معلِّم الصلاة بامتياز هو العشّار الوارد الكلام عليه في إنجيل لوقا، الإصحاح الثامن عشر، الآيات العاشرة إلى الرابعة عشرة. صعد إلى الهيكل ليصلّي. كان يعمل السيئات عنوة وإلاّ ما صعد لأنّ القول الإلهي: "كل مَن يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله" (يو 3: 20). كيف يعمل الإنسان السيئات عنوة؟ بقوّة العادة، وبالأَولى لأنّه، في أذهان الناس، مصنَّف. تصرّفات الناس، أحياناً كثيرة، تحدّدها توقّعات الآخَرين. إذا صنَّفوا أحداً زانياً لا يتوقّعونه غير زانٍ ولا يصدّقونه إذا رأوه قد عفّ. يقولون يتصنَّع، يمثِّل. والناس مرآة. إذا قالوا فيك شراً مِلتَ بالأكثر إلى الشرّ، وإذا قالوا فيك خيراً مِلتَ، بالأحرى، إلى الخير. لذا لا يساعد الناس الشرّير على التوبة بل تلقاهم يستحلون غبطة شرّيرة إذا ما رأوا أحداً مصنَّفاً يغرق. صعب على الشرّير، والحال هذه، أن يتوب. وإذا ما تاب كان عليه إما أن يغادر معارفه أو يكون على تواضع كبير وتوق كبير إلى الله. العشّار صعد إلى الهيكل لأنّه ملّ الخطيئة حتى العَظم ولمّا يعدْ يبالي بما يقوله الناس فيه. هذا ترافق وشعور عميق لديه برحمة الله.
وقف العشّار، في الهيكل، عن بُعد. قَرُب من الله عن بُعد. اعتبر نفسه غير مستأهل. لم يبعد عن الله. فقط وضع نفسه. التواضع، بالضبط، هو هذا أن تقرب الله عن بُعد. تقرب الله لأنّه ليس لك آخَر تذهب إليه. "إلى مَن نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك". لكنك في دنوِّك منه تستبعد روحك عنه. تفعل ذلك، مادياً، بحركات شتى كما فعل العشّار. "وقف عن بُعد". "لم يُرد أن يرفع عينيه إلى السماء". "كان يقرع صدره قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ". لم يشأ في هيكل الله أن يكون كمَن في بيت أبيه. لم يعامله الله كغريب. عامل نفسه كذلك. كدخيل. في الداخل ولكن كدخيل. لم يشأ أن ينظر إلى السماء. السماء ملء الله، وجهته.
حين لا ترفع عينيك إلى فوق تكون كمَن يتوارى في خجل نفسه. كل العشّار كان خَجَلاً. كل خطاياه حضرته في تلك اللحظة لا كأحداث وحسب بل كواقع كياني مضنٍ. الخطيئة على الخطيئة في نفس التائب وجع على أعماق. كلّما عمقت الخطيئة عمق الوجع. ولمّا يُصَلِّ كأهل البيت. أهل البيت يصلّون كمَن لهم دالة لأنّ حفظ الوصايا، في وجدانهم، يجعلهم من الأقربين. أما هو، العشّار فصلّى كغريب يطلب القربى. "ارحمني أنا الخاطئ". أنا غريب عنك لأنّي خطئت إليك.
آثامي هجّرتني عنك. قارب العشّار ربّه برهبة، رهبة الغريب المعرّض لأن يُطرد خارجاً. "اطرحوه في الظلمة البرّانية". الصلاة بحاجة إلى مثل هذه الرهبة وإلاّ لا تكون. بالتواضع جعل العشّار نفسه خارجاً. لست أنت مَن يدخل بيت الله. الله يُدخلك. ربما تدخل المكان لكنّك لا تدخل القلب. لكي تدخل القلب تضع نفسك خارجاً فيأتي ويدعوك إليه. منطلق العشّار الكياني كخاطئ، لا بل كخطيئة، أي كل كيانه كَجِبْلَةِ خطيئة، هو ما أهّله لأن يدخل إلى الداخل. "ما جئت لأدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة". كيف تكون هناك توبة إن لم يكن هناك شعور حاسم بالخطيئة؟"
عين العشّار كانت على خطيئته. "خطيئتي أمامي في كل حين". ومع ذلك قلبه كان على رحمة الله. "ارحمني". قرباه من الله تمثّلت في يقينه العميق بأنّ الله رحيم. لذا بدا العشّار قريباً على بُعد وبعيداً على قرب من ربّه. في هذا الكرّ والفرّ الكيانيَين استبانت صلاة العشّار لغة الإنسان الخاطئ واقفاً بإزاء ربّه ولغة الإله الرحيم بإزاء ابنه الشاطر الذي انشطر وشطرته الخطيئة عنه إلى بلاد بعيدة.
ركنا الصلاة اللذان لا ينفصمان: الشعور بالخطيئة ورحمة الله. إذا ما اكتفيتَ بالإحساس بالخطيئة اصطادك الشيطان إلى اليأس بقوله عنك: لا خلاص له بإلهه". وإذا ما اعتبرت رحمة ربّك تحصيل حاصل ألفيت الباب موصداً دونك. علامَ يرحمك؟! إذا لم تكن عليلاً، إذا لم يكن إحساسك بالعلّة يضنيك فأنت تسخر من الطبيب إن سألته العافية. الإحساس بعماك أولاً حتى يعطيك البصر. الإحساس بالنجاسة أولاً حتى يمنّ عليك بالنقاوة. الإحساس بالخطيئة أولاً حتى يسبغ عليك الغفران. عبداً تأتيه وتشعر بأنّك كذلك فيجعلك ابناً. لذا لا حسّ بالله ما لم تحسّ أولاً بخطاياك. الإحساس بالخطيئة يذيقك تواضع القلب وتواضع القلب يدنيك من ربّك. بالتواضع تستدعي العليّ إليك. هكذا أضحى العشّار معلّم الصلاة، بيقينه العميق أنّه إنسان وضيع، خاطئ وبيقينه العميق، في آن، أنّ الله رحيم.
إذا كان الإنسان مساهماً الإحساسَين معاً، في كونه خاطئاً وفي كون الله رحيماً، فالله مساهم أيضاً. من دون الله، في الحقيقة، لا إحساس حقيقي بالخطيئة في مستوى الكيان. الخطيئة كواقع غريب عن كيان الإنسان، كظلمة، كغربة. يحضرك الله بنعمته وأنت في الخطيئة فتعي أنّك في غربة عنه. لأنّك تشعر بحضرته تصبح غربتك عنه واقعاً مأساوياً. كذلك من دون رحمة الله لا تذوق الإله الرحيم ولا ترنو إليه. لا تشتاق. لا تنشدّ إلى ما تفتقده. لذا الله حاضر في الخاطئ حضوراً كبيراً. لا في خطيئته بل في شخصه. هكذا يتمثّل إفراغ الله الكامل لنفسه فينا كل حين.
كل هذا إذا ما تمثّلناه في تعاطينا العبادة كل يوم يؤتينا صلاة من الأعماق. بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدّموا. خطيئتي أمامي في كل حين. لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين، انظر إلى نفسي وخلّصها. الهيكل مكان لقاء. ألتقيه ويلتقيني. آتيه مجرّحاً فيغمرني بحنانه. آتيه ضالاً فيوجدني. آتيه ميتاً فيحييني. الصلاة، في نهاية المطاف، حياة. حين قال السيّد عن العشّار إنّه نزل إلى بيته مبرَّراً دون ذاك (أي دون الفرّيسي) فهذا لأنّ البر رضى الله، والله يرضى عن الذين يضعون أنفسهم بإزائه. الخطيئة ليست بشيء. حتى الخطيئة جعلها الربّ الإله للخلاص، للفرح. لا لأنّها فرح في ذاتها بل لأنّها معلّمة الاتضاع. وبالاتضاع والدموع نأتي إلى الفرح. "تواضعوا تحت يد الله لكي يرفعكم في حينه، ملقين كل همّكم عليه لأنّه هو يعتني بكم" (1 بط 5: 6 – 7).
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات