[FRAME="11 90"]

أنت لا تحبني ما لم تترك لي حريتي. لا أقول حريتي منك اذ بهذا أخفي المحبة ولكن حريتي من بعض أقوالك ومن كل نزواتك لأني ان قبلتها أكون عبدا لك والمبتغى أن أكون حرا بك ومعك. وبهذا المعنى قال يسوع الناصري: "وتعرفون الحق والحق يحرّركم". أجل لكم ان تعرفوا السيئات وخبرتكم إياها فيكم وفي الآخرين وقد يقودكم هذا الى الحق وخبرته. دخوله اليكم يجعل نفسكم صافية غير خاضعة لمعاصيها وعيوبها.
ولن تصل الى الحق ما لم تقبل المصلوبية. استعرت هذا الرمز لأقول ان إبادة معاصيك فيك تجعلك متقبلا لنزول النور اليك وهذه هي القيامة على صورة المسيح الحر من الموت.
الأصل ان تحاول التحرر من نفسك الطاغية فالنزوات والهفوات تكبّلك تكبيلا فأنت فيك ما يسميه العهد الجديد الإنسان العتيق والإنسان الجديد المخلوق على صورة النقاوة الإلهية، وهذان يتصارعان في الداخل وليست الحرية في ان تختار بين الخير الذي تتوق اليه والشر الذي تلمسه فيك. انت لك فقط حرية الحق وهي تنزل عليك من فوق وتطلبها بصلاتك والدعاء لتنقي نفسك بالنعمة وهي مصدرك للتنقية. معنى ذلك ان تتقبّل كلمة الله وتجعلها كلمتك فتنقل بها الحق الى الآخرين.
الحق بلوري وعليك ان تحافظ على هذه البلورية ليعبر الى الآخرين ويصيروا حاملينه وتصبح الدنيا كلها بلورا حتى لا يختلط الأحرار بالعبيد. لقد رأى الإغريق القدامى ان المدينة مؤلّفة من أحرار فقط وخطيئتهم انهم حافظوا على نظام العبيد. وأخذت الحرية قرونا عديدة لتظهر واقعا سياسيا ويسمّي الحر نفسه مواطنا أي معتقا من مملوكيته للملك وملازما الأرض التي هو عليها وسمّاها الوطن. غير ان العبودية على رغم زوالها من القانون بقيت تربط الضعيف بالقوي والفقير بالغني والمجتمع بالدولة القامعة، ذلك لأن القوة صعب ان تمارسها بلا شر فيك. تبدو الحياة اختلاطا بين الناس على أساس السوية، غير ان الواقع الحي هو ان ثمّة من يطغى ليكسب مالا أو نفوذا وهو يأتي بالمال. في الحقيقة الأقوياء واحد أو قد يكونون كذلك اذا افادوا بعضهم من بعض والرقيق واحد لكنهم مقموعون معا. ويعيش الناس منقسمين أكان هذا منظورا، محسوسا أم غير منظور. كيف نسعى الى حرية العبيد بلا كراهية منهم لأسيادهم؟ كيف نسعى الى تحرير الأحرار من طغيانهم حتى يزول القهر، تلك هي المسألة، حتى لا يسيء الحر الى الرقيق ولا يزيد الرقيق الحر استعبادا بكراهية لأصاغر القوم.
هل يعني هذا إنشاء مجتمع بلا طبقيّة؟ هل هذا ممكن أم ان القضيّة تقتصر على جهاد روحي لا يدخل فيه قهر أحد لأحد ونصبح فيه جميعا إخوة على رغم تفاوت الثروة بين الناس. هل يمكن إقامة جماعة بشريّة لا كبرياء فيها مقوننة على أساس الثروة والطغيان؟ اذا كنا نؤمن بأن الناس سواسية وان قيمتهم في الله وليس في ما يملكون نقوم بهذا المسعى الخيّر ليتحرّر الأغنياء من شهوة مالهم والفقراء من حزنهم على الفقر ولو جاهدوا في سبيل العدل. لعل كلمة عدل هي الكلمة المفتاح للحريّة وليست تعني بالضرورة ان توزّع كل ما لك على المساكين ولكن تعطي الكثير منه لئلا تشتهي ما عندك أو ما تعطيه ولكن عطاء ما يحرّرك من الشهوة ويقرّبك من الله. محبّتنا لله هي في الآخر طريقنا الى العدل.

***

الحرية تُعاش في مجتمع سياسي يقوم على الزكاة في الإسلام وهي صورة عن الميزان فيزول - اذا طُبقت - الشرخ الكبير بين المؤمنين، وفي المجتمعات الأخرى صورة العدل هي الضريبة بمعناها القسري لكونها قانونا هذا اذا كان أهل السياسة مسلّحين بالطهارة السياسيّة واذا أقاموا الرقابة الحقيقيّة على المحاسبة وعلى قيام مجلس الأمة رقيبا على الحكم واذا ذكّر اهل الفكر أهل السياسة على أنهم خادمون للأمة وليسوا عليها برؤساء خاضعين لنزواتهم. والدولة أصلا عادلة لأن وزارة المال ليس لها مال لذاتها لكنها تستعمله في سبيل الجماعة. المجتمع يجب ان يكون غنيا بخدمة الدولة له فما الدولة الا آلية غايتها رفع المستوى الاقتصادي اتقاء لتخمة البعض وجوع البعض الآخر. والدولة رهبانية بطبيعتها تستخدم الأشياء في سبيل المواطنين وتحافظ على ثرواتهم لهم وليس لها. هي تقوم بتكليف واذا أمرت فلنفع من فُوِّضت حراستهم وتنقيتهم لتستغني الأمة ولا يبقى مجال للتذمّر، ويجب ان تعي الدولة انها آلة وانها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر لتبقى خادمة ويعيش الناس ويحيا الموظف فيها بقدر خدمته فلا استغلال ولا استعلاء ولا طبقة موظفين فالخادم ليس من طبقة ولكنه مأجور ليعلو ويقوى فهو حر اذا خدم وعبد اذا استثمر.
هنا الكفاية العلمية لا تكفي. ولكن هل نفتح للمرشحين للوظائف مدرسة في التقوى حتى يتقن المواطن ان كل معاملة له يقوم بها ناس يتّقون الله ويصير فحص في التقوى كما يصير فحص في الكفاية. التوظيف عمل نقاوة لا شهوة فيه والموظّفون ليسوا طغمة لكنهم رهبان ساعون الى حرية قلوبهم وحرية المواطنين من إغراء الشهوة.
واذا وظفت فاختر الأنقياء خوفاً على مال الدولة ومال المواطنين وحريتهم من عبودية المال. وهذه الحرية تقود الى كل حرية أخرى، الى الحرية من الخوف وتاليا الى الحرية من الموت. ومَن تحرّر من هذه يتحرّر من كل معصية ويجبه الأقوياء كما يجبه الضعفاء. لا مفر من التفاوت بين ما تملك وما يملك سواك اذا كنتما متساويين بالحب الذي هو حركة الله في نفسه وإسقاط هذه المحبة على البشر.
عند ذاك يبقى لك لتعرف وتفهم وتتثقّف ويكون هذا همّك الأساسي ومجتمع العارفين هو مجتمع المتساوين والمتنافسين على اقتناء الحق وتاليا على تنقية ذواتهم بالمعرفة والمشاركة. والمشاركة ليست طلبا للأخذ. انها طلب للعطاء. وانت تطلب الشريك العارف والقادر على ان يطهّرك. اجل يتفاوت الناس في الفضيلة. هذه هي المنافسة في الحسنى كما يقول الإنجيل وهذا كله لمجد الله لأن الصالحين لا يطلبون مجدهم بعضهم من بعض لئلا يفنى إيمانهم. اذ ذاك، يعلي أحدنا الآخر على نفسه لأن التواضع اقتناء الحق فلا يحسد احدنا الآخر اذا فاقه في الروعات الروحية ولكنه يغتبط للجمالات التي يوزّعها الله على الناس لأن الأصل في كل علاقاتنا تمجيد الله ومنه وبه ننال المجد الذي أعدّه للذين يحبونه وينالون الإكليل في هذه الدنيا قبل البهاء الذي سينالونه في الآخرة. ينالون الرؤى التي هي تعابير عن رؤية الله.
كل قصة الحرية الداخلية في هذا العالم ان نجعل هذه الدنيا سماء والا كانت دنيا تعقيدات لا تنتهي وخصومات تدمّر الواحد الآخر أي حروبا معلَنة أو مضمَرة. "ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟" (متى: ٢٦:١٦) . الحرية كلها ان تربح نفسك وخلاصك وقد يقتضي هذا ان ترمي الكثير مما بين يديك. ان تكون انت في المجد الإلهي هنا هو كل شيء وهذا هو فرحك وغبطتك في اليوم الأخير. ولا ينفعك شيء آخر.

***

الى هذا ان يكون بلدك مستقلا عن كل بلد آخر قد لا يكون شرطًا لحريتك الداخلية ولكن ينفعها لتعيش في محبة أهل بلدك وتعمل معهم لتزداد أواصركم متانة وتحسوا بأنكم قادرون على ان تعيشوا معا بحرية هي واحدة لكل واحد. طبعا البلدان متشابكة كثيرا ورغبة الطغيان لن تنتهي من هذا العالم ولك ان تقنع الغريب بأن حريتك نافعة له وان المشاركة في التبادل مفيدة للجميع عسى تصير الأمصار كلها مسرحا للحرية التي يريدها الله لكل قطر.
انا عارف بأننا لم نصل بعد في السياسة الى ملكوت الله ولكنه مسعى ينبغي ان نسعاه حتى نحب كل الشعوب وتحبنا وننتج معا بتبادل السلع والأفكار والثقافات. ان حرية كل بلد تنمو بحرية البلدان الأخرى وهكذا تزداد العلاقات مودة وفي هذا قربى لله.
الحرية الشخصية والحرية المجتمعيّة والحرية الدولية أشياء متماسة. هي حلم لنا جميعا حتى تزول العبودية من وجه الأرض ويكون الله الكل في الكل.

المطران جورج خضر
جريدة النهار 29 - 3 - 2008
[/FRAME]