[FRAME="12 10"]
«في البدء خلق الله السموات والأرض». لم يكن هذا فيضا إلهيا بمعنى امتداد الذات الإلهية حتى لا نقع في الحلولية. لكنه كان فعل محبة كما قال أوغسطين وأراد بذلك ان يصنع الله مخلوقات تكون حاملة حبه او دالة عليه. انها قوة خرجت منه. ألقى الرب وشاحه على العالم واحتضن العالم ولا يزال هذا يعيش من الدفء الإلهي. بهذا المعنى كان الخالق دوما في حال تنازل ترتفع به البرية الى بارئها. هناك لحمة ما بينهما لا ندرك طبيعتها وهي في قابليّتنا الكينونة وليست في تصوّرنا العقلي.
على هذه الصورة نحن مبدعون. والفرق بين إبداعنا والإبداع الإلهي هو انه لم يأخذ مادة ليصنع منها الكون. اما نحن فنأخذ من مواد الطبيعة والفكر والخيال ونرتبها ترتيبا جديدا لم يقم به آخر وعلى صورة التشبّه بالله نسمّى مبدعين. الحجارة القديمة موجودة وتبني بها قصرا جديدا.
بعد حب الله اياك بالخلق الاول يحبك باستمرار وينشئك نشأة جديدة وتصبح خليقة اقوى وأبهى وتنير بالنور الذي قذفه في قلبك فتنشئ الآخرين اذا وعوا محبوبيتهم. لا يوجد الإنسان الا اذا أَحبه آخر. ما عدا ذلك هو لحم وعظام وتشوش فكر وعواصف قلب. غير ان كل حب في الدنيا ناقص اذ تشوبه شوائب المحب وشوائب المحبوب. اما اذا شعر المحبوب بأن مَن أَحبه صافٍ، براق، يعطي نفسه ولا ينتظر مقابلا اي اذا احس بأن المحب مسكوب يفهم ان هذه العاطفة إنْ هي الا جسر للحب الإلهي وانه تاليا حبيب الله من خلال خلقه. واذا أفنى ذاته بالمحبوب يكون الله نفسه مسكوبا في مخلوق اختاره مخلوق آخر.
والانسان لا يحب عبده ولكنه يحب ابنه. هذا يبدأ من البدء. لذلك رفعنا الله من منزلة العبيد الى منزلة الأبناء. ان يكون الإنسان ذا لحم ودم وفي الوقت ذاته ابنا لله لا يغيّر شيئا في فعل الحب الإلهي. فعلاقة الألوهة بنا ليس فيها جنس لأن الرب ليس فيه جنس. الألوهة تعمل فينا على صعيد آخر.
الانسان ليس عبدا لله لأن صاحب العبيد مسيطر والمحب لا يسيطر. الله يشتاق ويشدّك بالشوق اليه فاذا قبلته ترد عليه باشتياقٍ ظاهره بشري لكن قوّته نازلة عليك من فوق.
***
واذا زرع الله تاريخيا في البشرية كلمات منه فما هي الا تعبير لإدارة الفهم البشري الى عمق الله. واذا سمعت من الله كلمات فهذه لا يسوغ النطق بها لأن اللسان ليس قعر العمق بل سطحه. الكلمة التي تنزل عليك تربية اي ارتقاء الى فوق. عند ذاك لا فرق بين الله القائل والكلمة المقول او لا فرق بين كلمات الكلمة والأذن التي تنصت والقلب الذي يعي.
على هذا الأساس تبني الصداقة. هذه لا يمكن ان تكون تبادلا اذا كنت وصديقك في علاقة الرق لله. انت حر وهو حر. والحر فقط يعطي والحر الآخر يأخذ، وتعطي الآخر كل ما فيك، واذا اعطيته فقط قسما مما عندك فأنت عبد للقسم الآخر الذي لم تعطه.
***
ما يصح في الصداقة يصح في الزوجين. كل منهما اذا أحب الآخر من منظار إلهيّ اي في العطاء المجاني ينشئ الآخر. وهذا ما عبّر عنه بولس أن تكونوا أزواجا «خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله» (أفسس ٢١:٥). هذا هو التراحم بتعبير آخر. العلاقة هي دخول الشخص في الشخص، هو تقبّله وانسكابه فيه. هو عمل الانسكاب ليموت الواحد في الآخر. عندئذ لا تنطرح قضية من يأمر ومن يأتمر. وما من ريب ان هذا التلاحم بين روحين وجسدين هو التحام الله بذاته لأن الله اذا كان غائبا في العلاقة لا يكون هناك الا اتحاد بيولوجيّ وسكنيّ وماليّ. الوحدة ليست تراكما. هي موسيقى. في الحب كل يُمَوْسق الآخر ويبدو متجليا ليس في كل واحد منهما على حدة ولكن في الاثنين في وحدة الكيان التي تتغذى كل يوم بالعطاء.
***
الصعيد الأخير الذي يفرض عليّ نفسه هو علاقة الدولة بالمواطنين. الدولة ليست فوق والمواطنية تحت. هذا نظام الرق. الدولة ليست الا المواطنين مرتبين او متناغمين حسب بناء معيّن فرضته الدساتير والقوانين. طبعا الرئيس والوزراء والنواب ليسوا في حال عشق مع اهل البلد لأن في الدولة عنصرا قسريا ولو لم تكن فيه نكاية. غير ان الذهنية القانونية والإجراء القانوني لا ينفيان الرحمة ويتطلّبان سهر المسؤولين الدائم والسهر لا يأتي الا من الحب.
كان دوستويفسكي يقول: الدولة يجب ان تصبح كنيسة. والمعنى عنده أن تقلّ القوة الإجبارية لحساب المحبة. انا طبعا أتوق الى ان يصبح اللبنانيون عائلة واحدة مع مراعاة الأنظمة حيث الموالاة والمعارضة وشرطيّ او عسكريّ ومدنيّ ما لا ينفي الانتماء الديني الذي هو بيئة حرارة. لا بد من أنسنة العلاقات بين طبقات الشعب والحكم بلا عشوائية ولا فوضى.
في المنطق نفسه، في الطوائف التي تقوم على انتداب مسؤولين روحيين كما في المسيحية او تلك المرتبطة بالعلماء كما في الإسلام، لا بد بين كل المؤمنين من علاقات محبة تشفي كل العلاقات الأخرى.
في بلدنا عبيد كثيرون في بعض المجالات، في المال، في السياسة، في الحياة العائلية، في ارتباط بعض الزعماء والتابعين. هذا لا ينتهي الا اذا أحلّ الله نعمته على هذا الشعب وتستضيف القلوب طوعا ربها. شرف انسكاب الله في النفس ان يؤمن الانسان انه قائم بالرضاء الإلهي وانه مستقل عن كل انسان آخر. أخذْنا استقلال البلد ولم نأخذ بالقدر الكافي استقلال الأشخاص لأننا عبَدنا الأقوياء والقاهرين. من هذه المقهورية يجب ان نسير الى الخلق الثاني الذي يتم في روحنا المتجددة ابدا والمحبة ابدا. اذ ذاك ينتشر الإبداع الكوني ويضمّنا الملكوت الى عمقه.
المطران جورج خضر
( جريدة النهار 10 - 11- 2007 )[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات