المسؤوليّة في المفهوم المسيحي


بقلم: د. كوستي بندلي

لا بد لحديث عن المسؤولية أن يبدأ بحديث عن شخص المسؤول...(فالمسؤوليّة المسيحيّة) لا تقوم في الأساس على مبادئ ونظم وأساليب (وحسب) بل على أشخاص يحيون ويحبون ويشعّون وينمون معًا. فالشخص نواة العمل.. ومرتكزه الأخير.
وكل شخص في (الكنيسة) مسؤول بقدر ما هو مكرّس ملتزم. ولكن المسؤولية ألقيت بنوع خاص على الذين عُهد إليهم بقيادة ما، مهما كان مستواها. هؤلاء الذين دعاهم الرب إلى مسؤولية القيادة، ماذا يطلب منهم؟ إن تأملنا في كنه المسؤولية حريّ بأن يعطينا الجواب عن تساؤلنا هذا.
1- المسؤول هو في الأساس من أخذ الآخرين على عاتقه:
هو من حمل على كاهله أثقال الآخرين كما حمل المسيح أثقالنا: "إحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا أتمّوا شريعة المسيح". هو من اتخذ الآخرين "كما اتخذنا المسيح لمجد الله"، فلم يعد يقيم حواجز بينه وبينهم. لقد أصبحت حياته مقترنة بحياتهم. فما يطرأ عليهم يطرأ عليه ويعيشه في أعماقه: "من يضعف ولا أضعف أنا، من يعثر ولا أحترق أنا." (2 كورنثوس 11: 29). إن هذا الشعور بالمسؤولية، هذا الإحساس المرهف بحاجات الآخرين، هذا الألم الخلاّق أمام الضعف الذي يعتريهم، حريّ بأن يلهب المسؤول ويدفعه إلى تحقيق ما كان يبدو له لأول وهلة فوق طاقته. ان ما يقوي المسؤول شعوره بأن عليه أن يكمل ما ينقص الآخرين. فهو يشعر بأنه لا يحق له إلا أن يبقى غيوراً حين تفتر غيرة الكثيرين، إلا أن يبقى يقظاً ولو سهى الكثيرون، إلا أن يبقى مندفعًا، نشيطاً ولو دبّ الخمول في الكثيرين. يشعر بأنه لا يحق له أن يفتر، ولو برهة،" لأنه في اليوم الذي يخمد لهيب الحب فيكم، سيهلك الكثيرون حولكم بردًا" (فرنسوا مورياك).
لذا فهو يغتذي روحياً عنه وعن الآخرين، ويتأجج بالغيرة والمحبة عنه وعنهم، يخلص ويثابر عنه وعنهم، علّه يفيض عليهم من ذاته فينعشهم. ما يوطّد المسؤول، شعوره بأن الغير ينتظرون منه سنداً وقوة.
2- وإذا أخذ المسؤول على عاتقه أثقال الآخرين فلأنه يحبهم:
المحبة أساس المسؤولية وحجر زاويتها. لقد اتخذنا المسيح لأنه أحبنا. فالمسؤول هو الذي يفتح قلبه على سعته لمن عُهد إليه بقيادتهم، أياً كانوا ومهما كانوا، على مثال الرسول الذي كان يكتب للكورنثيين رغم المتاعب التي سببوها له: "أنكم في قلوبنا للحياة وللموت" (2 كو7: 3). يفتح قلبه لهم جميعاً دون استثناء، دون الإنقياد لمشاعره الخاصة التي ربما جعلته يميل عاطفيًا إلى البعض ويبتعد عن البعض الآخر أو يشمئز منه. المسؤول لا يقيم وزنًا للمقاييس العاطفية sympathies et antipathies ضمن إطار مسؤوليته، تلك المقاييس العاطفية التي تجعله متحيزاً في تصرفه، مثيراً للشقاق عوضًا أن يكون رمزاً للوحدة ومحققاً لها. هذا موقف شاقّ (المحبة المسيحية أمر شاقّ بعيد كل البعد عن الأحاسيس الشعرية الرومنطيقية) يتطلب من المسؤول نكراناً للذات واهتداء حقيقياً، عميقاً، كي يرى وجه يسوع من خلال تلك الوجوه كلها دون استثناء، وسهراً حقيقياً على نفسه كي لا تشوّه الميول العاطفية رسالته بصورة لا شعورية أحياناً. محبة المسؤول، ككل محبة مسيحية، غير مشروطة. لذلك "لا تسقط أبداً" على حد تعبير الرسول. فالمسؤول يحتفظ لمن يُسأل عنهم بمحبته ولو ضعفوا، ولو سقطوا لا بل يضاعف محبته لهم إذا خيبوا آماله، لأن ليس المهم أن تتحقق آماله بل أن يحيا الذين أعطاهم الله له و"لا يهلك منهم أحد"، والمحبة وحدها تحيي. هذا الموقف يتطلب من المسؤول انسلاخاً عن مشاعره الخاصة وقبولاً للآخر على ما هو عليه كما قبلنا المسيح دون قيد أو شرط "لا لأعمال برّ عملناها بل حسب رحمته" وأحبنا مجاناً حتى الموت. بدون هذه المحبة لا يمكن أن يكون للمسؤول تأثير أو فاعلية.
فالبشر لا تنفتح قلوبهم إلا لمن يحبهم وإلا انطووا على أنفسهم وأصبحوا، وإن أطاعوا المسؤول، لا يطيعونه إلا بالأشكال والمظاهر. أما الحب عند المسؤول فهو ينتقل إلى مرؤوسيه كما تنتقل الشعلة من مشعل إلى آخر وكما يستضيء مصباح من مصباح. محبة المسؤول لمرؤوسيه تؤهل هؤلاء للإنفتاح إلى المحبة: للمحبة بكل مقاييسها وليس فقط لمحبة شخصه. فالإنسان يصبح قادراً على الانفتاح والعطاء بقدر ما يشعر نفسه محبوبًا. الطفل يصبح قادراً، إذا شبّ، على المحبة المعطاءة لأنه أخذ من حنان والدته مؤونة كافية من المحبة. يحب لأنه أُحب، والا توقف نموه ودفعه جزعه إلى الإنغلاق والجشع والإستئثار. وكلنا لا نزال إلى حد ما أطفالاً نحتاج إلى مؤونة من الحب لنتحرر من إنطوائيتنا. ولذا كانت التربية الإلهية لنا في العهد الجديد في منتهى الحكمة إذ تدربنا على الحب بإظهار حب الله لنا في يسوع المسيح: "نحن نحبه لأنه أحبنا أولاً". هذا هو في النهاية دور المسؤول، أن يهب محبته لمن يُسأل عنهم، ليس فقط لتحقيق هذا التداخل القلبي بينه وبينهم الذي لا تأثير حقيقي له بدونه (فقد كان سقراط يقول عن أحد تلامذته: لا يمكنني أن أفيده بشيء لأنه لا يحبني) ولكن لكي يقودهم أيضاً وخاصة بمحبته إلى المحبة حتى إذا ثبتوا فيها ثبتوا في الله والله فيهم، حسب تعليم الرسول.
3- محبة المسؤول لمرؤوسيه شرط لمعرفته لهم:
من شروط المسؤولية أن يعرف المسؤول مرؤوسيه لأنه هكذا فقط يستطيع أن يلبي حاجات كل واحد، وأن يساعده على إبراز إمكانياته، وأن يفهم مشاكله وآلامه. ولكن هذه المعرفة لا تكتسب بالدراسة النظرية وحسب، مع أن ثقافة المسؤول العامة تساعد على اكتسابها مساعدة لا يستهان بها. انها تتطلب أكثر من ملاحظة مجردة، موضوعية، مع ان التجرد شرط من شروطها لتبديد الأوهام التي كثيراً ما تحول بيننا وبين حقيقة الآخر.فالمعرفة الحقة للآخر، إذا شئناها ثاقبة، عميقة، تنفذ إلى ما وراء الأقنعة لتطال الآخر في فرادته وأصالته، لا يمكن أن تكون إلا معرفة من الداخل، شرطها الإنفتاح إلى الآخر وإقامة الشركة معه. لقد كتب المؤلف سان أكسوبري في "الأمير الصغير": "لا نعرف إلا ما ألفناه"، ونعلم أن الكتاب المقدس يشير بعبارة "المعرفة" إلى التداخل الكياني العميق الذي بدونه ليس من معرفة حقة. إن معرفة كهذه تمكّن المسؤول من أن يرى، وراء العيوب والنواقص الظاهرة، الإمكانات الدفينة ليوقظها، ومن أن لا "يصنّف" نهائياً أحد مرؤوسيه بل يرى تعقيده ومتناقضاته والنزاعات المتصارعة فيه ويقف موقف الرجاء والثقة (ما يسميه كبريال مرسيل faire credit) من الطاقات الكامنة فيه والتي تنتظر حريته. فالمحبة "تصدّق كل شيء وترجو كل شيء" لأنها، وهي من الله، تنفذ إلى أعماق الآخر حيث صورة الله كامنة. محبة كهذه تنعش وتقوّي من تشمله لأنه يشعر بأنه عُرف وفُهم وقُدِّر في فرادته، بأنه دعي باسمه: "وأدعو خرافي بأسمائها".
4- المسؤول موقظ للطاقات الكامنة في مرؤوسيه:
بهذه الثقة الحبية بمرؤوسيه يساهم المسؤول مساهمة فعالة بإيقاظ الطاقات الكامنة فيهم. إنه إذ يتطلع دومًا إلى تلك الصورة المثالية لما يمكنهم أن يكونوا، يساعدهم على تحقيق هذه الصورة فيهم، يلفتهم إلى إمكانيات لم يكونوا يفطنون لها، وكأنه بتصرفه هذا يهتف إليهم بنداء نيتشه: "لا تصدّ البطل الكامن في نفسك". إن المسؤول الذي يقف دومًا من مرؤوسيه موقف الشك والحذر يولّد فيهم اليأس والقنوط. فالإنسان يحتاج ليستمر في مجهوده، إلى من يقدّره، ولكن جهوده تتحطم إذا اصطدمت بشك رؤسائه وفقدان ثقتهم. الثقة موقف مسيحي لأنها تؤمن بصورة الله الباقية في الإنسان، مهما فسد، وبفعالية الفداء، وقد كتب بادن باول: "في كل إنسان ولو كان لصًا خمسة بالمئة على الأقل من الصلاح". أما الرب يسوع فقد قال عن نفسه بأنه لا يطفئ السراج المدخّن لأنه يرجو حتى النهاية أن يشتعل السراج من جديد. لذا يُطلب من المسؤول أن يتخذ موققاً إيجابياً. فعوض أن يرى، خاصة، عيوب مرؤوسيه (العيوب بارزة بطبيعتها أكثر من الخصال الحميدة لأنها تصدمنا وتزعجنا، ولأننا نحاول أن نتلهى بالحكم عليها عن الحكم على أنفسنا)، ينظر إلى ما يبدو فيهم من صفات (والعيوب نفسها كثيراً ما تكون سوء استعمال لصفات حميدة بحد ذاتها) فيساعد هكذا على إبراز هذه الصفات ونموّها. لقد وجدوا في إصلاحيات الأحداث أن ما يساعد هؤلاء على النهوض من كبوتهم شعورهم بأن المسؤولين عنهم يثقون بهم ويترقبون نهوضهم. المسؤول.. بدوره يجب أن يشجع من يُسأل عنهم، مظهراً النتائج التي توصلوا إليها، مبديًا لهم تقديره خاصة إذا أصبحوا على وشك فقدان الثقة بأنفسهم.
5- المسؤول يمارس سلطة:
محبة المسؤول لمرؤوسيه لا تنفي ممارسته للسلطة الموكولة إليه، لا بل تقتضي هذه الممارسة. فالناس، حتى من بدا منهم فوضويًا، لا يرضون غالباً عن سلطة هزيلة، إنما يرغبون في سلطة قوية يستندون عليها وتؤمّن لهم الاستقرار الذي ينشدون. غياب السلطة يفسح المجال لإنفلات الغرائز ويؤدّي إلى التفسخ ضمن الفرقة أو المؤسسة. لذا فالمسؤول الذي يتخلى عن سلطته عن سوء فهم للتواضع أو رغبة في الشعبية أو خوف من إزعاج الآخرين يهيء الطريق للفوضى التي لا بناء فيها.
ممارسة السلطة هذه تفترض عند المسؤول السيطرة على نفسه، أي أن يكون قادراً على ضبط عواطفه ونزواته وغضبه. يجب أن ينبعث الهدوء منه ويتجلى في ملامحه وتصرفاته، ليس ذاك الهدوء الناتج عن مزاج بليد بل الذي ينبع من ضبط النفس وترويضها. إن "نرفزة" المسؤول أو جزعه يحدثان أسوأ تأثير على مرؤوسيه. كذلك المسؤول الدائم التردد، المتسرع أو السريع التقلب لا يمكن أن يُحترم. ضبط النفس عند المسؤول يوحي بالطمأنينة ويشيع النظام ويوطد سلطة المسؤول على أساس متين.