صلاة الغروب
إعداد الأخ ميلاد جبارة
وهي تمثل كل تدبير الخلاص: خلق العالم وسقوطه وافتداؤه, في الكنيسة وبخلاف واقع الحياة اليومية الذي نعيشه نبتدأ اليوم الليتورجي بصلاة الغروب أي عند المساء لذلك تعرف صلاة الغروب أيضاً بصلاة المساء ومصدر هذا هو سفر التكوين "وكان مساء وكان صباح يوم آخر" (تك 5:1) فبعدما خلق الله النور فصل بين النور والظلمة ودعا النور نهاراً والظلمة ليلاً ونلاحظ أن اسم هذه الصلاة متجانس مع الوقت الذي تقام فيه أي مع غروب الشمس.
تبدأ الصلاة بإعادة اكتشاف وكأن الإنسان اليوم فتح عينيه تعيده إلى ذلك اليوم الذي دعاه الله فيه إلى الحياة فرأى ما أعطاه الله إياه حباً به وعاين كل الجمال وكل المجد وقدم الشكر لله الذي صنع كل شيء حسناً فتبدأ الصلاة بالمزمور 103 "باركي يا نفسي الرب ...." هذا المزمور الذي يصف عملية خلق العالم ليُظهر عظمة الخالق وجلاله هذا الخالق الذي يلبس النور كالثوب خلق الملائكة وأسس الأرض ووضع حداً للبحار وكوَّن الجبال وأفاض الينابيع والأنهار الذي ينبت الأشجار لخدمة الطغمة العاشرة (البشر) والذي يملأ الأرض بالطيور والزواحف هو مصدر الخيرات لكل ما هو حي, "كلها إياك تترجى لتعطيها طعامها في حينه تفتح يدك فيمتلئ الكل خيراً..."
بعد تمجيد الرب الخالق الذي رأيناه في المزمور الافتتاحي لجمال الخليقة تتكشف لدينا ظلمة العلم بمقارنتها بجمال الخالق وخليقته الحسنة فلقد ابتعد الإنسان عن الله وغرق في ظلمات وظلال الموت لهذا هو يصرخ نحو الله ليرى النور " يا رب إليك صرخت ..."
ويشدد في الصراخ نحو الله معترفاً ببعده عنه: "من الأعماق صرخت إليك يا رب فيا رب استمع لصوتي" وبعد هذا الصراخ والإلحاح يكون المؤمن راسخاً في قناعته باستجابة الله له فيؤكد أن المغفرة هي من الله قائلاً: "إن كنت للآثام راصداً يا رب فيا رب من يثبت فإن من عندك الاغتفار" وفي النهاية يدعو الجميع جميع الأمم على تسبيح الرب لأنه وحده مبدع كل شيء. "سبحوا الرب يا جميع الأمم وامدحوه يا سائر الشعوب". في تتال يتكرر كل يوم مع المؤمن الخاطئ الذي يصرخ إلى الله مؤكداً توبته وأنه الذي يغفر الخطايا ويمجده على رحمته
في آخر هذه المزامير وقبل نهايتها تتلى قطع بالتناوب مع آيات المزامير تخص العيد أو القديس الذي نعيد له لتعطينا لمحة عقائدية عن العيد المعيد له أو عن سيرة القديس المحتفى به وهي تتبدل يومياً بحسب العيد وتنتهي بقطعة لوالدة الإله تقال على الكانين (الآن وكل آن وإلى دهر الداهرين. آمين) هذه القطع تعظم والدة الإله وتتكلم عن سر التجسد الإلهي وتوضح أهم العقائد حول التجسد التي نؤمن بها نحن وكنيستنا. وفي هذه الأثناء يجري الدخول المسمى إيصودون حيث يحمل الخادم الشمعة والكاهن المبخرة ويخرج من باب الهيكل الشمالي ويجتاز وسط الكنيسة إلى أمام الباب الملوكي مماثلين لمجيء المسيح إلى العالم (مجيء النور) " يا نوراً بهياً..." فبعد صراخ الإنسان من الظلمة الآن يعاين النور, ومن هو النور, هو النور الذي لا يغرب المضيء للجميع الذي لا يعروه فساد, الرب يسوع المسيح.
وهذا النشيد قديم جداً ومعروف منذ القرون الأولى للمسيحية فالمؤمنون المجتمعون في غروب الشمس يلتقون النور السماوي البهي لمجد الله الآب القدوس الذي لا يموت وهو الرب يسوع له المجد ويرتلون للنور المثلث الشموس, نور الألوهة المثلثة الأقانيم ينشدون للمسيح المعطي الحياة ابن الله القدوس الذي يستأهل التسبيح والتمجيد في أية لحظة وساعة بأصوات الفرح والابتهاج والتسبيح والحبور.
بعد دخول الكاهن إلى الهيكل يرتل البروكيمنون وهو عبارة عن آية من أحد المزامير ولكل يوم من أيام الأسبوع بروكيمنون خاص به وبعده طلبة إبتهالية يتلوها الكاهن ويبتهل فيها من أجل كل الشعب ويتلى بعدئذ إفشين " أهلنا يا رب" وهي مختارات من آيات مأخوذة من كتاب المزامير في العهد القديم تبدأ بالطلب من أجل عبور المساء دون خطيئة ويتلوها المتقدم [1] وقديماً كان يرتل بكامله. وبعد ذلك يتلو الكاهن الطلبة التي تبتدأ ب: " لنكمل طلباتنا المسائية للرب...." وهي ما يعرف بطلبة السؤالات
تنتهي الصلاة عادة بالنشيد الذي قاله سمعان الشيخ عند دخول السيد على الهيكل بعد أربعين يوماً من ولادته " ألآن تطلق عبدك أيها السيد على حسب قولك بسلام فإن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه كل الشعوب نوراً لاستعلان الأمم ومجداً لشعبك إسرائيل". فبعد أن يعاين الإنسان هذا النور الذي لا يغرب النور الإلهي يطلب منه أن يطلقه بكل سلام على رجاء أن يعود فيرى هذا النور في اليوم التالي.


[1] المتقدم: هو الكاهن الأقدم سيامة أو رئيس الدير في الأديار أو المطران في حال وجوده