*في فائدة الاحزتن والضيقات*
لا شك في ان الله عز وجل يعزي المحزونين ويضد المضطهدين ظلما من اجل اسمه ويشرفهم في الدنيا والآخرة رغما عن محزنيهم ومضطهديهم كما يبين ذلك جليا الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة. قد ظن اخوة يوسف انهم اذا باعوه يبيدونه ويمحون اسمه الا ان الرب الاله رفعه وشرفه واما هم فسجدوا له فيما بعد وتذللوا امامه كذا الفتية الثلاثة الذين لم يفضلوا مجد الملك الارضي على مجد الاله السماوي ولم يسجدوا للالهة الكذبة ولا للتمثال الذهبي الذي اقامه بختنصر الملك قد القاهم العديم العقل في الاتون ظانا ان النار تهلكهم لكن اولئك خرجوا من الاتون سالمين مشرفين واما الملك فخجل واقر رغما عنه انه لا اله في السماء وعلى الارض الا اله سدراخ وميساخ وعبدناغو. وقد وشى الوشاة على دانيال فرمي في الجب ماكلا للاسود الا ان الاسود لم تقربه فتعجب الملك وامر بطرح الواشين في الجب فافترستهم السباع وهكذا شرف الله دانيال حتى في هذه الدنيا. اراد هيرودوس العظيم في القبائح ان يميت الطفل يسوع فقتل جما غفيرا من اطفال بيت لحم ولم يفهم هذا العديم الفهم انه سبب لهم الحيوة واكليل الشهادة فلبث هو مهزوءا به ولم يزل المسيح حيا ممجدا الى الابد.
وماذا نقول في اولئك الملوك والقياصرة الذين كانوا يضطهدون المسيحيين اضطهادا عنيفا املا بان يفنوا الديانة المسيحية. هل استطاعت القوة البشرية ان تقاوم مشيئة الرب. كلا فمع كل الاضطهادات والعذابات التي قاساها المؤمنون كان الايمان ينمو وينتشر بقوة الله وكان المسيحيون يزدادون عددا. فيالك من ايمان مقدس غير مقهور. حقا ان من يثبت فيك يزدري بالتعييرات والاضطهادات ولا يخشى الموت بل بجهاداته يغلب الناس ونفسه والشيطان وبصبره ووداعته يذلل محزنيه وفضلا عن ذلك يخلد ذكره ويشرف من الله ويكرم من قبل الناس . ان نيرون الملك الذي امر بصلب بطرس الرسول يلفظ اسمه من الناس بالاهانة والاحتقار واما بطرس الذي حكم عليه هذا الملك القاسي بموت المجرمين فيكرم كبطل قديس مشرف من الله. واشهر ملوك الارض مثل اسكندر الكبير وغيره مع كل اقتدارهم وعظمتهم وثروتهم لم يحصلوا على ما حصل عليه بطريق الاحزان لاجل الرب بطرس وبولس وسائر الرسل والشهداء والابرار. كلما كثرت احزاننا لاجل الرب يزداد شرفنا. السيد المسيح كابد ما لا يسع الناس احتماله الا انه بالآلام مجد فباطلا اراد اليهود ان يبيدوا ذكره بتسليمهم اياه الى الموت الصلبي كمجرم عظيم اذ ان اللص اعترف به عندما كان العادموا الشريعة يهزأون به ويجدفون عليه وهو على الصليب وقائد المائة آمن به رغما عن اليهود لما كان معلقا بعد على الصليب مائتا بالجسد بل الطبيعة ذاتها اضطربت لعدم احتمالها اهانة السيد. العنوان نفسه الذي كتبوه على لوح وجعلوه على الصليب قصد الاستهزاء والاهانة والافتراء شهد بمجد يسوع لان هذا العنوان اعلن ان يسوع ملك اليهود والصليب اوضح جليا بفم اللص وبالعجائب الباهرة ان يسوع ملك لا بالمعنى الزمني بل الروحي وانه لا فناء لملكه.
وهكذا خذل اليهود وخاب املهم. فطريق الصليب اذا هو طريق مجد وشرف يسلك فيه كل من رغب النجاح في العيشة الروحية. كان بولس الرسول يقول انه لا يفتخر الا بامور ضعفة اي بالاحزان والمشقات والعذابات التي تكبدها وانه يقدر على كل شيء بالمسيح مقويه وانه " يسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لاجل المسيح" ( قرنثية 2ص12ع10) الاحزان لاجل الرب كانت مأثورة عند كثيرين من افاضل العهدين القديم والجديد وكثيرون كانوا يبتغون من الرب ان يؤدبهم على خطاياهم وزلاتهم كما فعل داود النبي الذي لما رأى ان شعبا كثيرا جدا ضرب بالموت بسببه طلب من الله ان يحول الغضب والقصاص عليه فقال" ها انا اخطأت وانا اذنبت واما هولاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك علي وعلى بيت ابي" كذا ارميا النبي وحبقوق وغيرهما.
ان الرب الاله امر موسى ان يحترم المكان الذي فيه ظهر له في العليقة قائلا له اخلع حذائك من رجليك لان المكان الذي انت واقف عليه مقدس. فياله من سر جميل وعجيب. لما كان لله يظهر للبشر في السماء كما ظهر لاستفانس اول الشهداء وحزقيال النبي او فوق جبل كان يظهر بمجد عظيم اما على الارض فظهر لموسى في عوسجة شائكة وذلك لكي نفهم ان المسجود له والممجد في السموات يوجد على الارض في اشواك الاحزان وكما ان موسى لم يحظ بمجد الله على جبل سينا لا بعد ما رآه على الارض في وسط العوسج كذلك نحن يجب علينا ان نبتغي الرب اولا ههنا ضمن اشواك الاحزان لكي نحظى بمجده في السماء. فاذا كانت الاحزان ههنا باسم الرب تتكفل لنا بالفرح في فردوس النعيم فما بالنا نكرهها ولا نتوق اليها. من لا يشك في ان قوة الله في الضعف تكمل كما قال هو تعالى لبولس الرسول فذاك يتوق لا محالة الى الاحزان املا بالحصول على منافعها او حبا بالرب نظير بولس الذي قبل توجهه المرة الاخيرة الى اورشليم قال: ها انا اذهب الى اورشليم مقيدا بالروح لا اعلم ماذا يصادفني هناك غير ان الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا ان وثقا وشدائد تنتظرني ولكنني لست احتسب لشيء ولا لنفسي ثمينة عندي حتى اتمم بفرح سعيي والخدمة التي اخذتها من الرب يسوع لاشهد ببشارة نعمة الله(اعمال ص20ع22-24)الا ان ما يزيدنا عجبا من هذا الرسول العظيم هو انه لاجل وفور محبته لشعبه كان يشتهي ان يؤلم في الاخرة ويكون مفروزا من المسيح لاجل خلاص اخوته. وموسى النبي تضرع الى الرب من اجل شعبه قائلا" الان ان غفرت خطيتهم والا فامحني من كتابك الذي كتبت" (خروجص 32ع32) أرأيت كيف ان اصفياء الله يرغبون الشقاء لانفسهم لاجل خلاص قريبهم.
اعتبر استعداد شهداء المسيح للعذاب والموت فانهم كانوا يجرون الى الشهادة ببسالة وتمام ثقة بالمسيح ويفحمون مضطهديهم بثباتهم قائلين بصوت جهير " نحن مسيحيون" ولم تخفهم العذابات ولا النار الاكلة لان قلوبهم كانت ملتهبة بنار المحبة الالهية. فيا لسعادتكم ايها الشهداء القديسون الذين اسلمتم اجسامكم طوعا الى الموت حبا بفاديكم ويا لربح تجارتكم لانكم سفكتم دماءكم فورثتم الملكوت. انكرتم الدنيا الفاسدة الزائلة فربحتم الاخرة الباقية الخالدة. تكبدتم الاسواء مدة يسيرة فنلتم الحبور الدائم. فمن ذا لا يؤثر الاحزان لاجل هذه السعادة دع العالم كله ينهض ضدي والناس تتعدى علي احب لي ان احتمل الضيق والهزء والشتم من ان اكون مبعودا عن وجه سيدي .
