردية الواردة في مجموعات القوانين القديمة .
و حينما تتحدد القوانين المعتبرة انها ملزمة فيجب ان تعلن و تشرح و هذا هو العمل الهام الثاني في علم القانون الكنسي و هو يتضمن اظهار :
1 . المعنى الحقيقي للقانون ،
2 . السبب في اصدار هذا القانون ،
3 . مجال امتداد تطبيق هذا القانون ،
و هذا العمل يتطلب تطبيق 3 مناهج تطبيقا محكما : الشرح ، التاريخ ، التطبيق العملي له ( فلسفة القانون ) ، او بتعبيرات محددة :
1 . المنهج الشرحي : لشرح القانون بحسب مصدره و تطور عادات تطبيقه ،
2 . المنهج التاريخي : لشرح اصوله و عناصره ،
3 . المنهج التطبيقي : لشرح كيفية تطبيقه في الحاضر .
هذا التطبيق العملي هو ما يسمى بفلسفة التشريع ، الذي يجمع ، و ينسق ، و ينتفع من القانون و من التطبيقات السابقة له ما يسمى بالسوابق التطبيقية للقانون .
و علم القانون الكنسي علم شرعي يختلف عن علم القانون الروماني و علم القانون المدني من حيث ان علم القانون الكنسي يعالج قوانين مجتمع آخر مختلف عن المجتمعات المدنية ، فمن حيث ان هذا المجتمع يتبع النظام الروحي و الى حد ما النظام الفائق للطبيعة ، يكون القانون الكنسي منتميا الى العلوم المقدسة .
و يأتي علم القانون الكنسي بعد علم اللاهوت الذي يدرس و يشرح ما هو متصل بالوحي ، و بالحقائق الواجب الأيمان بها ، فهو مؤيَّد بعلم اللاهوت ، لكنه بدوره يصيغ القواعد العملية التي يسعى اليها علم اللاهوت ، لذلك فعلم القانون الكنسي يسمى " اللاهوت العملي او التطبيقي Theologia practica " .
و علم القانون الكنسي من حيث انه متصل تماما باللاهوت الأدبي ( السلوكي الاخلاقي ) ، الا انه يختلف عنه - اي عن اللاهوت الادبي الذي لا يهتم مباشرة بالافعال التي يوصي بها القانون الكنسي او يحرمها بل بأستقامة الافعال البشرية على ضوء المصير النهائي للانسان ، بينما القانون الكنسي يحدد القوانين الخارجية المتصلة بالنظام الصحيح للمجتمع الكنسي اكثر من الاعمال التي يحركها ضمير الانسان الفرد . لذلك فالعلوم التشريعية و التاريخية و اللاهوتية هي نافعة جدا للدراسة الشاملة للقانون الكنسي .
[align=center]خصوصية القانون الكنسي [/align] :
إن القانون الكنسي ينفرد بأنه :
أولاً : خاص بالحياة الجديدة في المسيح و هي هبة التجسد الأولى للبشرية .
ثانياً : خاص بالإفراز ، بموجب التدبير المسيحي ، بين الخير الذي بحسب الأنجيل و الشر الذي بحسب منطق العالم .
ثالثاً : القانون الكنسي هو الضابط لإدارة و تدبير الكنيسة ليكونا بحسب الوحدة الروحية للكنيسة جسد المسيح و ليس بحسب الأهواء و الأنفعالات الشخصية للرؤساء و المدبرين .
انتهى هذا الجزء و يتبع بمقالة عن (( مصادر القانون الكنسي )) .
![]()
مصادر القانون الكنسي
هذه المصادر لها معنى مزدوج :
* إما المصادر التي اتت منها القوانين و التى تعطيها القوة الشرعية .
* و إما تشير الى المصادر التي توجد فيها هذه القوانين ، أي نصوص القوانين نفسها كما توجد في المراجع القانونية .
هذه المصادر تسمى أيضا المصادر الرسمية المادية للقانون الكنسي .
و المصدر الرئيسي المطلق للقانون الكنسي هو الله ، الذي تُستعلن مشيئته إما بالقانون الطبيعي الالهي ، او بالوحي الالهي ، و كلا الاثنين موجودان في الاسفار المقدسة و في التسليم ( الُمسمّى "التقليد" ) . و الوحي الالهي لا يمكن ان يتناقض مع القانون الطبيعي ، بل يثبته و يجعله اكثر تحديدا . و الكنيسة تقبل و تعترف بالأثنين كقوانين الزامية يمكنها ان تفسرها لا ان تغيرها . الا ان الكنيسة لا تكتشف القانون الطبيعي بالاستقراء الفلسفي ، بل هي تقبله مع القانون الالهي من الله من خلال الاسفار الموحى بها ، بالرغم من انها لا تخلط ما بين النوعين .
و تحفظ الكنيسة الناموس القديم بالاضافة الى الوصايا العشر كوصايا مرتبطة تماما بالناموس الطبيعي مثل بعض موانع الزواج ، اما بالنسبة للشرائع الاخرى التي اعطيت للشعب المختار القديم ، فالكنيسة تعتبرها شعائرية طقسية و تعلن انها اُلغيت بأمر الرب يسوع المسيح . او ان الرب يسوع مُعطي الناموس للمجتمع الروحي الجديد الذي اسسه استبدل هذه الشرائع القديمة الشعائرية الطقسية بالقوانين الاساسية التي اعطاها لكنيسته .
هذا الناموس المسيحي موجود في الاناجيل و رسائل الرسل و في التقليد الحي الذي ينقل الشرائع كما العقائد للأجيال المتعاقبة . و على هذا الناموس الالهي تستند البنود الاساسية لدستور الكنيسة ، سواء من جهة رتبة الاسقفية ، او العوامل الاساسية للعبادة الالهية و الاسرار الكنسية ، او عدم انحلال رابطة الزيجة ....... الخ .
و مرة اخرى نقول ان الكنيسة تبلغ غايتها النهائية و هي مزَّودة من مؤسسها بسلطان التشريع ، فتجعل القوانين متوافقة مع كلا الناموس الطبيعي ، و القانون الإلهي .
أولاً : المصادر الرئيسية للقانون :
و مصادر و مراجع هذا الناموس او القانون الكنسي هو اساسا :
1 . المجامع الأسقفية المقدسة :
المجامع الأسقفية المقدسة و لكن في حدود توافقها و عدم تعارضها مع الأنجيل و التقليد الرسولي . فهي المصادر الحية للقانون الكنسي . و تظهر هذه المجامع في هيئة المجامع المسكونية حيث يتحد الاساقفة المجتمعون من كل المسكونة مع رأس الكنيسة الأوحد الرب يسوع المسيح ، تاركين له سلطان الرئاسة عليهم ، و بألهام الروح القدس يحددون تعاليم الكنيسة و يجعلون القوانين التي يصدرونها مُلزمة للكنيسة كلها .
و المجامع المسكونية - و اخصها مجمع نيقية ( عام 325 ) يحتل مكانة استثنائية في القانون الكنسي .
2 . التقاليد و العادات المرعية :
كما ان التقاليد و العادات احتلت موضعا هاما كمصدر للتشريع ليس بمعنى ان العادات الشعبية اصبحت هي القانون ، بل بمعنى ان الممارسة الصحيحة للحياة المسيحية و الكنسية قبل صدور هذه القوانين كانت تحمل قوة القانون الى ان اتى الوقت لتقنين و اضفاء الشرعية على هذه العادة او تلك . كما حدث في القانون رقم 6 من مجمع نيقية ، حيث اعترف المجمع المسكوني بالعادات المرعية في كنيسة الاسكندرية أن يكون اسقف الأسكندرية هو المتقدم على اساقفة الكرازة المرقسية ، و جعلها قانونا مُلزما .
إلا انه مع تقدم حركة نشر القوانين و كتابتها تعاظم شأن القوانين المكتوبة و التي سجلت ما اجمعت عليه الكنائس من تقنين للعادات المرعية ، و من هنا تضاءل دور العادات و التقاليد كمصدر للقوانين كما كان في عصور الكنيسة الاولى بعد ان تثبتت هذه التقاليد و العادات في القوانين المكتوبة و انتشرت في كافة الكنائس و تم تطبيقها فيها .
على ان هذا لا يعني ان تكرار المخالفة للقانون الكنسي يعطي المخالفة قوة " العادة " التي يمكن تكرارها . و ذلك حسب المبدأ الكنسي القائل :
[ إن المخالفات لا يجب ان تُرتكب بذريعة أنها سبق و ارتكبت في الماضي ] ، كما قرر ذلك القديس كبريانوس (الرسالة 72 : 23 ) . فنص هذا المبدأ الكنسي يحكم على مخالفات القانون الكنسي أيا كانت و سواء كثرت او قلَّت ، كالآتي :
[ ليس معنى أن خطأ حدث في وقت ما ، أن يُسمح بأن يتكرر هذا الخطأ فيما بعد ]
فالمخالفات لا يجب ان تُرتكب تحت ادعاء انها سبق و ارتُكبت في الماضي ، و هذا المبدأ كان هو الذي يحكم ضمير الكنيسة الحي على مدى الأجيال . فإذا حدث ان المعنى الحقيقي للقرارات القديمة للكنيسة نُسي او تشوه ، او استبدلت التقاليد الصحيحة بتقاليد اخرى مخالفة ، فهذا لا يعنى البتة ان يتحول الخطأ المتكرر ليصير عادة فقانونا مهما كان المخالف كبيرا او صغيرا ، قديسا أو غير قديس .
و هذا هو الموقف المُلزم امام كل مخالفة في الكنيسة يحتج مؤيدوها بأنها سيق ان ارتُكبت في عصر سابق او انها تُرتكب في الكنائس الاخرى . علما بأن " عامل الزمن " لا يستطيع ان يحول الخطأ فيكون صحيحا ولا المخالفة فتصير هي الوصية و القانون ، بسبب تكرار الخطأ و المخالفة ، و إلاَّ لكانت الخطايا قد تحولت بسبب تكرار ارتكابها من البشر ملايين المرت في كل الازمان الى أعمال بر أو على الاقل لم تعد خطأ منهياً عنه او لا يقع تحت دينونة الله !
3 . القوانين المدنية ( السائدة في المجتمع ) :
و يمكن ايضا ادراج القوانين المدنية السائدة في المجتمع و على الاخص القانون الروماني من بين المصادر الثانوية للقانون الكنسي . و لكن لا بد من شرح بدقة دور هذه القوانين و اهميتها .
فأولاً لا يمكن ان يُعتبر القانون المدني العلماني مصدرا - بمعنى الكلمة - من مصادر القانون الكنسي فالدولة لا اختصاص لها في الشئون الروحية , و لكن يمكن ان يكون لها دور بقبول السلطات الكنسية لبعض التشريعات الخاصة ( مثل تشريع الاحوال الشخصية .... الخ ) . فنحن نجيز في المقام الاول التشريعات التي تصدر بالاتفاق المتبادل بين الطرفين . و هكذا صارت القوانين و التشريعات المدنية أحد المصادر الثانوية للقانون الكنسي .
و لابد ان نتذكر ان الكنيسة قبلت هذه التشريعات المدنية و كانت تمارس الكثير من المعاملات لأدارتها بطريقة قانونية من نفس الطبيعة التي للممارسات المدنية ، فكان طبيعيا ان تطوِّع نفسها في كثير من الممارسات اليومية للتيار القانوني السائد . و قد كانت الكنيسة في القرون الأربعة و الخمسة الاولى تستعين و ترجع الى القانون الروماني لتزوِّد تشريعاتها بما ينقصها منه ، فكانت تتصرف تبعا للقانون الروماني حيث يصمت القانون الكنسي . و يتبنى القانون الكنسي من القانون الروماني ما يختص بالالتزامات و العقود و الأفعال القانونية ، و الى حد ما من الاجراءات المدنية في التقاضي . لذلك يجب ان تدخل الكنيسة الآن في نظام قضائها الكنسي اجراءات التقاضي و درجات المحاكم و الفصل بين سلطات و اشخاص : الادعاء ، و التحقيق ، و التقاضي ، كما ورد في التشريعات المدنية المعاصرة حتى يمكن ان تتحقق العدالة داخل المجتمع الكنسي بما لا يقل ولا يتعارض طبعا مع معايير و مستويات العدالة في المجتمع المدني الذي تعيش فيه الكنيسة . (رأي المؤلف) .
* و ما يجب ان يعرفه القارىء ان مباديء القانون الكنسي اعتمدت على القانون الروماني الذي كان يجعل الوالي الروماني في كل اقليم ( الذي في الوقت نفسه قائد الحامية الرومانية للاقليم ) هو القاضي الاعلى للأقليم . و في التشريع الكنسي اصبح هو أسقف الإيبارشية الذي يقضي لشعبه و يصالح المتخاصمين فيما بينهم .
انتهى هذا الجزء و يتبع بمقالة صغيرة عن " نظام القضاء الروماني الذي اعتمدت عليه الكنيسة في تشريعاتها الكنسية "

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)

رد مع اقتباس


.gif)
.gif)


المفضلات