عندما ناقش أصحاب نظرية الوثائق سفر الخروج, لاحظوا أن المعيار الذي وضعوه للفصل بين التقاليد (اليهوي J والتقليد الإيلوهي E والتقليد الكهنوتي p) وهو معيار استعمال اسم الجلالة (الله أو الرب) لن يساعدهم في التمييز بين التقاليد, فأهملوا المعيار الأول (الله/الرب) إلى حد كبير, وقاموا بتقسيم النص وتجزئته إلى مصادره المزعومة (J/E/P) وفق معيار جديد, بغض النظر عن عدم ملائمة المعيار السابق للتقسيم الجديد!

مثال : الآيات (خروج 3: 1-8) وضعها النقّاد (1) ضمن التقليد اليهوي J مع العلم أنها تستعمل كلمة (الله = إلوهيم) سبع مرات!

وبالمقابل, الآيات (خروج 6: 2-25) وضعها النقّاد ضمن التقليد الكهنوتيP مع العلم أنها تستعمل كلمة (الرب= يهوه) أيضاً سبع مرات!

وأيضاً, الآيات (خروج 12: 24-39) تمّ وضعها ضمن التقليد الإيلوهي E مع العلم أنها تستخدم كلمة (الرب = يهوه) خمس مرات ولا تستعمل كلمة (الله= إلوهيم) ولا حتى مرة واحدة!


إذاً لقد غضّ النقاد الطرف عن معيارهم الأهم لفرز النصوص إلى مصادرها الأصلية المزعومة, فما هي المعايير الجديدة التي اعتمدوها في سفر الخروج؟

لقد كان المعيار هذه المرة أكثر غرابة من (الله/يهوه)!

فرز النقاد الآيات التي تتكلم عن "موسى" بمفرده على أنها تنتمي للتقليد J أو التقليد E أو كلاهما معاً أيJE .
والآيات التي تتكلّم عن "موسى وهارون" على أنها تنتمي للتقليد P

بمعنى آخر, وضع النقّاد رأياً مفاده أن الكاتب p حاول أن يبرز دور هارون ويضعه في المقدّمة, بعكس الكاتب E الذي أراد التقليل من دور هارون وإبراز دور موسى!

ولم يراعوا أن الإصحاح بكامله يسرد الأحداث بطريقة متسلسلة, ومنظمة, ويعطي لكلٍّ من موسى وهارون دوره الحقيقي!

يرِد هذا التفسير, والفرز بحسب المعيار (موسى/موسى وهارون) عند كلّ المؤلّفين الذين يفسّرون النصوص وفقاً لنظرية التقاليد (أو الوثائق), نذكر على سبيل المثال "ريتشارد فريدمان" (2) وهو من أهم أعمدة النظرية في العصر الحديث, ونجدها كذلك في مقدمة الكتاب المقدس Anchor Bible للبروفسور ويليام بروب (3) , وفي لغتنا العربية نجدها مثلاً في مقدمة الكتاب المقدس(الترجمة اليسوعية, دار المشرق)(4) وفي الكثير من المجلات والنشرات الاختصاصية الموجودة على الإنترنت أيضاً (5)

كيف شرح هؤلاء النقّاد هذا المعيار الغريب؟

الجواب بحسب أصحاب النظرية, القدامى منهم والمحدثين أمثال Friedman و Bratcher و Propp (كما نجده في المراجع المذكورة سابقاً) وكما يشرحه البروفسور Wayne Nary أستاذ الدراسات الكتابية في جامعة Arkansas هو كما يلي(6):

"لقد كان الكاتب E (أي الكاتب المجهول الهوية الذي يزعمون أنه كتبَ التقليد الإيلوهي) ينتمي إلى سبط لاوي, وكان حاقداً على عشيرة هارون, لأنهم حصروا خدمة الكهنوت في عشيرتهم, وحرموا بقية عشائر سبط لاوي من هذا الامتياز, وبالتالي حرموه شخصياً من الاستفادة المادية المترتبة عن خدمة الكهنوت!

لذلك عمدَ الكاتب E إلى التقليل من شأن هارون, فأغفل دوره في ملحمة الخروج وركّز على دور موسى, كما أنه شدّدَ على دور هارون السلبي في انحراف الشعب الإسرائيلي وعبادة العجل الذهبي, وأعطى دور البطولة لموسى ولسبط اللاويين, أي سبطه الخاص.

بينما الكاتب P (وهو اسم الكاتب المجهول الذين يزعمون أنه كتبَ التقليد الكهنوتي) كان من الكهنة, وبالتالي من نسل هارون, لذلك عمدَ إلى الإتيان بهارون إلى المقدّمة, ليسند لجدّه دور البطولة في أحداث التاريخ الإسرائيلي, وبالمقابل حاول التقليل من شأن موسى, لكي يسمح لبطله هارون أن يتصدّر مسرح الأحداث!(7)"

نعم. بهذه الطريقة, يشرح لنا هؤلاء النقّاد نظريتهم, وللأسف تأخذها بعض المصادر الكنسية منهم على عِللها, وتتبنّاها وتشرح الكتاب من خلالها.

كما نجد مثلاً في حواشي سفر الخروج في الطبعة اليسوعية للكتاب المقدس, إذ تتبع التقسيم الذي وضعه أصحاب النظرية آيةً أية, وكأنها نظريّة منزلة من لدن أبي الأنوار.

هل يصحّ بعد ذلك أن نصدّق القديس بطرس الرسول عندما يقول:

"لأنه لم تأتِ نبوّةٌ قط بمشيئة إنسان, بل تكلّمَ أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس"
(2 بطرس 1: 21)

أم يجب أن نعدّل الآية الأخيرة ونقول هكذا:

" لأنه لم تأتِ نبوّةٌ قط بمشيئة إنسان, بل تكلّم أناسٌ مجهولون مسوقين من عُقدِهم النفسيّة, وغِلّهم الطبقي, وأمراضهم الاجتماعية"

طبعاً لا يمكن لإنسان مؤمن أن يقبل هذه المعايير التي تعتمدها هذه النظرية.

ولكن لا يمكننا أيضاً أن نجابه هؤلاء النقاد بآرائنا الإيمانية, وقِيمنا الروحية, لأنهم لن يقبلوها, ولكننا سنضع أمامهم الحقائق العلمية التي ستربكهم, وتُعيدهم من عالم الخيال العلمي إلى عالم الحقيقة, أو على الأقل ستضطرّهم إلى التراجع عن تحليلاتهم السابقة, ريثما يبنون تحليلاتٍ أخرى أكثر غرابة.

الحقيقة العلميّة التي سنضعها أمامهم لتقوّض معيارهم الثاني (موسى/ موسى وهارون), تشبه الحقيقة التي وضعناها لتقويض المعيار الأول (يهوه/إيلوهيم).

الحقيقة أنهم بنوا كل نظريتهم ومعاييرهم على أساس النصّ المسوري, معتقدين أنّه النصّ الأصيل و الراسخ.

ولكن

لا تتطابق النصوص تماماً بين المسوري والسبعيني في سفر الخروج كما في غيره من الأسفار, ويختلف ترتيب الآيات كثيراً من إصحاح لآخر, بمعنى أنك ستجد الكثير من الآيات التي يدرجها النصّ المسوري في إصحاح معين , مدرجةً في إصحاح آخر بعيد عن الأول. مثال: معظم آيات الإصحاح 31 في النص المسوري, تجدها مدرجةً في الإصحاح 36 في النص السبعيني.

وستجد بالمقارنة أنّ بعض الآيات, يوجد جزء منها في إصحاح, والجزء الآخر في إصحاح آخر بعيد عن الأول.

وستجد آيات موجودة في النص السبعيني, وليس لها مقابل في النص المسوري كما في الآيتين (36: 8 ) و (39: 13) على سبيل المثال. إذ لن تجد لهما ما يقابلهما في النص المسوري إلا آيةً واحدة فقط تقترب منهما وهي الآية (39: 1).

أو كما في الآية (22 :5b) حيث نجدها في السبعينية, وأيضاً في المخطوط 4QpaleoExodm من مخطوطات البحر الميت (8), ولكنها تغيب تماماً من النص المسوري.

وسنرى أن الكثير من الآيات التي لا تذكر هارون في النص المسوري, تذكره وتشدد عليه وعلى بنيه في النص السبعيني.
كما في الآية (7: 20b) مثلاً.

وبالعكس, سنرى الكثير من الآيات التي تذكر هارون في النص المسوري, أنها تغفله في النص السبعيني, كما في الآية (29: 9a)
على سبيل المثال.

وستجد بعض الآيات التي تذكر موسى وحده في النص المسوري, أنها تذكر موسى وهارون معاً في النص السبعيني.

مثال: الآية (خروج 10: 24) بحسب النص المسوري:

"ودعا فرعون موسى وقال: اذهبوا اعبدوا الرب"


بينما تجدها بحسب النص السبعيني هكذا:

"ودعا فرعون موسى وهارون وقال: اذهبا اعبدا الرب"


ولسوء حظ أصحاب النظرية, جاءت مخطوطات البحر الميت لتدعم أصالة النص السبعيني في الكثير من هذه النقاط التي يختلف فيها عن النص المسوري, فإذا عدنا مثلاً إلى الآية السابقة (10: 24) فسنجدها في المخطوطة ذات الرمز 4QpaleoExodm من مخطوطات قمران(9), وهي تقول أيضاً "ودعا فرعون موسى وهرون" !

وهكذا نرى أن البنية التحتية والأسس والمعايير التي قامت عليها نظرية التقاليد, تظهر مقوّضة مرة أخرى عند العودة إلى النص السبعيني الأصيل, والمشهود له بالأصالة والتفوّق على النص المسوري, من قبل كتّاب العهد الجديد من الرسل والإنجيليين, وكذلك من آباء الكنيسة القديسين, وأخيراً وليس آخراً من قبل مكتشفات القرن العشرين.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة بمشيئة الله

صلواتكم




ثبت المراجع:

(1) Friedman, Richard E. Who Wrote The Bible?, Harper and Row, NY, USA, 1987
(2) نفس المرجع
(3) Introduction of Anchor Bible, by William H. C. Propp.vol:I
(4) الكتاب المقدس. دار المشرق بيروت1989, مدخل إلى التوراة ص 63
(5) Example: Denis Bratcher. Copy right 2010 CRI/ Voice institute.
(6) Wayne Narey-Arkansas state university. Department of English and philosophy
(7) ترد هذه الدراسة في منهاج الدراسات الكتابية (البيبلية) المعتمد في جامعة أركنساس, وهي منشورة على الإنترنت http://www.clt.astate.edu/wnarey/
(8)و (9) The Dead Sea Scrolls Bible, Abegg, Flint, and Ullrich, HarperCollins, 1999