ان افغوستينس المطوب كان يتضرع الى الرب قائلا" ادبني يا رب في هذه الدنيا واغفر لي في الاخرة" وكان يقول لنفسه انه من الواجب يا نفسي ان نكابد ههنا لو كان ممكنا كل عذابات الجحيم لكي نحظى في الاخرة بمجد المسيح. فلا يقطن احد من الشدائد والاحزان بل فليفحص سيرته وليتكل على الرب. من بغض شهوته وذاق عذوبة الصليب فذاك لا يعيش بالجسد بل يعيش المسيح فيه مصلوبا لما عرف القديس اغناتيوس المتوشح بالله انه سيطرح ماكلة للسباع من اجل الايمان بالمسيح شرع يقول" متى تاتي السباع لتاكل جسدي . انا حنطه للرب ويجب ان أطحن بانياب الوحوش لاصير خبزا له حينئذ ابدأ ان اكون بالحقيقة تلميذا له. اني اتضرع واتوسل ان تجتمع علي العقوبات كلها. لكيما احظى بسيدي المسيح الحلو". واندراوس الرسول الذي كان يشتهي الموت من اجل محبة المسيح لما أسيق الى الصليب هتف نحوه بالفرح والحبور قائلا" ايها الصليب الاقدس الذي انا اتوق اليه منذ زمن طويل هوذا انا مقبل اليك بالابتهاج فاقبل انت بالفرح تلميذ ذاك الذي علق عليك ايها الصليب الموقر انك الان لست بعلامة للعار وآلة لقصاص المجرمين ولست مخفيا كما كنت اولا بل انت فرح المجاهدين وسلاحهم الذي لا يقهر لانك حصلت على نعمة وبهاء من اعضاء السيد الطاهرة فانشلني من هذا العالم واذهب بي الى معلمي لان الذي بك افتداني يليق به ان ياخذني اليه بك ايضا". فبما انه بالصليب ياتينا كل خير وكل مجد فهلم يا معشر المؤمنين محبي المسيح نمدحه وننشد له بالحبور قائلين سلام عليك ايها الصليب الممتلئ نعمة العلامة البهية المجيدة والغرس الاشرف من كل اشجار الغاب لانك وحدك استحقيت ان تحمل شرف حريتنا وتغسل اوساخ خطايانا وانت وحدك استطعت ان تعري الجحيم وترد الى الفردوس ساكنه القديم. ايها الصليب الحلو المشتهى انت النير الخفيف والرأية المجيدة التي تحت حمايتها يجذل القديسون والملائكة وتجد الخطاة رحمة. انت هو الفردوس الجميل الذي من تخرج لا اربعة بل خمسة انهار خلاصية تروي العالم وتسقيه. منك يرتجف الموت وترتعد الابالسة وتولي هاربة وبك فتحت ابواب السماء واستعطف الاب. من يقتبل الموت بك يجد حياة ابدية. انت هو تابوت نوح الذي ينجينا من طوفان الخطيئة. انت هو السلم التي بها تصعد البشر الى السماوات. انت هو العود الذي يخرج من الضخرة ماء الحيوة ويحلي مياه الاحزان انت الجرة الحاوية لا ذلك المن الذي اكله اباؤنا وماتوا بل ذلك الذي آكله لا يموت. انت هو التابوت الحافظ لا الناموس بل معطي الناموس . انت هو الشجرة التي نام تحت ظلها الياس النبي فتقوى ومشى اربعين يوما. ايها الصليب الكريم المجيد حقا انك لعجيب لان بك وعليك أجترحت عجائب تفوق الطبيعة من رأى او سمع ان الموت يقهر بالموت وان الحربة تفتح كنوز النعمة وان الجدف يستنير واللص يحظى بنعمة عظيمة ويدخل الفردوس قبل كل رسول.
انك لعجيب ايها الصليب لانك بعد ان كنت علامة للخزي والاحتقار وآلة لقصاص المجرمين صرت علامة ومجدا وفخرا للصديقين. ايها الغرس الشريف اغرس اصولك في قلبي ليتمكنةا فيه ويستقوا من دموعي ويأتوا بثمر جميل عطر. فلتتمكن اصولك في رجلي وفروعك في يدي وهامتك في راسي لاصير صليبا بجملتي. سمر قدمي عليك واربط يدي بك واطعن جنبي واجرح قلبي بمحبتك اياك فلتبصر عيناي واياك فلتسمع اذناي. استرح علي كما استراح المسيح عليك. ايها الصليب الحلو المشتهى اهلني ان أعلق عليك كما علق المسيح لان الأولى ان يصلب العبد لاجل السيد لا السيد لاجل العبد. ايها الصليب المبارك المغبوط الخلاصي اني لعاجز عن مديحك ولا استطيع ان اقوم بتعظيمك وتجبيلك كالواجب. ايها الاخوة في المسيح ساعدوني ولكن بالفعل لا بالقول فقط. فلنسجد له بالورع ولنتق اليه من صميم القلوب ولنستقبله بالفرح لانه مصحوب بالمواهب والنعم وهو الذي فتح لنا الفردوس. فيا حبذا صليب الاحزان لانه يصيرنا عند الله مقبولين ومن المسيح محبوبين له المجد الى ابد الابدين آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات