1- ان اقدم كتاب مسيحي حفظه لنا التاريخ, بعد اسفار العهد الجديد , هو كتاب "تعليم الرسل" الذي يرتقي الى نحو سنة 90 بعد المسيح. ففي هذا الكتاب نجد وصفا لاجتماع المؤمنين يوم الأحد( الفصلان 15,14) ونموذجا من " صلوات الشكر" اي القربان (الفصل 10).
2- وفي نحو سنة 95 او 98 , كتب القديس اكليمنضوس اسقف رومة الى أهل كورنثس يبكيهم على رفض الطاعة لرؤسائهم الكنسيين, ويذكرهم بهذه المناسبة بأن الطقوس البعية يجب ان تتم بموجب ترتيب معين يعتبره الجميع كأنه وارد الينا من السيد المسيح نفسه.وقد تضمنت رسالته, في الفصول 59- 61," صلاة شكر" مسهبة. نجد فيها النواة الأولى لموضوعين سوف تتناولهما الطقوس الارثوذكسية وهما : شكر لله على خلقه ونعمه المختلفة وعلى ما دبرته لنا عنايته الابوية من الخلاص بيسوع المسيح, ثم تضرع الى الله لاجل غفران خطايا البشر وحاجاتهم المتنوعة.
3-في منتصف القرن الثاني عاش القديس يوستينوس الفيلسوف , وفي " الدفاع" الذي قدمه للاباطرة الرومانيين عن ال***** (الفصل67) وصف لنا احد اجتماعات المسيحيين يوم الأحد, ننقله حرفيا من أصله اليوناني, قال القديس الفيلسوف:"في يوم الشمس (اي يوم الأحد) يجتمع في محل واحد كل ال***** الذين يقطنون المدينة والذين يقطنون القرى . فيقراون مذكرات الرسل (اي كتب العهد الجديد) ومؤلفات الأنبياء (اي كتب العهد القديم). ثم يسكت القارئ , فيتكلم المتقدم كلام موعظة وتحريض للشعب على السير بموجب هذه التعاليم الرائعة( هذه هي العظة او الخطبة). ثم ننهض كلنا معا , ونرفع الى الله صلوات وادعية( هذه هي الطلبة الملحة التي تتلى بعد الانجيل والعظة). ثم نتوقف عن الصلاة, ويعانق بعضنا بعضا (قبلة السلام). اذ ذاك يحملون الى من يتقدم جماعة الاخوة بالمسيح خبزا وكأسا مملوءة خمرا وماء (دورة القرابين). فيأخذ الخبز والكأس , ويحمد ويمجد ابا الاكوان باسم ابنه وروحه القدوس , ويرفع له صلاة شكر طويلة, لانه تنازل تعالى ومنحنا هذه المواهب ( الانافورة اي التقدمة).واذ يفرغ من صلاة الشكر هذه , يهتف كل الشعب الحاضر : آمين, ثم ان الخدمة, الذين ندعوهم شماسة , يوزعون على الحضور خبز الافخارستيا والخمر الممزوج بالماء(هذه هي المناولة). وعن يدهم ترسل الى الغائبين حصتهم من خبز الافخارستيا وخمرها.. ثم ان الأثرياء منا يساعدون الفقراء "(جمع التبرعات)".
4- وهكذا نبلغ الى اواخر القرن الثاني, حيث نجد القديس ايريناوس اسقف مدينة ليون, المتوفي سنة 202 او 203 يشير بالتفصيل الى المراسيم الثلاثة التي تكون جوهر ذبيحة القداس , اعني بها تقدمة القرابين, وكلمة الله التي تحول الخبز الى جسد المسيح , والمناولة التي تمنح اجسادنا المائتة موهبة الخلود.
5- اما في القرن الثالث , فالارشادات الى الافخارستيا تزداد عددا ولكنها تقل وضوحا , لان " شريعة السر" كانت اذ ذاك قد دخلت في الكنيسة, وهي تقضي بالايباح بسر الافخارستيا لغير المؤمنين , على أننا نستنتج من هذه الاشارات الخاطفة ان اقامة القداس كانت تتم منذ ذلك الحين بكثير من الاختلافات الطقسية بين الكنائس.
6- في منتصف القرن الثالث نرى العلامة اوريجانس الاسكندري, المتوفي سنة 254 او 255 , يميز في القداس الالهي جزئين: الجزء المشترك بين المؤمنين والموعوظين , والجزء المحفوظ للمؤمنين . فالجزء الأول يتضمن قراءات من الكتاب المقدس والعظة والاناشيد والصلوات. اما الجزء الثاني فيتضمن بالتتابع قبلة السلام, والنشيد الثلاثي التقديس.وتقدمة القرابين, ويخبرنا العلامة المذكور عن طريقة المناولة ,فيقول لنا أن المؤمنين كانوا يتناولون الخبز المقدس في كفهم الايمن, وكان يسمح لهم احيانا ان يأخذوه معهم الى المنازل لكي يتناولوا منه على انفراد.
7- وقد انتهت الينا من أواخر القرن الرابع او مطلع الخامس مجموعة ثمينة عرفت بكتاب "الاحكام الرسولية", نجد فيها نصا كاملا للقداس الالهي كما كان يقام في انطاكية قبل تدوين هذه المجموعة بنحو قرن او اقل من قرن.
يجتمع المؤمنون في الكنيسة, الرجال من جهة والنساء من جهة أخرى , ورجال الاكليروس في الحنية التي وراء الهيكل, حول كرسي الاسقف. ويبدأ القداس, فيصعد احد القراء على المنصة التي في وسط الكنيسة, ويقرأ فصلين من العهد القديم. ثم يخلفه على المنصة قارئ آخر يرتل بعض المزامير, ويجيبه الشعب مرددا الكلمات الاخيرة من كل مقطع. ثم تتلى فصول من كتاب أعمال الرسل ومن الرسائل . ثم يقوم أحد الكهنة او الشماسة بقراءة فصل من الاناجيل المقدسة, والشعب كله واقف اجلالا.
اذ ذاك يخطب بعض الكهنة في الحضور, ويليهم الاسقف موجها كلمات موعظة وارشاد للشعب. ثم ينادي الشمامسةعلى كل فئة ممن لا يجوز لهم حضور تكريس الاسرار المقدسة, اي الموعوظين , والمصابين بالارواح الشريرة, والمستنيرين المتأهبين للعماد, والتائبين, فتتلى عليهم صلوات مختلفة, ثم يسجدون , فيباركهم الاسقف , ويخرجون من الكنيسة. اما البوابون والشماسات فيراقبون الابواب ويدخلون المؤمنين المتأخرين , ويتأكدون من أنه لم يبق في الكنيسة سوى المؤمنين, وان الجميع محافظون على الصمت, مصغون بخشوع الى ما سيحدث.
عندئذ يبدأ قداس المؤمنين فيسجد المؤمنون الى الارض نحو المشارق , ويجيبون على كل طلبة من طلبات الشماس مرددين " يا رب ارحم" . فيباركهم الاسقف ويتعانقون. ثم يأتي الشمامسة بالقرابين الى الهيكل. ويقف اثنان منهم على جانبي الهيكل يرفرفان بالمراوح على القرابين لكي يطردا الذباب وسائر الحشرات. اذ ذاك يغسل الاسقف يديه ويلبس حلة العيد , ويصطف الكهنة من حوله, فيما يتفرق باقي الشماسة وخدمة الهيكل بين صفوف الشعب لكي يراقبوا النظام والصمت ويحرسوا الابواب.
يبدأ الاسقف انافورة القداس, اي تقدمة القرابين, راسما اشارة الصليب وقائلا: " نعمة الاله القدير... فلنرفع قلوبنا الى فوق ... ولنشكر الرب..." . ويجيبه الشعب بالعبارات ذاتها التي يجيب بها اليوم . ثم يرفع الاسقف الى الله صلاة شكر طويلة, يقطعها الشعب بترتيل النشيد الثلاثي التقديس :"قدوس,قدوس,قدوس رب الصبؤوت...".ثم يتابع الاسقف صلاته, ذاكرا تجسد الكلمة, وتصرفه بين البشر, وآلامه , وما حدث في العشاء السري , وكلمات التقديس , ووصية الرب القائل :" اصنعوا هذا لذكري" فيستدعي الروح القدس على المواهب المقدمة لكي يقدسها . ثم يبتهل لاجل فئات مختلفة من الشعب , واخيرا يختم الانافورة باعلان يمجد فيه الثالوث الاقدس. فيجيب الشعب كله : آمين.
ثم يعود الشماس فيتلو طلبة قصيرة, ثم يبارك الاسقف من جديد ويقول" الاقداس للقديسين". فيجيب الشعب :" قدوس واحد, رب واحد, يسوع المسيح , لمجد الله الآب آمين". فيتناول رجال الاكليروس اولا , ثم الشعب, والاسقف اذ يتناول كلا من المؤمنين يقول:" جسد المسيح -دم المسيح, كأس الحياة". فيجيب المتناول كل مرة :"آمين". وفي أثناء المناولة ينشد المرتلون المزمور الثالث ةالثلاثين:" ابارك الرب في كل وقت, على الدوام تسبحته في فمي...".
ثم يحمل الشماس الى مائدة المذبح ما تبقى من القرابين المقدسة, ويدعو الشعب الى شكر الله. فيتلو الاسقف صلاة شكر الى الله باسم كل الشعب , فينحني الحاضرون لنيل بركته, والشماس يصرفهم قائلا: " انطلقوا بسلام"

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات