أحد القديس غريغوريوس بالاماس
سمّي الأحد الماضي أحد الأرثوذكسية أو أحد المستقيمي الرأي. ويقصد بهؤلاء، الذين بشروا ودافعوا عن الإيمان الأصيل المتسلم عن الرسل، وعلى رأسهم الآباء القديسون الذين قاوموا الهرطقات مظهرين الرأي المستقيم، المتفق مع الإيمان الصحيح المؤدي الى الخلاص.
من هؤلاء الآباء، القديس غريغوريوس بالاماس الذي عاش في القرن الرابع عشر، وخصصت له الكنيسة الأحد الثاني من الصوم. وكأنها تريد أن تقول لنا أن جهاده كان إمتداداً وإنتصاراً لجهاد الآباء المستقيمي الرأي الذين سبقوه، إذ جسّد هو أيضاً مثلهم الأرثوذكسية في حياته ودفاعه عنها.
هو باختصار إنسان هيأت له ظروف حياته أن يتعلم أفضل تعليم، ومن ثمَ أن يصل -لو أراد- الى أعلى المراتب. ومع هذا ترك كل شيء، وانطلق ليفتش عن الله الذي أحبّ، في إطار حياة رهبانية ونسكية، وتحديداً في جبل آثوس المقدس. وبعد جهادات بطولية ومريرة استمرت سنوات، متدرباً في حياة الصلاة والفضيلة على أيدي آباء قديسين سبقوه، ومتجاوزاً في كثير من الأحيان إحتياجات الجسد الضرورية مثل الطعام والنوم، أعطاه الله أن يتنقى من أهوائه، وأن يحصل بغزارة على ثمار الروح، وعلى مواهب إلهية متنوعة لم يكن ممكناً أن تخفى على من حوله.
وظهر له مرة في رؤيا، أنه يحمل وعاءاً مملوءاً حليباً يفيض ويتدفق على يديه وثيابه، بدا له وكأنه خمر لذيذ ذو رائحة طيب زكية إنتعش كثيراً ًلها. واذا برجل متوشح بالنور يسأله: لماذا يا غريغوريوس لا تنقل هذا المشروب الى الآخرين، إذ تتركه يضيع باطلاً؟ ألا تعرف إنه عطية الله وبأنه سوف لا يتوقف عن الفيضان؟ هكذا، وإنسجاماً مع هذه الرؤية، بدأ القديس غريغوريوس بالاماس منذ ذلك الحين، بقيادة الروح القدس الساكن فيه، بالكتابة والكلام في قضايا إيمانية وروحية تخص الكنيسة ككل.
وبعد وصول الفيلسوف برلعام -الذي تعلم في الغرب- الى القسطنطينية، وزيارته لجبل أثوس، شرع في مهاجمة رهبانه، منتقداً صلاة السكينة والهدوء التي كانوا يعيشونها، ويطمحون أن يلتقوا مع الله ويعرفونه. فما كان من القديس غريغوريوس إلا أن وصل الى سالونيك ليرد هجمات برلعام، شفاهاً كانت أم كتابة. وطالت المواجهة مع برلعام، وفيما بعد مع البعض الذين تبنوا أفكاره ودافعوا عنها. وخلال تلك المواجهة الطويلة -والتي تخللتها أحداث عديدة، منها أسر وسجن القديس غريغوريوس- عقدت ثلاثة مجامع في القسطنطينية، إنتصر فيها رأي القديس بالاماس. كما انتخب مطراناً على سالونيك، حيث رعى شعب الله بأمانة. وبعد إنتقاله بفترة قصيرة أعلنت قداسته.
ما يهمنا من الصراع مع برلعام ومؤيديه أن نشدد على حقيقتين فقط من الحقائق التي أوضحها القديس غريغوريوس لإرتباطهما الوثيق مع واقعنا الإيماني الذي نعيش، وخاصة في هذا الصوم المبارك، وهما:
1- يدعي برلعام –كما بالنسبة للكثيرين من الماضي والحاضر- أنه عن طريق العلوم الفلسفية، أي عن طريق الحكمة العالمية، تكتشف الحقائق الإلهية عندما نجدّ في طلبها. وينسون أن هذه الحقائق "أخفاها رب السماء والأرض عن الحكماء والفهماء وأعلنها للأطفال" (مت25:11)، "وأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء"، "وأيضاً الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة" (1كو19:1، 20:2). ومما قاله قديسنا في هذا الصدد أنه "في إستخدامنا لبعض المبادئ التي يمدنا بها التدريب الفلسفي في سبيل توضيح الكتاب المقدس قد نخرج بكثير من السهولة عن الطريق السوي، إذا كنّا لا نقتني الروح القدس الذي هو المفتاح الوحيد للكتاب المقدس". وبالطبع لا يُقتنى الروح القدس عن طريق إستعمال الحكمة البشرية، بل عن طريق حياة الإيمان في الكنيسة، من خلال أسرارها وحفظ الوصايا الإلهية ولا سيما الصلاة للوصول الى القداسة ونقاء القلب وبالتالي الى معرفة الله.
2- لقد هاجم برلعام صلاة الرهبان الهدوئيين الذين كانوا يفتشون عن الله لكي يلتقوا معه ويعرفوه، لأنه لم يكن يؤمن أن الله فعلاً يمكن أن يرى وأن يعرف، كما قال الرب نفسه (يو7:14، 9)، ومن خلال نوره أو مجده غير المخلوق كما حصل على جبل التجلي (مت2:17). أما غريغوريوس فقد أجاب: "هل تعتقدون أن الروح القدس الذي يفحص حتى أعماق الله (1كو10:2) لا يعاين أيضاً ما هو مختص بالله؟ لذلك إذا تخطى الإنسان ذاته وتقبل فيه "الروح الذي من الله"... كيف لهذا الإنسان أن لا يعاين بالروح النور غير المنظور"؟ هذا لأن الروح القدس فيه يصير عوض الذهن والعين والأذن وبه يرى ويسمع ويدرك. إذ يشعّ نوره الإلهي غير المخلوق في الإنسان كله، ويجعله يرى ويحيا في شركة الثالوث الأقدس. هذه الشركة هي بالذات ملكوت السموات الذي بشرّ به المسيح وتجلى، وهي بالذات الحياة الأبدية التي فيها سوف يتلألأ الأبرار ويحيون غبطة الدهر الآتي، إذ يصبه "الله الكل في الكل".
على هذا الأساس فكل ما يتناقض مع الوصول الى ملكوت الله، وتحقيق الهدف الذي من أجله خلق الله العالم يتناقض مع الأرثوذكسية. لأن الأرثوذكسية ليست فقط الرأي المستقيم بل هي أيضاً الحياة المستقيمة التي توصل الى ملكوت الله. وكل من ليس عنده هذه الحياة المستقيمة فليس عنده الرأي المستقيم، والعكس صحيح.
في بداية هذا الصوم المبارك نتذكر جواب المسيح لتلاميذ يوحنا عندما سألوه: "لماذا نصوم نحن والفريسيون كثيراً وأما تلاميذك فلا يصومون". فرد عليهم قائلاً: "هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون". (مت14:9-15).
لماذا نصوم إذن؟ أليس لكي نتوب، فنلتقي مع العريس الذي رفع عنا بسبب خطايانا ولا مبالاتنا؟ وعندها قد نعرفه ونراه وتبتهج قلوبنا، وخاصة حين سينبلج من القبر قائماً من بين الأموات له المجد الى أبد الدهور. آمين. (الأب د.جورج عطية)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات