قيامة الرب في المجدلية

تبقى المجدلية، الإنسانة التي تسمرّت في مجاري التاريخ. صورة حيّة لما تجترحه المحبة. كما تبقى صورةً لروعة الإشراق النفسيّ الذي يحدثه الانقلاب الداخليّ، ورمزاً لقدرة الحق على تفكيك عقدة الأهواء وخنق الجنوح الأرضيّ في الوجدان ومد السلالم الروحية بين الأرض والسماء.
مريم المجدلية وقفت أمام المخلص، وفي نفسها عتّو الجمال البشري وإغراؤه وسحره. وكان هو يقف صامتاً أمام خليقته المتحدية. وكم تحدّت البشرية الحقيقة... وكم أصابتها الويلات من جراء تحديها...
أجل إن الإنسان ذا المصدر الإلهي يحبّ الصراع ولا يتوخى من حياته غير الكفاح والجهاد. إنه يريد أن يكون إلهاً وهو المخلوق ليكون. إذا عرف أن يلجم أهواءه انفتحت طريق الحرية أمامه وإذا تمكن من أن يدوس أنانيته وكبرياءه نمت فيه غرسة المعرفة. وإذا عرف أن يجمع بين الحرية والمعرفة في قلب مليء بنور محبة الله تمكن من إعادة الصورة الإلهية إلى وحدتها وإلى حركتها الإلهية، وشق أمامه طريق العودة إلى الفردوس المفقود كبرياءً وغروراً، وفتح أمامه طريق الحرية بحريته.
الحرية هي الله. هي تعبير عن جوهره. منها تأخذ المحبة وجودها والعدل سلطانه والمعرفة ضياءها. الذي لا يملك الحرية لا يعرف أن يحب. لا يستطيع أن يعدل. ما المحبة في إنسان تسجنه أهواؤه؟ ما العدل تقيده المصالح والأغراض المظلمة؟ الحرية هي نبع كل الفضائل التي تُبقي الإنسان في حالة من الاتزان الفكري والتناسق الشعوري والتناغي المعرفي. لسان الثالوث هو الحرية. كلمة الله المتجسد هو الذي عبّر عن هذه الحقيقة الإلهية. كونوا مع الحق والحق يحرركم. دعوة الله لخليقته دعوة إلى حريتها في الله. جاء ليحررنا، جاء ليعتقنا، تحررنا يتحقق بالصلب. يجب أن نصلب نفوسنا. المحبة تفترض الصلب لنصل إلى حريتنا. طريق الحرية تبتدئ بالمحبة. الصليب هو المنتهى العظيم لمن كفروا بأنفسهم سعياً وراء انعتاقهم وحريتهم. وهو الثمرة الأخيرة للمعرفة المؤلهة. هو لسان الثالوث وتعبيره في العالم، لسان حريته ومحبته، لسان التحدي العظيم لكل الأصنام البشرية التي ينحتها الفكر البشري المغرور. ماذا يبقى من الإنسان إذا جرد من حريته ومحبته؟ جيفة نتنة من الأهواء، قذارة في مزبلة للأمجاد الزائلة والمشاعر البهيمية. إذا فقد داخلنا حريته تحول إلى جحيم تتأجج فيها نيران أنانيتنا وكبريائنا. مرضنا العظيم هو الخلط بين حريتنا وأهوائنا، وعدم قدرتنا على التمييز بين حقٍ وحق، ومحبةٍ ومحبة، وعدلٍ وعدل، وعقلٍ وعقل. هذا التمييز هو القاعدة الثابتة للفصل بين الخير والشر، وللبنيان في عالم حريتنا ومحبتنا. وبدونه تبقى حياتنا راقصة فوق فوهة البركان ومخنوقة بيد الموت.
كان المخلص يقف صامتاً. صمت الله يحمل كل الأنغام المبدعة. صمته جمالٌ يتكلم في الطبيعة، وفكرٌ يغامر فكرنا، وخيالٌ يجذب خيالنا، ومحبةٌ تصير عصيراً في الشجرة، ولوناً في الزهرة، ونضجاً في الثمرة، ونشيداً في الغدير، وترنيماً في الموجة الحالمة. أما صمت الإنسان فهو أهواءٌ ملجومة وأفكارٌ عارية، وقلوبٌ طاهرة، وأعينٌ تموج في نور، ولسانٌ تحركه أعماق صامتة ينشر بصمته حقيقة جمال الصمت وقدرته الخلاقة.
كان صمته يتكلم ويجترح العجائب في كيان المجدلية المغرورة. ما أشد ادعاء المجدلية... ما أشد ادعاء التراب بمقدرته وقوته... وفجأة، وأمام صمت الرّب المطبق تتغير الصورة. فالتي ما عرفت الخجل يغزوها الشعور به. التي غلبت بجمالها الترابي النفوس الترابية، تشعر بأن قوة جمالها قد ضاعت. رأت نفسها تصغر وتصغر، ورأت هذا الإنسان الواقف بثيابه البسيطة، وبيده عصاه، يكتب بها فوق التراب، يعلو ويعلو. وأحسّت أن رأسه لا يلامس الفضاء فحسب بل صار سماءً وعالماً مختلفاً عن عالمها. صارت العصا شعاع نور، والتراب أخذ يتحرك. فكأنه يتكلم ويقول: أنتِ تراب وجمالكِ تراب. إذا لامستك هذا العصا تفجّر ترابكِ بجمالٍ خالد لا يذبل ولا يموت. لقد شعرت أمام هذا المنتصب أمامها بحركة عجيبة في داخلها. شعرت بشرارة تبرز من تحت رماد الأزمنة. شعرت أن أحاسيسها أخذت تتغير، وكذلك رؤيتها. الضياء في عينيها أخذ طابعاً جديداً. تبدلٌ كليّ غزا روحها وشمل جسدها. نسيت جمالها ونسيت ماضيها. استولى عليها ذهول المستنير. كانت في سجنٍ وخرجت إلى النور. أناملها أخذت تداعب جفنيها. ما هذا الجمال الذي أرى؟ ما هذا العالم الجديد؟ هذا إنسانٌ ما رأيت مثله ولن ترى البشرية كلها. وتساقط الجمال الأرضي، وتساقطت الأهواء، ومادت الأرض واهتزت الكواكب. لقد تحرر الإنسان من أهوائه. نظرة واحدة إلهية جعلت هذا الجبل من الأهواء والعواطف الترابية ينجرف أمام عصا صامتة كتبت فوق الرمل تاريخ انبعاث إنسان في العالم الجديد.
ماذا بقيَّ من المجدلية؟ كل شيء تغيّر فيها. ما كانت لترى الجمال الحقيقي، فصارت تشعر به ينمو في داخلها. ما كانت لتشعر بخفقة الأزلية، فصار محيط الأزل يدندن في داخلها. كانت تركض وراء التافه فصارت تركض وراء الحقيقة. كانت تتطيّب فصارت تسكب الطيب فوق أقدام من خلصها، وتنشفها بشعرها. ألم تصبح الشاهد الأول على القيامة. ألم تقطف ثمار دموعها رؤية إلهها وربها يقوم من بين الأموات من أجلها ومن أجل الإنسانية؟ كم بكت مريم وكم تألمت وهي تنظر مخلصها يُصلب، ويدق الاثمة في يديه ورجليه مسامير إثمهم. لم تنم تلك الليلة. أنى لها أن تنام، لقد مات بريءٌ بأيدي اثمة. الاثمة يعيشون والبريء يُعلَّق على فوق صليب. يحرر اللص، ويُبصق على من بيديه كل الخليقة. تُصلب الحقيقة والمعرفة والعدل والقوة التي يمكنها بإشارة واحدة أن تحول الدنيا إلى سديم. ويطلق اللص حراً يعيث في الأرض فساداً. لم تنم مريم وكان الناس ينامون كأنهم ارتاحوا من ويل كبير. لم تنتظر الصبح فحملت عينيها المقرحتين وركضت. ماذا؟ القبر مفتوح والأكفان موجودة... أين هو مخلصي؟ وتلتفت حائرة. ترى إنسان ظنته البستاني، تسأله عن مخلصها. من صوته عرفته. تركض إليه. يقول لها: مريم، لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. أناملك ترابية لا تستطيع أن تلامس جسداً تغلب على الموت. انطلقي وبشّري. أنت الرسول الأول للقيامة. إنك تعرفين ما القيامة. تحولك الداخلي قيامة عظيمة تريك قيامة الإنسانية كلها. اذهبي وأعلني أن مخلصك قد تغلب على الموت لأنه حق. وحول الصليب إلى شجرة مثمرة بالخير لأنه محبة. والقبر صار ينبوعاً من الأنوار، لأن الذي دفن فيه هو كل الحياة، وكل النور. والأكفان التي لفني بها الخطأة صارت حبلاً من الرجاء تربط الأرض بالسماء. ونار الجحيم صارت ضياء للذين ماتوا واستجابوا لصوت الحق. لقد نزلت إليها فتحركت العظام، وانتصبت وركعت، وناحت على خطاياها. لقد سبيت الجحيم ومزقت معدتها النهمة، وسددت فمها بكلمة حقي فاكتنفها الضياء، وتكحلت عيون الأموات بالجمال الإلهي.
هذه الصورة الناطقة عن تلاقي الخالق بالمخلوق ستتتالى وسترسم لوحات عجيبة في التاريخ الإنساني. انبعاثات روحية تعيد للنفس البشرية قدرتها على التصدي للأمراض المميتة، وتمكنها من التغلب على الموت الذي يعمل فيها. يالقوة التلاقي... إذاً كان هذا التلاقي بين محبة الله لنا ومحبتنا له؟ القيامة هي هذا التلاقي. وهي الرسم الأخير لما ستصير إليه الإنسانية وما يشتاق إليه الرب. شوق الرب إرادة. وشوقه طريق يقودنا إليه. غرور الإنسان يحطمه الغرور الإنساني. أما شوق الرب إلينا فقوة جاذبة تجنحنا. ولابد للعالم أن ينتهي إلى فردوسه، أن يصير فردوساً تحتضنه أنوار القيامة المجيدة. ستبقى الإنسانية تدور وتدور مخدوعة بغرورها. لكن سيصيبها الدوار لترى نفسها مرمية فوق صليب الرب ترتل نشيد خلاصها وقيامتها من ظلمة الموت إلى الحياة الخالدة. ستدور في غيها وتحفر قبورها بأيديها. تنهش لحومها وتستعمل عظامها للقتل. تلعق الدم وتتكحل بالحمأة. تنام على الحقد وتستيقظ على الانتقام، تطعم الرغيف فلا تحرك لسانها بالشكر. وتسعى فلا ترفع عينيها إلى فوق. ستدور في دنيا شكوكها وقلقها. لكنها ستعود كالمجدلية إلى نبع القيامة. ستقف أمام الخالق بعيونها المقرحة وقلبها الذائب في محبة الرب، لتترك أكفانها في الأرض، وتصعد إلى حيث يتكلل القديسون بإكليل الظفر. تجسّد الرب وصلبه وقيامته، رمزٌ لتجلينا بحريتنا ومحبتنا وصعودنا إلى حيث ننضم إلى هالات النور المحيطة بالثالوث المقدس. ملكوت السموات ليس طعاماً وشراباً، بل ملكوت عدلٍ ونسكٍ وصلاة، ملكوت سلامٍ روحي يبتدئ في الأرض وتتحدد كل معالمه هنا. النهاية هي المحبة. وحكمها هو الذي سيبقى، وهي الحضن الدافئ الذي سيحتضن البشرية كلها المنظورة وغير المنظورة.

الياس الرابع
بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس

1970-1979