سماع الكلمة وقبولها لهو من أهم الأمور التي يتطرق إليها الكتاب المقدس. فكما يقول القديس بولس الرسول: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل القبول". إذًا السماع وحده فقط لا يكفي، وإنما هو بحاجة لأن يتُرجم عملاً فيأتي بثمرٍ كثير.

إلا أن الكلمة حتى تأتي بثمر وفير لا بد أن تلقى قلبًا صالحًا، تماماً كأية بذرةٍ تُلقى في الأرض. وبناءً على هذا القلب يتوقف الثمر.

الإنجيل في هذاالمثل يستعرض لنا نماذج عدة لسماع الكلمة الإلهية وقبولها. ويترك لنا الخيار أن نحدد أين نحن. فهو يختم بالقول: "من له أذنان للسمع فليسمع". وكأنه يريد أن يخاطب كل واحد منا سائلاً إياه: ما نوعية أرضك أي قلبك؟ ما هي درجة قبولك للكلمة؟ أين تُزرع هذه الكلمة فيك؟

فإن كان قلبك طريقًا تعبر عليه الكلمة الإلهية مرور الكرام، ودون أن تترك فيك أثرًا، فاعلم إذًا أن إبليس قد أتى وأخذ منك هذه الكلمة لئلا تؤمن فتخلص. وإن كان قلبك من النوع الحجري الذي يسمع الكلمة الإلهية فيفرح بها إلى حين، فاعرف يا أخي أن هذه الكلمة الإلهية لن تنبت فيك ولن تثمر.

لأنها سرعان ما تموت إذ لم تجد فيك مكاناً تتأصل فيه. وانتبه لئلا يكون قلبك مليئاً بأشواك الحياة؛ فمثل هذا القلب سيخنق الكلمة بكثرة الأهواء والملذات والنزوات والاهتمامات الدنيوية. وإذ ذاك لن تأتي بأي ثمر مُرتجى.

فاسعَ أيها الإنسان حتى تستصلح قلبك، احرثه بالمحبة، اسقِه بالتواضع، استأصل منه الحسد والنميمة والشهوات الدنيوية، وغذِه بالكلمة الإلهية. فحينها فقط تأتي بثمر وفير مئة ضعف، وتكون عندها أرضًا صالحةً تنبت فيها كلمة الرب لتغذي الجميع من عطايا الله ونعمه الوفيرة.

إذًا المسألة لا تتوقف فقط على سماع الرب فحسب، وإنما على مقدار وجود نفوس تستقبل هذه الكلمة ، فتجد فيها أرضًا صالحةً محروثةً. فكما يقول بولس الرسول في رسالته اليوم: "صادقة هي الكلمة وإياها أريد أن تقرر حتى يهتم الذين آمنوا بالله في القيام بالأعمال الحسنة... للحاجات الضرورية حتى لا يكونوا غير مثمرين".

وهذا ما ترجمه آباء المجمع المسكوني السابع، الذين نعيد لتذكارهم اليوم، في حياتهم قولًا وفعلًا. أولئك الذين حفظوا الكلمة الإلهية دون زيغ أمام تحديات الهراطقة وبخاصةً أولئك الذين حاربوا السجود للأيقونات الموقرة. فجاءت تعاليمهم مثمرةً مئة ضعف في حياة الكنيسة، وأعطوا نفوسهم نموذجاً للأرض الجيدة

فلنحدد، يا إخوة، أية نوعية من النفوس نحن؟ ولنسأل أنفسنا: هل نحن صالحين لأن تنبت فينا الكلمة التي يلقيها الرب في العالم؟ وهل نحن مثمرون في هذا الكون، خاصةً أننا أعطينا الكلمة الرب بملئه؟ هذه الأسئلة فلتصر فينا أسئلةً يومية نفحص بها ذواتنا، ونتعرف بواسطتها على أنفسنا، وبذلك نعرف الله. "لأن من عرف نفسه فقد عرف الله" له العزة مدى الدهر آمين.

الأب باسيليوس نصار