لقد ظهرت نعمة الله المخلِّصة لجميع الناس
( تيطُس2: 12 )
بارك يا أب !
لقد ظهر المسيح في هذا اليوم للعالم وأناره . إنَّهُ في هذا اليوم أخذ على نفسه خطايانا دائساً على الشيطان . لقد أشعت في هذا اليوم نعمة الله على جميع الناس . يا لها من معجزةٍ عظيمةٍ ومجيدةٍ ! إنَّ المسيح يجتهد وأمَّا نحن فنكلَّل . إنَّ المسيح يسحق رأس الحية في الماء وأمَّا نحن فنتقبَّل الكرامة . إنَّ المسيح يعتمد وأمَّا نحن فنغتسل من خطايانا . إنَّه يتقبَّل حمامةً من السماوات وأمَّا نحن فنحصل على مغفرةً لخطايانا . إنَّه قد شوهدَ له من قبل الله على أنَّه " ابنه الحبيب " وأمَّا نحن فنصير أبناء لله . اليوم تفرح الطبيعة المائية كلَّها جميع الأنهُر والبحار من أجل أنَّها قد تقدَّست من يسوع المسيح النور السماوي . اذهبوا الآن بأذهانكم إلى الأردن وانظروا كيف أنَّ المسيح يعتمد هناك مطهِّراً الناس . وكيف أنَّه قد ظهر بشكل عجيبٍ كما سبق وتنبأ داود النبي ( انظر مزمور 114: 3 )، إنَّ الرَّبَّ الإله قد ظهر بالجسد في الأردن وأظهر نفسه للملائكة وبشَّر بين الأمم وظهر للعالم ومُجِّدَ وسط البشر . لقد ظهر للعبرانيين وللوثنيين وبمعموديته قد وهب الخلاص للجميع . ها أنَّنا اليوم نشاهد طوفاناً ذهنياً في نهر الأردن . أمَّا في عهد نوح أغرق الله الأرض بالطوفان وأهلك البشر وأمَّا الآن فإنَّه أغرق الخطايا وأحيا الناس . حينئذٍ صنع نوحٌ سفينةً من خشبٍ لا يُفنى وأمَّا الآن فقد قبل المسيح من مريم العذراء جسداً لا يُفنى . لقد أحضرت حمامةٌ غصنَ شجرٍ لنوح هناك وأمَّا هنا فقد نزل الروح القدس على شكل حمامةٍ فوق المسيح . يا لتواضع المسيح العظيم ! إنَّ ذاك الّذي كان منزهاً عن الخطيئة قد تواضع كخاطئ لكي يطهِّر خطايانا وتعمِّد في الأردن كإنسان من يوحنَّا الّذي كان يقطن في برِّية الأردن مرتديَّاً وبر جملٍ وكان يضع حزاماً جلديَّاً . كما أنَّه كان يقتات بالجراد والعسل والعشب البرِّي . وكان يوحنَّا يُعمِّد اليهود في نهر الأردن بعد أعترافهم ويقول لهم :" توبوا لأنَّه قد اقترب ملكوت السماوات فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة لأنَّه هو ذا غضب الله يقف كالفأس على أصل الشجرة وإنَّكم إن لم تتوبوا فهو سيهلككم وسيرميكم في النار كما تُرمى الشجرة الغير المثمرة في النار ." ( انظر متَّى3: 2، 8-10 ) وبينما كان يوحنَّا يُعمِّد اليهود هكذا ويعظهم أتى المسيح من الجليل إليه أيضاً وطلب منه أن يُعمِّده في نهر الأردن ولكنَّ يوحنَّا لم يتجرأْ على ذلك بل قال له :" يا ربُّ لما تطلب منِّي أن أعمِّدك ؟ أنت من عليه تعميدي وليس أنا مَن عليه تعميدك . مَن سبق أن رأى سيِّداً يقف في حضرةِ عبده أو ملكاً يخفض رأسه لعبده ؟ وكيف للحنطة أن تُطهِّر النار ؟ وكيف للطين أن يغسل الماء ؟ كيف لي أن أعمِّدك يا سيِّدُ وليس فيك أيَّةُ خطيئةٍ ؟ حيث أنَّهُ قد حُبِلَ بك ووُلدتَ من الروح القدس بشكل لا يُدنى منه . وكيف لي أنا الخاطئ أن أطهِّر المنزَّه عن الخطيئة ؟ وكيف لي أن أضع يدي فوق رأسك الكليِّ الطهارة ؟ أنت يا ربُّ عمِّدني واغفر خطايايَّ لأنِّي أنا إنسانٌ خاطئٌ وأمَّا أنت فإنَّك طاهرٌ ومنزَّهٌ عن الخطيئة . أنت قد أرسلتني لكي أعمِّدَ هؤلاء اليهود الخطأة وليس لأعمِّدك أنت المنزَّهَ عن الخطيئة ."

حينئذ قال له السيِّد المسيح :" اترك الآن كلَّ هذه الأمور يا يوحنَّا لأنَّهُ هكذا يجب لنا أن نتِمَّ كلَّ برٍّ ." حينئذ ترك يوحنَّا كلَّ شيءٍ فعمَّد يسوع المسيح في نهر الأردن . خرج الرَّبُّ من الماء مباشرةً ففُتِحت السماوات . ونزل عليه الروح القدس على شكل حمامةٍ وسُمِع صوتٌ من الله الآب قائلاً :" هذا هو ابني الحبيب الّذي أرسلته لكم اسمعوا كلَّ ما سيقوله لكم ." حينما كان يوحنَّا يُعمِّد اليهود والفريسيين في نهر الأردن كان القدِّيس يوحنَّا يغطسهم حتى تصل المياه إلى مستوى رقابهم حيث كانوا يبقون على هذه الحال إلى أن يعترفوا بكلِّ خطاياهم وحينئذ كان يسمح لهم بأن يخرجوا من الماء . وأمَّا السيِّد المسيح بما أنَّه لم تكن لديه خطايا يعترف بها فإنَّه قد خرج من المياه مباشرةً والّتي قدَّسها بجسده المقدَّس وأغرق فيها خطيئة آدم القديمة . وجدَّد بذلك الجنس البشري واهباً إياه الملكوت السماوي . هوذا كيف أنَّ الله قد خطَّط لخلاصنا وأعادنا إلى كرامتنا الأولى الّتي كان آدم قد فقدها . لأنَّه حينما خلقنا الله جعلنا سُعداءَ وأخيار وأمَّا بعد ذلك فبسبب كذب الشيطان أصبحنا تعساء وفانيين ولقد تركنا الله وسقطنا في عبادة الأصنام . فبدأنا نسجد للقمر والنجوم والأنهر وللبهائم والحجر وللأشجار وللمخلوقات الأخرى . إنَّنا كنَّا نكرِّم كلَّ تلك الأمور كآلهةٍ حقيقيَّة ونقدِّم لها أبنائنا وبناتنا كذبائح ( قرابين ). ولذلك تحنَّن الله علينا ونزل من السماوات لقد ترك مجده الملائكي وتأنَّس وتواضع كخاطئٍ فقط من أجل أن يُخلِّصنا من ظلام عبادة الأصنام . وإنَّه اليوم قد أتى بتواضعٍ عظيم محنيَّاً رأسه تحت يد يوحنَّا في نهر الأردن الّذي قد أعاد مياهه للخلف من شدَّة خوفه ( انظر مزمور114: 3 ) ، بعد أن تعرَّف على الله خالقه . يا لها من معجزةٍ عظيمةٍ ! إنَّ الخليقة الغير العاقلة قد تعرَّفت على إلهها وهي تخدمه بخوفٍ . وأمَّا نحن الناس الممجدين والعقلاء فلا نكرِّمُ الله كما يليق به ولا نطيع وصاياه بل إنَّنا بإرادتنا الحرَّة نستسلم للخطيئة : إنَّنا نستسلم للغضب والحقد وتوجيه الإهانات والذكريات الشرِّيرة والبخل والكسل ورغباتٍ جسدية أخرى . إنَّنا لا نبذل مجهوداً لكي نتطهَّر من خطايانا ولا نطلب المغفرة من الله بل إنَّنا نبتعد عن جميع الفضائل .

أيُّها الإخوة المسيحيون خافوا على الأقل من ساعة الموت الّتي تقترب يوماً بعد يومٍ وأكثر فأكثر واركعوا ساجدين بتوبةٍ وزيِّنوا نفوسكم بالمحبَّةِ الأخويَّة والبسوا المحبَّة وطهِّروا هاتين الفضيلتين بالصلوات وأفعال الرحمة وارفضوا السكر والأغاني الشيطانيَّة الّتي يرد ذكرها على الأعياد الكبرى لأنَّ هذا ما نكرته المسيحيَّة . هذا لم يوصي به المسيح في موضعٍ ما أبداً بل إنَّنا نقوم به بإرادتنا لكي نُرضِيَ جسدنا . ولكن عليكم أن تعلموا بأنَّه سنُحاسَبُ على كلِّ ما هو مضادٌّ للناموس وسنبكي بلا جدوى . لأنَّ الناموس المسيحي لا يسمح لنا بأن نثمل في يوم العيد بل يقضي بأن نكون بذهنٍ صافٍ وأن نتعلَّم شريعة الله ونمجِّد الله الثالوث الّذي أظهر ذاته اليوم على نهر الأردن وجدَّد بمعموديته العالم كلَّه . وأنتج بهذه المعموديَّة شُهداءَ وبتوليين وكلُّ شيءٍ صالح في العالم . ليكن لإلهنا المجد إلى دهر الداهرين آمين .


الكاتب : القدِّيس صفرونيوس مطران مدينة فراتسا البلغارية
تُرجم من كتاب " عظات الآحاد " للقدِّيس صفرونيوس البلغاري
فيكتور دره 5 / 1 / 2012