أهم الأحداث الواردة في مخطط الخلاص هي قيامة الرب يسوع من بين الأموات في اليوم الثالث لموته على خشبة الصليب خشبة الذل والعار ورتبت الكنيسة لنا قبل الاحتفال بها صوماً لمدة أربعين يوماً ولكن تتخالج في ذواتنا أسئلة مثل: لماذا الصوم؟ أتهيئة للفصح!!! لماذا التهيئة للصوم؟ سنحاول الإجابة عنها بطرح مفصل ولكن مبسط قدر الإمكان....التهيئة للصوم الكبيرإعداد الأخ ميلاد جبارة
عندما يعزم الإنسان على السفر في رحلة كرحلات مدارس الأحد أو الرحل المدرسية أو حتى رحلة شخصية يستعد ويتحضر للرحلة ويبتاع المأكولات والمشروبات وينتقي الملابس المناسبة ولكن حتى يستطيع أن يعمل كل هذا عليه أن يعرف أولاً إلى أين تذهب هذه الرحلة.
المؤمن العازم على دخول معركة الصوم عليه أن يعلم أنه في رحلة روحية غايتها الفصح "عيد الأعياد وموسم المواسم" فيجب علينا فهم الارتباط بين الصوم والفصح لأنه يكشف لنا الأساس المتين والرباط الصخري للإيمان المسيحي.
الحياة الجديدة التي بزغت من القبر قبل ألفي عام تقريباً أعطيت لنا نحن الذين آمنا بيسوع المسيح رباً ومخلصاً يوم اعتمدنا على اسم الثالوث القدوس, إننا نعيد لقيامة الرب يسوع المسيح كأمر حدث وما زال يحدث لنا ولكن هذه الحياة الجديدة نضيعها نحن ونخونها بسهولة في متاهات الرذيلة وصنوف الخطايا فتدعونا الكنيسة للعودة إليها بالتوبة والصوم!!!
كيف يمكننا أن نطلب ملكوت السماوات ونحن لا نملك أدنى فكرة عنه؟ كيف نرغب ونحب شيئاً لا نعرفه؟ تدخلنا الكنيسة إلى الملكوت عبر طقوسها وذروة هذه الطقوس هو الفصح فهو باب ملكوت السماوات البهي, فلا موت بعد الآن, المسيح مات موتاً على الصليب وبموته أمات الموت وتسلطه على البشر, فهو نهاية كل قديم وبداية كل جديد, العبور الدائم من هذه الحياة إلى الملكوت المستعلن لنا في المسيح يسوع
ولكن الحياة القديمة, حياة التفاهة والخطيئة لا تتغير بسهولة وهذا مما يطالبنا بجهاد كبير نبدو عاجزين عنه, فليس من السهل أن نرفض الحياة السهلة الممتعة في القرن الحادي والعشرين وخاصة الحاجة الملحة للنقود للاستمرار في الحياة على الأقل وليس في الحياة الكريمة فقط ويدعونا الإعلام عبر الترفيه الجديد كل يوم إلى الدخول من الباب الواسع أما السيد له المجد فيدعونا في إنجيله إلى الدخول من الباب الضيق وهنا يأتي دور الكنيسة لتساعدنا في هذا الأمر من خلال مدرسة الصوم والتوبة الذي يعتبر مهيئاً لقبول الفصح ليس من خلال مسرتنا بالأكل والشرب على راحتنا بل من خلال الانتقال من ما هو قديم فينا إلى ما هو جديد.
