المحبة الصادقة الاب جهاد(ابو مراد)
مجلة النور
الانسان كائن اجتماعي وكلنا نشعر بالحاجة الى التواصل والمشاركة والى اقامة علاقات حميمة. ورغم الكثافة السكانية والعيش المدني في مجتمعات سكنية متلاصقة وبنايات عالية مكتظة بالسكان ورغم صخب الجماهير وضجيجها في الساحات العامة والطرق والارصفة والجامعات والمدارس والمتاجر والمكاتب فإننا اليوم اكثر من أي يوم مضى نشعر بالوحدة والفراغ الناس تسير مسرعة في شوارع احيائها المألوفة وقلما يلتفت احدنا الى الاخر او يلقي عليه التحية وشبابنا يطرق الابواب طلبا للعون فيجدها موصده يطلب عملا ومشاركة في خيرات الحضارة المادية والروحية فيجابه باللامبالاة والعداوة في عالم الغربة والوحدة اصبح التوق الى عقد صلات الود اقوى واعمق الشاب يبحث عن صديق وفي يرافقه على دروب الحياة يشاركه افراحها ومرارتها ويتخطى معه الصعوبات فلا يجد امام هذا التوق نتوقف قليلا للتأمل وايجاد الحلول
1-غياب الحب الحقيقي
أ-استبدال الجنس. لاشك في ان المجتمع الاستهلاكي المعاصر يدرك توق الشباب الى الحب والصداقة لكنه بدلا من تقديم الحلول الصحيحة استغل المناسبة وقدم حلول اصطناعية غير معقولة زادت الطين بلة ان استغلال رغبة الشباب المقدسة الى الحب الحقيقي والتواصل والالفة تعتبر جريمة ارتكبها المجتمع المعاصر بحق الشباب فما ان تلوح في الافق تباشير المراهقة مترافقة بمشاعر القلق والتحفز المتردد لأولى قفزات السعادة الخفرة حتى يضرب تجار الحب ومستغلوه طوقا محكما حول الشباب اليافع متوسلين طرائق شتى للتغرير به وايقاعه سريعا في مستنقع اللذات وسيطرة الجنس فالصحف والمجلات والافلام السينمائية والتلفزيونية تطفح بالدعاية الفاضحة لقد امتد هاجس الجنس الى كل حقول النشاطات البشيرة ووصل الابتذال الى ارصفة الشوارع وزوايا الازقة وبعد ان حقق الجنس السيطرة على كل مظاهر الحياة سعى الى مسح عقل الانسان والغاء قلبه وحشر فعالياته وكل طاقاته في الجسد لإشباع الشهوة الجنسية
فبدلا من ان يكتشف الشباب المعاصر الحب الدافئ اسر في زنزانة الجنس الباردة الجنس الذي قال عنه برديايف:انه مصدر اسوأ انواع الاستعباد ومنبعها الذي يتخذ احيانا مظاهر عنفيه فيحول الانسان الى عبد للحاجات الجنسية واسير للغرائز الفطرية مشكلة اخرى يتعرض لها شباب اليوم عندما لا يميز بين الحب والهوى الذي هو شهوة ضارة(الهوى ارادة النفس وميلها الى ما تستلذ)الهوى احيانا هو عطش الحنان وحاجة الى تلقي الحب من الاخرين وبكلام اخر الهوى حل يتوافق مع المتطلبات الانانية الذاتية وبهذا المعنى يعتبر المسؤول الاول عن معظم الماسي التي تتسبب بها الانانيات البشرية بدءا بالصدمات الدامية بين الشباب وصولا الى الجرائم المروعة التي ترتكب باسمه وهذا تأكيد ان الحب الذي يروج له ليس سوى حب اناني مزيف الهوى شهوة انانية متطلبة ومتملكة تأخذ حب الاخرين ولا تبادلهم حبهم بالحب
ب-البيوت المفككة. العائلات المفككة هي سبب اخر لغياب دفء الحب والصداقة بين الشباب فرياح الغربة فككت اوصال العلاقات العائلية ورمت افراد العائلة في صقيع الوحدة والانفراد في غياب البيئة العائلية الدافئة غاب الحنان والاهتمام بالأولاد الغياب المتواصل للأبوين عن البيت ولد عند الاولاد شعورا بعدم الثقة وفقدان الحب الابوي ولد شعورا بعدم وجود البيت هذه المشاعر السلبية جعلت الشباب في مقتبل العمر يشعر بالغربة ويترك بيته سعيا وراء بيوت اخرى تحتضنه هذا بالنسبة الى البيوت المفككة بسبب الطلاق والمشاكل العائلية الناتجة عن سوء التفاهم بين الابوين اما بالنسبة الى العائلات العاملة فان اختلاف دوام العمل بين الزوجين والشباب جعلت عددا كبيرا من البيوت يتحول الى فنادق للأكل والنوم في هذه البيوت حيث غاب التواصل تقريبا بين افراد العائلة وحل الصمت والتوتر وازداد العطش الى الحوار والتفاهم نشأت ظاهرة الهوة بين الاجيال كظاهرة تميزت بها الحضارة المعاصرة تعني نقص التواصل بين الاهل والاولاد وفقدان الحب والحنان والصداقة وحيث يفتقد الحب والحنان هناك ثغرة لا بل هوة لا يمكن ردمها لا بالعطاءات ولا بالتقدمات التي يحاول الوالدان بواسطتها احيانا التعويض عن حب لم يقدموه لأولادهم
ج- مجتمع مجهول: في المجتمع الحاضر يشعر الشباب ايضا بفقدان الحب بسبب الاساليب المتبعة في تنظيم الحياة الاجتماعية فالمجتمع اصبح مقنعا بلا هوية ولا وجه التطور التقني وضع التواصل الحميم بين البشر في عهدة الات بصرية باردة ومعقدة اسماء التعريف الشخصي اختفت فمعظم الشركات والمؤسسات الكبيرة تحولت الى شركات مغفلة والمتاجر ومكاتب الخدمات وغيرها اغفلت ذكر اسماء مالكيها ومستثمريها واستوردت اسماء تجارية غريبة لترويج البضائع في مجتمع تنازل فيه معظم الناس عن اسمائهم وهوياتهم نشأ الشباب بدون اسماء وهوية.
2-التعرف الى الحب الحقيقي
ا-الخروج من الذات تكمن الميزة الاولى للحب في الخروج من الذات فالحب خروج من حدود الانا ومسيرة نحو الانت نحو الاخر
الحب الحقيقي يجبرنا على الخروج من مركز إنتانيتنا الضبابي الى حقيقة وجود الاخر (برديايف)
يضع مسعى الخروج من الذات النفس في حالة كفاح عنيف ولكن عندما تكتشف الاخر وتشعر به كأخر تحن شوقا اليه ان وجود الانسان في حياتك اكتشاف رائع يفجر فيك شرايين الحياة ويكشف لك عالما جديدا كان متخفيا في الاعماق لكن هذا الاكتشاف يرافقه صراع عنيف فانت تحاول الانعتاق من الحس الفطري الذي يقيدك بالانا ومن البحث عما يرضيك ومن التوق الى الحنان الذي يغلي في احشائك ان تعطى الى اخر ينبغي ان تتذوق الفرح العظيم الذي ينشا من نسيانك لذاتك من اجل انسان اخر محبوب لديك (خريستوس ياناراس)
ب-بذل الذات: الحب مرتبط برغبة البذل والتضحية من اجل الاخر الحب الاصيل نقدمه لمن نحب التقدمة تترافق مع الالم النازل بك من جراء تخطي مركزية الذات والفرح الناتج من خدمة الاخر (ياناراس) عندما تحب انسانا حبا حقيقيا لا تفكر في ما ستأخذ بل في ما ستقدم لقد نقل لنا بولس الرسول قولا سيديا بهذا المعنى عندنا قالlالسعادة في العطاء اعظم منها في الاخذ)اعمال35:20
يصل تقديم الذات في سبيل الحب الى حدود التضحية فالمحب الحقيقي يضحي بذاته وحياته ايضا.(فيسوع لم يأت الى الارض من اجل فعل الرحمة والعمل الصالح وحسب.ان ذبيحته هي التعبير الاسمى لشوق محبته انه شوق الى الانسان.
ان حرارة الشوق انتقلت الى الرسل الذين تبعوه والذين بدورهم قدموا ذواتهم من اجل اخوتهم في الإنسانية(ياناراس)
ج-اكتشاف وجه الاخر الحب الحقيقي يساعد على اكتشاف وجه الاخر والتعرف عليه(في الحب الاصيل لا يبقى الاخر مجهولا او وحدة مبهمة في السلم البيولوجي في الحب يصبح الاخر عالما بلا حدود وكنزا سريا وانسانا قادرا على سماع دعوتنا ومتحررا للتجاوب مع حبنا)(برديايف)
الحب رحلة تعارف مع الاخر الاخر والاخرون موضوع حبنا ايقونات لله وبالقدر الذي نكشف فيه وجه الاخر نكتشف ونتعرف الى وجه الله وفي هذه الحالة يصبح الاخر مرآة تعكس ظلال ضوء الوجه الالهي
الحب مسيرة تبدأ بالخروج من الذات وتمر عبر ايجاد الاخر وتنتهي باكتشاف وجه الله الذي هو محبة (1يوحنا8:4)
المناقشة:
1-الحذر من المياه العكرة:
لا يروي الغزال ظمأه من المياه الآسنة بل من ينابيع المياه العذبة الصافية المياه العكرة ليست صالحة للشرب والمياه المالحة لا تروي الغليلهذا ينسحب ايضا على الحب فالمياه المالحة التي يقدمها المجتمع الصناعي ليست حبا يروي غليل الانسان بل هوى رخيص يضاعف من تعطشه ولهفته الى الحب الاصيل لهذا السبب فان الحب المزيف مشكلة تقلق الكثيرين لفترات طويلة .معظم الاغاني التي نسمعها اليوم تتكلم اما عن خيبات الامل من ندرة الحب الاصيل او لصورة حب رخيص مزيف
2- حضر نفسك للحب:
تدور معظم احاديث شبابنا على موضوعي الحب والصداقة فكل الشبان والشابات يريدون التعرف الى اخرين ويسعون الى محبتهم وهذا امر طبيعي لكن الموضوع الاهم في هذه المرحلة هو كيفية التحضير والتهيئة للحب اذا كنتم تعتقدون ان الحب لا يحتاج الى تحضير فماذا عن صعوبات الحياة التي ستواجهونها وهل تصرفكم علاقة الحب عن ارتباطاتكم المدرسية وتامين مستقبلك وماذا عن استعدادكم لتحمل المسؤليات؟انتم الان في سن التحضير للحب اتعتقدون انكم جاهزون لرحلة الحياة وكيف تجهزتم لهذه الرحلة؟ فعلاقات الحب غير المتينة وغير المدروسة باءت كلها بالفشل
3-كيف تصير محبا
يتذمر الكثيرون من ظاهرة فقدان الحب واخرون ينتظرون الحب من الاخرين فهل هذا الموقف صحيح؟ ومن يقدم على الخطوة الاولى؟
المحب هو السباق الى دفق الحب المحب الحقيقي يبادر ولا ينتظر حب الاخرين له عندما تحب تحب عندما تهب الحب فان انفتاحك يرغم الاخر على حبك
هذه هي قصتنا مع الله (اما نحن فإننا نحب(الله) لأنه احبنا قبل ان نحبه)(1 يوحنا19:4) الله محبة ولم ينظر ان نبادر الى حبه بل قام بالحركة الاولى احبنا ونحن خطأة ثم دعانا الى حبه وفي مثل السامري الشفوق علمنا انه بالحب يصير احدنا(قريب الاخر).

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس


المفضلات