الصداقة محبة خاصة ناتجة من كون اثنين قد صارا نفساً واحدة . نشأت من قربى نفسية واستقرت لإيمان الإثنين باعتناقهما قيماً واحدة الله أساسها إذ بدون اله ليس من مودة حقيقية صادقة . بدون إله منافع في الأرض , سياسة , استغلال . والذين يستغلون بعضهم بعضاً عصابة . والعصابة يخون أعضائها بعضاً . والكنيسة قاسية جداً على يهوذا لكونها تصفه بالخائن .
لما واجه السيد يهوذا في بستان الزيتون وقال التلميذ للمعلم فيما كان يقبّله : " السلام عليك , رابي " ( أي يا معلم ) , أجابه الرب : " يا صديقي افعل ما جئت له " , هذه كلمة ساخرة من السيد المسيح ناتجة عن ألمه من القبلة الغاشة . ذلك أن الصديق لا يخون . لما واجه المسيح بطرس بعد القيامة سأله : " أتحبني أكثر مما يحبني هؤلاء ؟ " وكأنه يعاتبه على جحوده ويذكره بأن الصديق لا يجحد صديقه . ولما أتاه أنه تاب وأظهر توبته بالمحبة أعاده إلى الكرامة الرسولية التي كان قد فقدها .
المحبة تربطنا بكل الناس , خدمة لهم جميعاً بصرف النظر عن أية عاطفة . نعطي المحبة لمن كان بحاجة إليها وقد نعبر عنه أو ننساه . أما الصداقة فهي نوع من أنواع المحبة بسبب من انسجام عميق في الرؤية , في الأذواق في السعي المشترك إلى قضية واحدة مباركة .
الصداقة مجانية . ليس فيها شعور أن لك منة على الآخر وليس عنده شعور أن له منة . وإذا أعطاك الصديق عاطفة كبرى وخيرات فهو يشكر لك أنك تقبّلت ولا ينتظر منك شكوراً . والصداقة طهارتها الكبرى في هذا أنها لا تشترط تبادلاً . فليس فيها جنس ولا نفوذ . هي شبيهة بمحبة الله بنا . فليس فيها محاكمة لفكر الآخر أو فحص لنيته لأنها " تصدق في كل شيء " . ولأنها لا غاية لها إلا نفسها فهي الطهارة بالذات والصفاء بالذات .
تعزيتها الكبرى أنها تخرجك من العزلة . فقد ترى نفسك مظلوماً ومنفياً من القلوب . إذ ذاك يبقى الصديق إلى جانبك .
ومن أهم خصال الصديق أن يدافع عنك إذا هوجمت . كما أن من واجبه أن يطبّق تعريف الصديق القائل : " إن صديقك من صَدَقك لا من صدّقك " . لماذا يقول لك صديقك الحق ؟ لأنه يريدك على الحق الكامل ولا يريدك على خطأ , فهو إذا أراد إصلاحك فلا يستصغرك ولا يحتقرك كما يفعل الأعداء . ويصلحك بتواضع إذ لا يرى نفسه أعلى منك وأطهر . وهو يصلحك لأنه أَعرف بك من نفسك ونفسك محجوبة عنك بسببٍ من الشهوة التي تعميك .
صديقك هو من تعهَّدك كما أنت على عيوبك التي يعرف , وهو الذي قبلك على حالك ولكنه عاهد ربه أن يتعهدك ويرتقي بك إلى الأعلى . لأنك تختبره على هذه الأخلاق تعلو فتطمئن وتعرف أن لك ملاذاً ولك من تتوكل عليه في الضيق . وهو لا يطلب أجراً . فكل شيء بينكما مشترك . فلكونه سكن في قلبك لا تفرق بينه وبينك وبين ماله ومالك . وإذا استقرضته فأقرضك يفهم أنك أنت انفقت من مالك أو هو أنفق منه سيان .
ولكون الصداقة عظيمة لا بد من تغذيتها بالإفتقاد وأن ترعاها بالإنتباه . إنها إذ ذاك سماء على الأرض .
سيادة المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات