نقرأ في الإنجيل آية مشهورة جداً, تختص بمعجزة التجسّد. وهي:
"و هذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل و تلد ابناً." (متى 1: 22)
النبي المقصود هو أشعيا, والآية مقتبسة حرفياً من السبعينية, ولكن إذا عدنا إلى سفر أشعيا (النص المسوري) وبحثنا عن الآية التي يقتبسها الإنجيلي متى الرسول, لوجدناها في الإصحاح السابع تماماً كما في السبعينية, ولكنها لا تتكلّم عن عذراء!
"ها إنَّ الصبيّةَ تحملُ فتلدُ ابناً" (أشعيا 7: 14)
طبعاً إذا كنتَ تستعملُ الترجمة البروتستانتية (فانديك) فستجدها تضع الكلمة "العذراء" بدلاً من "الصبية" وذلك لتكيّف نص أشعيا مع نص العهد الجديد.
ولكن هذا ليس من الأمانة أبداً, لأن الكلمة العبرية الموجودة في النص المسوري (اليهودي) هي "عَلْمه" والتي تعني الصبيّة, أو المرأة المتزوّجة حديثاً, ولا تحمل أبداً معنى العذرية!
أما الترجمة الكاثوليكية اليسوعية (دار المشرق- بيروت) فتضع كلمة "الصبيّة" لتظهَر أكثر أمانة من ترجمة الفانديك, في هذه النقطة بالذات, لأنها (كما يفعل عادةً مترجمو الفانديك) تميل في مواضع أخرى إلى تكييف النص قسريّاً لكي يتطابق مع الاقتباسات الواردة في العهد الجديد.
وهذا الأمر نجده أيضاً في بعض الترجمات الانكليزية, لنلاحظ مثلاً الدهشة والاستنكار الّذَين يعبّر عنهما محرّر موقع (شركة نشر المخطوطات) وهي دار نشر أميركية تعنى بترجمة ونشر المخطوطات القديمة Scroll Publishing Co. لنقرأ ما يقوله المحرّر:
"الأمر الذي لم أعرفه إلا مؤخراً, هو أن النص العبري المسوري لا يقول أنّ العذراء the virgin ستحبل وتلد إبناً, ولكنه يقول أن المرأة الشابة the young woman ستحبل وتلد إبناً!
لا عجبَ إذاً أن الرسل وتلاميذهم اختاروا السبعينية, ولم يختاروا النص المسوري.
إذا رجعت إلى آية أشعيا 7: 14 في كتابك المقدّس, ستجد الكلمة "العذراء" بدلاً من "المرأة الشابة" إلا إذا كنت تستعمل "النسخة القياسية المعدّلة Revised Standard Version" وذلك لأن المترجمون قد غشّوا في ترجمتهم للنص المسوري كيما يراعوا العقيدة المسيحية الأساسية حول الولادة العذرية للمسيح.
ولكن أين الأمانة في ذلك؟
هل نستطيع أن نهمل ونرذل السبعينية لأنها "ترجمة مليئة بالأخطاء" (كما يقولون!) وعندما نجد أن أحد هذه الأخطاء يدعم عقيدةً مسيحيّةً أساسية, نهرول لاستعارة هذا "الخطأ"؟
هل نحن نسعى وراء الحقيقة فعلاً؟"
انتهى هنا كلام المحرّر الأميركي المعاصر, ولكن دعونا نعود إلى الكنيسة الأولى, ونستمع لصوت أحد أكبر آباء الكنيسة في القرن الثاني للميلاد, أعني القديس إيريناوس, ونرى رأيه في هذا الموضوع تحديداً كما جاء في كتابه: "ضد الهراطقة" )(1)
"من بعد أن خلقَنا الله, وسقَطنا, ثم عادَ وخلّصنا, إذ أرسلَ ابنه الوحيد مولوداً من عذراءَ طاهرة, ولكنَّ بعض من يدّعونَ أنّهم حفظة الكتاب, يزوّرون قولَ الرب فيكتبون: "ها إنَّ الصبيّةَ تحملُ وتلدُ ابناً". نعم هكذا زوّرَ الآية كلاً من ثاودوتيون الأفسسي, وأكويلا البنطي, اللذَين تحولا إلى الديانة اليهودية.