آحاد التهيئة للصوم الكبير
قبل الصيام بفترة طويلة تعلن الكنيسة قدومه وتدخلنا في تهيئة له والسبب أنه بسبب الضعف البشري يستحيل أن ننتقل من حالة إلى أخرى فجائياً فقبل أن نمارس الصوم نأخذ معناه من خمسة آحاد نرى في كل منها مظهراً من مظاهر التوبة الأساسية
الأحد الأول: أحد زكا
في الأحد الأول نقرأ قصة زكا (لو19: 1-10) قصة إنسان قصير القامة رغب كثيراً في رؤية الرب يسوع ولكنه لم يقدر بسبب قصر قامته فتسلق شجرة جميزة قريبة ليراه فاجتذب انتباه يسوع وأجابه يسوع وذهب معه إلى بيته. موضوع الإعلان الأول هو الرغبة فالإنسان يتبع رغباته ويمكننا القول بأنه هو رغبة ولكن السؤال المطروح هنا: هل نرغب في الأمور الواجب أن نرغبها؟ أو ينطبق علينا قول ذلك الفيلسوف الوجودي[1]: الإنسان رغبة غير نافعة!!!! زكا رغب في الشيء الصحيح لقد أراد أن يقترب إليه وهذا هو الوجه الأول للتوبة إذ إن التوبة تبدأ عندما يكتشف الإنسان الأساس العميق لكل رغبة (الرغبة للحياة الحقيقية مع المسيح يسوع), زكا كان إنساناً خاطئاً حقيراً لكن رغبته جذبت انتباه يسوع وأتت به إلى منزله. فعلينا أن نقر بالجوع والعطش على يسوع فإذا انحرفنا عنه وأبعدنا رغبتنا عنه تصبح رغبة غير نافعة.
الأحد الثاني: أحد الفريسي والعشار
نبدأ في غروب أحد الفريسي والعشار استعمال كتاب التريودي (التريوديون) [2] وتقدم لنا صلوات التريودي المظهر الثاني من مظاهر التوبة الأساسية وهو التواضع. يصف إنجيل هذا الأحد (لو18: 1-14) إنساناً معجباً بنفسه متمماً لكل واجباته الدينية فخوراً بنفسه مشوهاً للدين قاصراً إياه على المظاهر الخارجية وقاس تقواه بمقدار المال الذي يدفعه للهيكل أما العشار فقد تواضع وبرره تواضعه أمام الله. هنالك فضيلة يرذلها بشكل كبير إنسان اليوم هي فضيلة التواضع العظيمة. ولكن السؤال المطروح هو كيف يصير الإنسان متواضعاً؟ الجواب بسيط: بتأمل المسيح, التواضع الإلهي المتجسد, الكشف الإلهي للمجد المتواضع, تعلموا منه فإنه وديع ومتواضع القلب, بدون المسيح, يصير التواضع الحقيقي مستحيلاً. يبدأ موسم الصوم بصلاة التواضع (بدء التوبة الحقيقية) فالتوبة هي عودة للنظام الحقيقي مؤسسة للتواضع وهو ثمرتها وغايتها.
الأحد الثالث: أحد الابن الشاطر
نقرأ في الأحد الثالث إنجيل الابن الشاطر (لو15: 11-32) يكشف لنا هذا الإنجيل أن التوبة هي عودة من المنفى, الابن الشاطر ذهب إلى بلاد بعيدة وأنفق كل ما أخذه كنصيبه من والده, البلاد البعيدة هي التعريف الفريد للإنسان المريد التقرب من الرب, فالإنسان الذي لم يشعر بأنه منفي وبعيد كلياً عن الرب لن يفهم مطلقاً ماهية المسيحية. والإنسان الذي يشعر براحة تامة في هذا العالم ولم يخالجه الشوق إلى حياة أخرى لن يفهم التوبة. كثيراً ما نردد أن التوبة هي ترداد أعمى للخطايا ولكن هنالك شيء ما بدونه لا قيمة للاعتراف بالخطايا وهو الشعور بالغربة عن الله فتذكرني الكنيسة في هذا الأحد بما أهملت وهنا أتذكر وعندما أتذكر أجد في نفسي الرغبة للعودة إليها وفي سحرية أحد الابن الشاطر نرتل المزمور 137 (على أنهار بابل) وهو مزمور المنفى الذي غناه اليهود أيام سبي بابل وهو نشيد الإنسان المدرك أنه منفي وغريب عن الله ونردده أيضاً في الأحدين التاليين تأكيداً على أن الصيام توبة ودعوة.
الأحد الرابع: أحد الدينونة (أحد مرفع اللحم)
يسمى أحد مرفع اللحم لأننا به نتوقف نهائياً عن أكل اللحم استعداداً منا لموسم الصيام وضبطاً للنفس على إيقاع أنغام الجهاد الكبير المنتظر بعد سبعة أيام. في سبت مرفع اللحم تدعوا الكنيسة للذكرى العامة لجميع الذين رقدوا على رجاء القيامة والحياة الأبدية وهنا نجد أن الكنيسة هي كنيسة محبة, فالمسيح حياة وإذ نحن نحب المسيح, نحب جميع الذين فيه, وإذ نحب الذين فيه فنحن نحب المسيح. فالمحبة هي موضوع الأحد الرابع وإنجيل هذا الأحد (مت25: 31-46) فعندما سيأتي المسيح ليديننا: ما هو مقياس دينونته؟ المحبة ليست إهتماماً بأشخاص فقيرين محتاجين بشكل اجتماعي بل محبة حقيقية لأشخاص حقيقيين يضعهم الله في طريقي, المحبة المسيحية هي "الإمكانية المستحيلة" لرؤية المسيح في الإنسان الآخر فالمطلوب أبعد من ممارسة الإحسان بحد ذاته للمحتاج بل أن أجعل من هذا الإنسان الذي عرفته للحظات معدودة رفيقاً على درب الله فالمحبة أو الحب تتجاوز المظهر الخارجي للآخر وتتجه نحو أعماق نفسه وكيانه أن تبلغ ما هو إلهي فيه!! وهذه هي رسالة الكنيسة هنا أن تذكر الإنسان بهذه المحبة الشخصية ليملأ هذا العالم الخاطئ بها.
الأحد الخامس: أحد الغفران (أحد مرفع الجبن)
آخر يوم قبل بدء الصوم, ويورد في السنكسار (تذكار نفي آدم أول الجبلة من الفردوس) وهذا يذكرنا بهدف الصوم وهو إعادتنا نحن عبر المسيح يسوع إلى فردوس النعيم, آدم القديم طرد من الفردوس ولكن آدم الجديد أعادنا إليه بموته وقيامته وهي المنتظرة خلال هذا الصوم. الصوم هو محررنا من عبودية الخطيئة من سجن هذا العالم وإنجيل هذا الأحد (مت6: 14-21) يضع شروط التحرير: أول شرط هو الصوم أي رفضنا لشهوات طبيعتنا الساقطة والجهد لتحرير ذواتنا من تسلط الجسد والمادة على الروح ولكي يكون صومنا مثمراً عليه ألا يكون متباهياً كالمرائين والشرط الثاني هو الغفران أي العودة إلى الوحدة والتعاضد والمحبة بعكس ما تفعله الخطيئة من انقسام وتشرذم فالغفران هو رؤية الأمور بمنظار الله هو وضع حد للعالم الساقط الفاسد. في غروب هذا اليوم تبدأ فترة الصوم فعلياً حيث تقام صلاة غروب الغفران – حسبما تسمى في كنائسنا – ولا شيء يكشف لنا عمق سر الفداء أكثر من هذه الصلاة, تعلن هذه الصلاة قدوم الصوم, في نهاية الخدمة يقترب المؤمنون من الكاهن ويستغفرونه كما يستغفر كل واحد أخاه.
سنتيه أربعين يوماً في صحراء الصوم كما تاه الشعب العبري في صحراء سيناء والأردن ولكن في النهاية يلمع نور القيامة مضيئاً مسيرتنا الصيامية نحو الكشف الإلهي عن الخلاص.
[1] هو جان بول سارتر
[2]كتاب صلوات يستعمل في الكنيسة الأرثوذكسية لفترة الصوم الكبير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات