إن أئمة اللاهوتيين وروّاد الحركة المسكونية الكاثوليكيين يعتبرون تحديد الأوّلية الرومانية والعصمة البابوية، في المجمع الفاتيكاني الأول، بالصيغة الحقوقية التي ورد فيها، كارثة على صعيد الوحدة الكنسية. وإذا كانت أولية أسقف رومة مقبولة مبدئياً من الجميع، وإذا كان الاتفاق على مفهومها وأساليب ممارستها أمراً ممكناً في إطار نظام كنسي قائم على جماعية أسقفية صحيحة، فإن العصمة البابوية الشخصية مرفوضة أساساً من الأرثوذكسية الشرقية.

لكن كما أن الجماعية الأسقفية، إذا مورست داخل الكنيسة الموحدة، تعيد الأولية الرومانية إلى حجمها الصحيح، وإلى حدودها التي كان معترفاً بها عملياً في الألف الأول، كذلك النظام المجمعي La Conciliarite أي المرتبط بالمجامع المسكونية، إذا مُورس في ظل الشركة الكنسية مع الأرثوكسية، أفقد العصمة البابوية مبرراتها ومقوماتها، وأصبح عاملاً رادعاً للمبادرات البابوية الفرية في مجال العقيدة، وعطل عملياً الطابع البابوي للعصمة الكنسية، لصالح الطابع المجمعي، لاسيما أن الشروط التي فرضها المجمع الفاتيكاني الأول لممارسة عصمة أسقف رومة، تنفي، في الواقع، عن هذه العصمة، الصفة الفردية، إذ تجعل هذه الممارسة شبه مستحيلة بدون موافقة الكنيسة. وهذا ما أكده المنسنيور جاسير Gasser، مقرر لجنة الإيمان في المجمع المذكور. قال: (( إن توافق القرارات العقادية، التي يُصدرعا أسقف رومة منفرداً، مع تعليم السلطات الكنسية، متحدة برئيسها، هو مقياس الإيمان بالنسبة لهذه القرارات الباباوية)).

وفي هذا يقول الكاردينال سويننس في كتابه ((المشاركة في المسؤولية في كنيسة اليوم)) في صفحة 44، مستشهداً بالكاردينالDechamps ، المعاصر للمجمع الفاتيكاني الأول: ((أياً كانت الطريقة التي يستطلع بها البابا الرأي العام، يجب أن يبقى على توافق كامل مع إيمان الكنيسة جمعاء)). ويتابع الكردينال سويننس قائلاً: ((لقد كتب الكاردينال Dechamps بهذا الشأن، في المرحلة الأخيرة من المجمع المذكور، ما يأتي: ((إن هذا التوافق العملي في الإيمان لا غنىً عنه مطلقاً في ممارسة العصمة)).

إن تحديد الحبل بلا دنس وانتقال العذراء، من الرئاسة الأولى Ex Cathedra لم يتم فعلاً إلا بإجماع الكنيسة الغربية. يبقى أن الموافقة التي يطلبها البابا وينالها من الأساقفة متفرقين، لا يمكن أن تتم في الكنيسة الموحدة إلا مجمعياً، أي عن طريق مجمع مسكوني. إن واقع الشركة الكنسية إذن، بعد الاتحاد، وتأثير الأرثوذكسية الحاسم، سيعيدان الكنيسة الرومية إلى النظام المجمعي. ((لِتَعُد الكنيسة الرومية إلى النظام المجمعي)) هذا ما أعلنه واضع كتاب ((لاهوت رومانيا الأرثوذكسي)) في صفحة 361. نعم! لِتَعُد الكنيسة الرومية إلى النظام المجمعي. وليس هذا جديداً بالنسبة إليها، وليس عسيراً على أسقف رومة، الذي تُقر الأرثوذكسية بحقه، الخاص به، في دعوة المجامع المسكونية وترؤسها وإعلان قراراتها.

ولولا الانشقاق الكبير، وتعطيل الدور المسكوني والمجمعي لأسقف رومة، وانفراده بالسلطة بالغرب، لما خطر ببال أيٍ من الباباوات أن يخص نفسه بالعصمة الشخصية، المستقلة عن المجمع المسكوني.

وعلى كلٍ، فإن المجمع الفاتيكاني الأول، كما سبق وقلنا، بصفته مجمعاً غربياً، خاصاً بالكنيسة اللاتينية، ليس مسكونياً ولا معصوماً، ولا تُلزم قراراته الشرقيين، وهي قابلة لإعادة النظر فيها، والبت بشأنها، في مجمع يضم الكنيسة الرومانية والكنائس الأرثوذكسية مجتمعة.

المصدر: المطران الياس الزغبي، إن الشركة يجب أن تعاش، ألسنا كلنا منشقين، (بيروت: منشورات النور، 1982) ص ص 142 - 144