وقد تبعهم في ضلالهم هذا, طائفة الأبيونيين, اللذين يقولون أنّ يوسف هو الوالدُ الطبيعي للرب! حاشى!
هكذا يخرّبون بكذبهم الخلاصَ الذي صنعه إلهنا, ويرذلون الآيةَ التي قيلت من الله بواسطة الأنبياء.
لكنّ الحقيقة أنَّ هذه النبوءة قد نطقَ بها النبيُّ قبل سبي الشعب إلى بابل, وقد تُرجمت إلى اللغة اليونانية من قبل اليهود أنفسهم قبل ظهور إلهنا بفترةٍ طويلة.
وعندما عرفَ اليهود أننا نحاججهم بهذه الآية, وغيرها من الكتاب المقدّس, لم يتردّدوا أبداً في تخريب وتزوير كتبهم المقدّسة.
موضحين بذلك ومؤكدين أنّ كلّ الأمم ستنال الخلاص, وتشارك الحياةَ الأبدية, وأمّا هم الذين يتبجّحون بأنهم بيتُ يعقوب, وشعبُ إسرائيل, فسيكونون محرومين من الميراث الأبدي ونعمة الله.:
هكذا يقول القديس إيريناوس, أنه بما أنّ اليهود أنفسهم قد أنجزوا هذه الترجمة (السبعينية), قبل تجسّد المسيح بفترة طويلة. فقد كانت خالية من التحيّز والتزوير, بينما ترجماتهم الجديدة (التي قام بها ثاودوتيون, وأكويلا) فكانت ملطّخة بكراهيتهم للمسيحية.
ثم يتابع إيريناوس أيضاً في نفس المرجع:
"ألم يكن الرسل الذين صادقوا على هذه الترجمة (السبعينية) أقدم من كلّ هؤلاء الهراطقة؟
لقد توافقت السبعينية مع تقليد الرسل, من بطرس إلى يوحنا, ومتى, وبولس, والآخرين. وكذلك تلاميذهم أيضاً.
كلّ هؤلاء اقتبسوا النبوءات, واستشهدوا بها كما جاءت في هذه الترجمة السبعينية تماماً."
ويقول أيضاً في نفس المرجع:
"كما أنّ الله حفظَ الإسرائيليينَ في مصر أيامَ صار الجوع في الأرض, هكذا أيضاً حفظَ كلمته سالمةً في الإسكندرية بواسطة المترجمين اليهود غير المتحيّزين."
ثم يشرح قصّة الترجمة السبعينية.
وقبلَ بضع سنين من إيريناوس, كتب القديس يوستينوس الشهيد أيضاً, نفس قصّة وتاريخ الترجمة السبعينية, وأكّدَ أنها "ترجمة موحاة من الله" .
وأكّدَ القديس يوستينوس أيضاً أنّ اليهود قد حذفوا مقاطعَ من كتبهم, وهي موجودة لا تزالُ في السبعينية (2).
أمّا أقدم شهادة على قانونية كتب السبعينية فتأتينا من عصر الآباء الرسوليين, وتحديداً من القديس اقليمس الروماني, الذي كتبَ في القرن الأول.
ومن الجدير بالذكر, أن السبعينية حظيت بتقديس وتوقير اليهود أنفسهم قبل فترة النزاع مع المسيحية, كما يتضح من كتابات يوسيفوس, وفيلو الاسكندري الذين يؤكدان أن السبعينية ترجمت بوحي من الله.
بانتظار تعليقات الإخوة , إلى اللقاء في الحلقة القادمة.
طاناسي
ثبت المراجع
(1) Ireunaeus. Against Heresies, book III, chapter XXI, AntiNicene fathers, volume I.
(2) Justin's Hortatory Address to the Greeks, Anti-Nicene fathers, volume I

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات