ندخل ابتداءً من الغد في رحلة الصوم الكبير المقدّس، هذه الرّحلة التي توصلنا إلى ميناء القيامة المجيدة. ليست رحلتنا هذه كغيرها، ليست للاستجمام ولا للراحة، بل هي رحلة عمل مكافأته عظيمة وإلهيّة. كلٌّ منّا لديه طريقته الخاصّة في العمل للوصول إلى مبتغاه، بعضنا عنده من يستشيره في سبيل الوصول المضمون إلى برّ الأمان (أي الآباء الروحيّون)، وبعضنا يقوم بممارساته التي يعتقدها صحيحة وستوصله بالتأكيد إلى النّهاية السعيدة.
يبدأ الصّوم وتبدأ السيّدات بالبحث عن أنواع الأطعمة الصّياميّة التي يمكنهنّ تحضيرها لعائلتهنّ، فيجهّزنَ لائحة تحتوي على الكثير من المواد التي غالبًا ما تكون باهظة الثّمن على مثال ثمار البحر التي تدخل ضمن قائمة المأكولات الصّياميّة. مع بدء الصّوم أيضًا تنهمر العروض الخاصّة في المطاعم التي تهتمّ بالزّبائن الصائمين، إذ قد أصبح موسم الصّوم موسمًا تجاريًّا يحبّ النّاس تجربة بعض أنواع الطّعام التي لا يجرّبونها خارج الصّوم كما يزدهر عمل مطاعم "السوشي" وغيرها من الأماكن التي تقدّم أطعمة صياميّة ربّما يتخطّى ثمنها ثمن الأطعمة غير الصّياميّة بأضعاف.
إن تأمّلنا في ما نفعله خلال الصّوم، نجد أنّنا نصرف مالاً على المأكولات أكثر بكثير من الفترات الأخرى من السّنة. أحيانًا نصبح عبيدًا لبطوننا، مع أنّ المسيح تجسّد وصُلب وقام ليحرّرنا من نير العبوديّة. يقول القدّيس يوحنّا الذهبي الفم: "كنت أفضِّل أن آكل خبزًا يابسًا وأكون حرًّا على أن أحصل على مآكل كثيرة وأكون عبدًا".
الصّوم هو تدريبٌ لنا على إخضاع أهوائنا ولَجمِها وليس لتغذيتها وجعلها مسيطرةً علينا. أكثر ما يجرِّبنا في الصّوم شهوةُ البطن. إذا استطاع أحدٌ منّا أن يكبح جماح معدته متحكِّمًا بما يعطيها إيّاه ومتى يعطيها إيّاه، عندئذٍ يمكنه الانصراف إلى القيام بما فيه خيره من الأعمال الحسنة، لأنّه في بعض الأحيان نُجَرَّب بجلوسنا إلى المائدة لوقتٍ طويل متنعّمين بأنواع الأطعمة والأشربة حتّى في أيّام الصّوم. إذا لم نجُع ونعطش ونتعب كيف يمكننا أن نشعر مع الآخر الذي ليس لديه ما يأكله أو يشربه والذي يعمل ما طال النهار ليؤمّن لقمة العيش؟ إذا بذّرنا أموالنا على أنواع الأطعمة كيف يمكننا أن نشعر بفقر الآخرين؟
إنّ الجوع يوقظ الرّوح الذي في داخلنا، في حين أنّ الشّبع يوقظ الشّهوات والأهواء. الجوع هو لجام للأهواء المعشّشة في داخلنا، لكنّ الجوع لا يكفي في بعض الأحيان إذ يقول الذهبي الفم: "عندما نصوم لا يكفي الامتناع عن مآكل محدّدة لكي نستفيد روحيًّا، لأنّه هناك خطر ألاّ نكسب شيئًا في محافظتنا على الصّوم. كيف؟ عندما نبقى بعيدين عن الطّعام ولكنّنا لا نبقى بعيدين عن الخطيئة؛ عندما لا نأكل لحومًا ولكنّنا نأكل حياة الفقراء؛ عندما لا نسكر بالخمر ولكنّنا نسكر بالرّغبة الشرّيرة؛ عندما نقضي اليوم صائمين لكنّنا نرى مشاهد غير أخلاقيّة، هكذا يكون صومنا باطلاً. لذلك يجب أن نجعله مقترنًا بالحرب على الأهواء، بضبط النّفس عن كلّ خطيئة، بالصّلاة والجهاد الرّوحي، هكذا فقط ستكون لديه ثمار وسيكون ذبيحة مقبولة مميّزة لدى الله".
في النّهاية، الصّوم لا يعني أن نقهر أنفسنا كما يفعل بعض المسيحيّين. الصّوم وسيلة للوصول إلى الملكوت من خلال الشّعور مع ألم الآخرين ومساعدتهم ومعاينة المسيح المتجلّي فيهم. الصّوم هو دربٌ نحو القيامة من خلال إماتة الأهواء والشهوات وإظهار المسيح الذي لبسناه في المعموديّة للآخرين. هذا كلّه يحصل من دون مراءاة (متى 6: 16-18)، إنّه يتمّ بتقديم كأس ماء بارد لأحد إخوة المسيح الصّغار (متى 10: 42).

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

.gif)


المفضلات