بيت الله
المسيح أحب الهيكل جداً. وكان اعتباره "بيت أبي" الذي ينبغي له الكرامة لأن فيه تقدم العبادة والصلاة لله الآب " بيتي بيت صلاة يدعى". وقد اجتمع فيه المسيح مراراً كثيرة مع الشعب في مواعيد العبادة الرسمية للمشاركة في العبادة وتقديم التعليم.
ووصف الكنيسة بأنها " بيت الله" مأخوذ من قول الرب نفسه عن الهيكل. وقد ورثنا عن المسيح الشعور اليقيني بسكنى الله في الهيكل الذي هو الكنيسة الآن. لقد ارتاح الله قديماً أن يسكن مع الناس، إنما بغير منظر وبكيفية سرية، بل بواقعية فائقة بيقين للحواس والعقل. لقد قبل شعب إسرائيل هذه الحقيقة قديماً بقين يفوق كل منطق وعقل ولا يقبل الجدل ولا مجرد السؤال، ولكننا ورثناها مضاعفة بسبب ظهور المسيح علناً.
وهكذا كان تدبير الله ، منذ البدء، أين يبني الوجدان الإنساني بناء عملياً محكماً على قبول شركة السكنى الواقعية مع الله ، وسهّل الله للإنسان بكافة الطرق قبول الإحساس الفكري والروحي بالتحام الأبدي بالزمني وغير المحدود بالمحدود وإدراك الله كشخص كامل يدرك ولكن لا يدرك كماله. يحل فعلاً بين الناس ويسكن وسطهم ويقبل دعائهم ويسمع صلواتهم ويستجيب توسلاتهم. و ها هو جوهر العبادة وسرها العظيم.
فسكنى الله في قدس الأقداس هو من حيث طبيعته سر، ويمكن أن نسميه السر الذي ينبعث منه كل سر، هو سر وجود الكنيسة وسر قوتها وهو يرح إمكانية وجود الأسرار في الكنيسة ويفسر طبيعتها وفعلها.
وتأسيس الشعةر اليقيني بسكنى الله في بيته جعل لبيته رهبة وجلالاً، وأضفى على البيت قداسة ليس بالنسبة لصلوات وحسب بل وحتى أبوابه وأعتابه مقدسة وحتى ترابه أيضاً صار مقدساً. وكل من يدخل يشعر أنه داخل ليتقابل شخصياً مع الله ويتراءى أمام وجهه.
كما أن حوادث ظهور الله بالفعل ودعوته لأشخاص آباء كثيرين داخل الهيكل مثل موسى ويشوع وصموئيل وداود وزكريا وبولس ، نبهت الشعور الباطني للإنسان الداخل إلى بيت الله لاحتمال ظهور الله في أي لحظة إما باطنياً أو علنياً ، ومن هنا صارت الرعدة تأخذ الإنسان عند وقوفه أمام هيكل الله.
وإن كان بعض الناس قد انغلقت قلوبهم دون هذا الإحساس بسبب من ضعف إيمانهم ورخاوة حياتهم وقساوة قلوبهم، إلا إن هذا لم يمنع أن يتحقق الكثيرون من صدق رؤيا أشعياء النبي" رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع ، وأذياله تملأ الهيكل ، والسيرافيم واقفون فوقه، لكل واحدة ستة أجنحة، باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض، فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وامتلأ البيت دخاناً"
كل هذا هيأ المكانة السامية لبيت الله بالنسبة لحياة الإنسان وسلوكه داخل الكنيسة. ومن هنا نشأت آداب الصلاة داخل الهيكل وشروط العبادة.
وكل ما اهتمت به تعاليم الرسل المعتبرة وثيقة النظام والترتيب الرسولي للعبادة داخل الكنيسة، هو في الواقع امتداد لهذه الحقيقة السامية: إن الله ساكن في بيته .
- فتقبيل أبواب الكنيسة ، في الدخول إليها والانصراف منها.
- والسجود على عتبة الكنيسة .
- ثم السجود أمام الهيكل وتقبيل تراب الهيكل .
- ثم تقبيل يد الكاهن وطلب بركته.
- ثم تقبيل ستر الهيكل ثم الأيقونات المقدسة، ثم ذخائر القديسين إن كانت موجودة.
- ثم الوقوف بصمت كامل وورع مطلق.
هذا كله وإن بدا لبعض الناس أنه ممارسات عتيقة وعبادة نافلة ، إلا أنه في الحقيقة ميراث روحي ثمين جداً بالنسبة للنفوس التي آمنت أن الله يسكن في بيته وأن لبيته ينبغي التقديس كل الأيام.
وداود النبي الذي تشرف أن يكون المسيح من نسله، والي شهد له الله بعد الفحص والامتحان أن قلبه كان حسب قلب الله، والذي شهد له المسيح أيضاً أنه قال مزاميره بالروح القدس: " داود قال بالروح" كان يطرح نفسه على عتبة بيت الله عند دخوله وهو ملك مرنماً:
(1) فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب.
(2) وقفت أرجلنا في ديار أورشليم.
(3) أدخلوا أبوابه بالفرح ودياره بالتسبيح.
(4) أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك وأسجد أمام هيكلك المقدس.
وهذه هي نفس الصلوات التقليدية المسلمة إلينا لنتلوها عند الدخول في الكنيسة والسجود فيها.
ومن هنا أيضاً نفهم تشديد تعاليم الرسل على ضرورة التبكير والذهاب لبيت الله في أول ساعة من النهار. وفي الغروب آخر النهار لتقديم العبادة اللائقة، فهذا الترتيب يستمد قوته ومعناه من وجود الله في الكنيسة، فالإنسان يبدأ يومه بالسجود في حضرته وينهي يومه بالاعتراف والشكر أمامه.
( لا تتأخر عن الكنيسة بل بكّر إليها قبل كل شيء ، وعشية اجتمع هناك أيضاً ، واشكر الله على ما أنعم به عليك لأجل قوام حياتك.)
ومن الملاحظات الهامة التي ينبغي التدقيق فيها أن الجماعات المسيحية الأولى ظلت مدة تواظب على ذهابها إلى الهيكل لتتمم هناك صلواتها الطقسية فيه، حسب أصول العبادة والصلاة الإلهية المتبعة في الهيكل في ساعاتها المحددة. ولكن في نفس الوقت كانت تجتمع سراً في بعض البيوت وبالأخص في العلية التي في بيت مرقس الرسول لتقيم صلوات أخرى مسيحية. وجنباً إلى جنب مع الصلوات التقليدية الهيكلية ، وخصصت يوم الأحد لإقامة صلاة كسر الخبز أي سر الأفخارستيا. وهذا كله يتماشى مع أصول الحياة الطبيعية حسب الطقس اليهودي لأن صلوات المزامير كانت تقام في ساعاتها المحددة كل يوم في الهيكل، أما طقس كسر الخبز فلم يكن أصلاً مكانه الهيكل إنما كان يقام في كل بيت . علماً بأن الجماعات المسيحية الأولى كانت تعتبر وجودها في الهيكل يدخل في صميم حقوقها باعتبار أن الهيكل كان في عرف المسيح " بيت أبي بيت صلاة"
والذي يهمنا في الأمر أن الجماعة المسيحية الأولى ارتبطت بخدمة الهيكل اليومية . فدخلت الصلوات والتسبيحات بالمزامير ورفع البخور والقراءة في الأسفار والوعظ والتفسير في صميم حياة المسيحيين ، كجزء لا يتجزأ من عبادتهم اليومية قبل أن ينفصلوا نهائياً عن الهيكل ويبنوا لأنفسهم كنائس خاصة بهم يتممون فيها صلواتهم.


و الرب معنا آمين

يتبع .....