العفّة لأفراد العائلة عافية
والزنى يفكّك النفس والعلاقات
واقع الحال
طرحت، مرّة، سؤالاً على مجموعة من الشبّـان. السؤال كان: هل العفّة ممكنة في الأيّـام التي نحن فيها؟ للحال وبعفوية أجاب أحدهم: مستحيل!
لا شك أن رموز الزنى، اليوم، متغلغلة في كل مشارب الحياة. كيفما تحرّكتَ طالعتك رموز الزنى: في الشارع، في محلّ العمل، في المدرسة، في البيت، في غرفة النوم، في شتّى وسائل الإعلام، في ملابس الناس، في تصرّفاتهم، في عطورهم، في مآدبهم، في أغانيهم، في أحاديثهم... باتت أسلوباً ميسّـراً فعّـالاً يستعين به كل صاحب سلعة ليسوِّق بضاعة له. لم يسبق للإنسان في التاريخ أن مارس تجارة الأجساد كما مارسها ويمارسها منذ نيف وخمسين سنة. المجتمعات، بعامة، ترفض وتكافح ما يُسمَّى بـ "الرقيق الأبيض" أو تجارة الأجساد، لكنها، في الحقيقة، لا ترفضه بالمطلق. ترفضه إذا كان بالإكراه، باستعباد الناس، بالمتاجرة بهم، ببيع الأجساد وشرائها للمتعة. لكنها لا ترفضه، لا بل تستبيح أشكالاً منه اليوم باسم الحريات وتشجّعه. الناس لا يستعيبون أن يتاجروا بصور الأجساد، برموز الزنى، بالإيحاءات الجنسيّة البصرية والسمعية تمثيلاً. الحقيقة الحقيقة أنه ليست هناك تجارة أكثر رواجاً اليوم من تجارة "الرقيق الأبيض" على هذه الصورة. تهافتُ الناس على توظيف طاقاتهم في هذا المضمار هائل. بإمكان المرء أن يؤكّد ان تجارة الأجساد في العالم اليوم هي أوّل وعرّاب كل تجارة بامتياز.
ذاك الشاب، إذاً، الذي أجاب بعفوية على السؤال بشأن العفّة انها مستحيلة إنما يعكس هذا الجو الضاغط الذي بات فيه الزنى مطبّـعاً ومشيَّـعاً، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى أبعد الحدود. في الماضي كان المائلون إلى الفجور يُشبعون رغبتهم ويُـفسدون أنفسهم في أمكنة خاصة تُـعتبر، عند العامة، مشبوهة، واليوم، عبر التلفزيون والكومبيوتر، اخترق الفجور كلّ الحجُب واستقرّ، بين العامة، حتى في غرف نومهم، وسهّـل لهم إفساد أنفسهم من دون حسيب أو رقيب أو شعور بالذنب. بالأمس كان الغوى وكشف الأبدان والتهتّـك نصيب الفاجرين والفاجرات فأضحى اليوم تعبيراً عن الحرّيات. ما كان يُـعتبر، البارحة، رذيلة، صار يُـعتبر اليوم أدنى إلى الفضيلة الاجتماعية. ما ظنّ الناس، بالأمس، أنه إفساد للحياة وانتهاك للحب والزواج، أضحى اليوم انفتاحاً وحداثة. فلا عجب، في مناخ كهذا المناخ، ان يسود الظنّ ان العفّة قد عفّ عنها الزمن وارتحل عنها الناس وان الزنى بات من عاديات الحياة.
معاني الألفاظ
لا بدّ لنا، بادئ ذي بدء، من أن نحدّد معاني الألفاظ التي هي في التداول في الشأن المطروح. ما هو الزنى؟ الزنى، في أذهان الناس، هو الخيانة الزوجية سواءٌ من جهة الزوج أو من جهة الزوجة. وما هو الفسق؟ الفسق هو العلاقة الجسدية بين ذكر وأنثى عازبَين أو مطلَّقَين أو أحدهما عازب والآخر مطلَّـق. وما هو الفجور؟ هو ارتكاب المعاصي. وما هي الفحشاء؟ هي ما قَبُح من الأفعال والأقوال. والفجور والفحشاء يمكن أن يكونا، أيضاً، مرادفَين للزنى. لهذا السبب للزنى معنى ضيّـق، هو الخيانة الزوجية، ومعنى واسع يشتمل على كل العلاقات المختلّة بين الذكور والإناث، والذكور فيما بينهم والإناث فيما بينهن. كما يشتمل الزنى على علاقة الإنسان بجسده، إذا اختلَّت، سواءٌ عند الذكور أو عند الإناث. مثل ذلك ما يُعرف بـ "العادة السرّية". ثمّ للفظة زنى استعمال لا يقتصر على ما هو للطاقة الحيوية عند الناس، أو ما يسمّى بـ"الجنس"، بل يتعدّاه إلى كل فساد له علاقة بالإنسان، في الجسد أو في النفس أو في الفكر أو في القلب أو في الكيان. فالإنسان يزني بعينه، أو بأذنه، أو بلسانه، أو بأي عضو من أعضاء جسده، كما يزني بأفكار قلبه. لاحظوا هنا ان ثمّة أفكاراً لها علاقة بالعقل وهي نتاج عقلي، مفاهيم عقلية، كأن تقول ثلاثة وثلاثة تساوي ستة. وهناك أفكار لها علاقة بالقلب، تنبع من القلب، من نوايا القلب ومقاصده، وتُوجِّه الإنسان في هذا الاتجاه أو ذاك. أفكار العقل يُحكم عليها باعتبار ما إذا كانت صحيحة أو مغلوطة، وأفكار القلب باعتبار ما إذا كانت صالحة أو شرّيرة. فأفكار القلب، بهذا المعنى، تكون زانية أو عفيفة، تدفع الإنسان إلى الزنى أو تدفعه إلى العفّة.
إذا كان هذا هو الزنى فما هي العفّة؟ العفّة هي أن يكفّ الإنسان ويمتنع عن المُنكر ويبقى في حدود ما هو حلال. فهناك عفّة في القول والفعل والفكر، وهي تطال كل ما للجسد والنفس والذهن والقلب. فالإنسان يعفّ بعينه أو بأذنه أو بلسانه أو بأي عضو من أعضاء جسده، كما يعفّ بأفكار قلبه.
وهناك، إلى جانب هذه الألفاظ، ألفاظ أخرى بحاجة إلى تحديد. العُذرة. ما هي العُذرة؟ العُذرة هي البكارة، ان يكون الرجل أو المرأة بكراً. لا قيمة للعُذرة في ذاتها لأنها مجرّد واقع طبيعي. قد تكون عديمة القيمة إذا كان الإنسان زانياً في أفكار قلبه، وقد تكون جليلة القيمة إذا ارتبطت بالعفّة. من هنا تسمية الفتيات اللواتي كنّ، في الماضي، في الكنيسة، بكارى وسلكن في العفاف، بـ"العذارى". فالعذراء، في الاستعمال الكنسي، هي البكر العفيفة لا البكر فقط. بهذا المعنى بالذات وُصِفت والدة الإله بـ"العذراء" مريم.
أما لفظة بتول فتُطلَـق على الذكور والإناث معاً، وهي تعني، في الاستعمال الشائع، العفيفة أو العذراء، لكنها بالمعنى الدقيق للكلمة أكثر من عفاف، ولا تتوقّف عند حدود العُذرة، بل تطال كل إنسان سلك في العفاف ثم بلغ كمال العفاف وسكن فيه روح الله. فالإنسان الذي يسكن فيه الله بعد ان يكون قد بلغ كمال العفاف يُسمّى "بتولاً".
موقف الكنيسة من الزواني؟
موقف الكنيسة من الزواني صارم. في العهد القديم تحذير من الزنى وعقاب قاس للزواني. "الزاني بامرأة"، كما ورد في كتاب الأمثال، "عديم العقل" (6: 32). و"إذا زنى رجل مع امرأة... فإنه يُقتل الزاني والزانية" (لا 20). وأجرة الزانية كثمن الكلب لا تُقبَل في الهيكل لأنها رجس لدى الرب الإله" (تث 23).
وكما في العهد القديم كذلك في العهد الجديد حثّ وتحذير. "هذه هي إرادة الله قداستكم، ان تمتنعوا عن الزنى" (1 تسا 4). لا الزنى بالفعل فقط بل بالفكر أيضاً. "كل مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه". على المؤمن بيسوع، إذا ما راودته أفكار الزنى، أن يكون عنيفاً مع نفسه، حفاظاً على عفّة نفسه. "إن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك لأنه خير لك ان يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كلّه في جهنّم" (متّى 5). وعلى المؤمن أيضاً لا أن يتحاشى الزنى فقط بل بالأَولى أن يهرب منه لأنه أخطر الخطايا. لماذا؟ اسمعوا ما يقوله الرسول بولس في 1 كور 6 للمؤمن: "اهربوا من الزنا. كل خطيئة يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد. ولكن الذي يزني يخطئ إلى جسده. أم لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله... فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله". فإن سمع الزاني وتاب فحسناً يفعل وإن لم يسمع فويل له لأن العاهرين والزناة سيدينهم الله (عب 13). الزناة سوف يُـلقَـون في الظلمة البرّانية حيث البكاء وصريف الأسنان. لماذا؟ لأنه "لا زناة... ولا فاسقون ولا مخنّثون ولا مضاجعو ذكور... يرثون ملكوت الله" (1 كور 6).
وكما في العهد الجديد كذلك في قوانين الآباء والكنيسة. معاملة الزواني صارمة. القانون 20 من مجمع أنقرة (314) يحدّد "كل زان وزانية يُقطع من الشركة مدّة سبع سنوات". قانون القدّيس يوحنا الصوّام يفرض على الزاني توبة مدّتها ثلاث سنوات مع رسوم معينة من الصيام والركوع. القدّيس باسيليوس يفرض على الزاني في قانونه الثامن والخمسين توبة مدّتها خمس عشرة سنة. والقدّيس غريغوريوس النيصصي يجعلها ثماني عشرة سنة. والفاسق، في القانون الرابع من قوانين القدّيس غريغوريوس النيصصي، يُمنَع من دخول الكنيسة ثلاث سنوات، ويقيم سامعاً ثلاث سنوات وراكعاً ثلاث سنوات ثم يُـقبَــل في الشركة إذا أبدى ندامة صادقة.
مَن هم المجرّبون بروح الزنى؟
الزنى مرض. كل إنسان مجرّب، معرّض لا فرق، متزوّجاً أو عازباً، من عامة المؤمنين أو من الرهبان والإكليروس، رجلاً أو امرأة، شاباً أو شيخاً. ولا يظنّن أحد ان الزواج الكنسي يجعل كل شيء محلّلاً بين الرجل وامرأته. روح الزنى يمكن ان يعشّش في نفوس المتزوّجين، حتى لو لم يدخلوا في علاقة مع طرف ثالث. يعشّش في عيونهم، في أسماعهم، في حركاتهم، في أثوابهم، في عطورهم، في سهراتهم، في تصرّفاتهم، في أنوثتهم ورجولتهم المريضة، في قلوبهم. طالما استبدّت بهم الرغبة في متعة الأجساد وما ضبطوا أنفسهم وأخضعوا توثّبات نفوسهم ولجموا ولطّفوا وهذّبوا أبدانهم بالحبّ الخفر اللطيف المبارك ومخافة الله فإنهم في الزنى واقعون. أجل هناك زنى في قلب الزواج والمتزوّجون بحاجة لبعض النسك لكي يحصّنوا أنفسهم. لو تُركت الأبدان لنوازعها لجمحت بالمتزوّجين إلى الهاوية وأفسدت عليهم كل حياتهم وباعدت ما بينهم وبين الله. ثمّـة مَن يظنّ أنّ طبيعة الرجل، (وأحياناً المرأة)، تجعله غير قادر على الاكتفاء بامرأة واحدة. ثم ليس صحيحاً أنّ الزنى ناشئ عن ضرورة بسبب الرغبة الطبيعية في الناس، بتعبير القدّيس يوحنا الذهبي الفم، بل عن ميل إلى اللهو والبطر والفجور. بعض الناس يظنّ أنّ هناك مَن هم مدفوعون إلى الانحراف في العلاقة الجسدية بسبب خلل في الجينات لديهم. هذا يدفعهم، كما يقولون، إلى المثلية (ذكوراً مع ذكور أو إناثاً مع إناث). الميل لا يعني الانحراف جبرياً. بل بالانتباه والإرادة الطيِّبة والجهاد ونعمة الله يبقى صاحب الخلل الجيني في حدود الأمان. هذه خبرة المؤمنين.
كلا ليس الزنى من عمل الطبيعة
كلا، أبداً! الزنى إفساد للطبيعة. adulterium التي تعني زنى في اللاتينية هي من جذر adelterare التي تعني إفساد. الزنى انحراف في النفس، تحوير للطبيعة، تحويل لمجراها، استغلال لعمل الله، إفساد له. كيف؟ بجعل اللذة مبدأ الحياة. الزاني لا يهمّه من الحياة سوى متعتها. فإن تمتّع حَسِب نفسه حيّـاً وإن لم يتمتّع حسب نفسه ميتاً. اللذّة عنده محور الحياة. لكنّ الحقيقة أنّ اللذّة عنده هي اللعنة المتفرّعة عن حبّ الذات. أقول لعنة لأن حبّه لذاته يفرضها عليه ولأن الإنسان بسلوكه في اللذّة يسيء إلى نفسه، يؤذيها، يستهلكها، يستعملها، يستغلّها إلى ان يستنفدها. طبعاً هذا الكلام بحاجة إلى توضيح. ماذا يعني؟ دونكم هذا المثل: الإنسان يأكل ليغتذي، ليستمرّ في الحياة ما قدّر له الله وبُنيتُه. ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالإنشراح وهو يأكل ليسدّ حاجة نفسه. هذه متعة طبيعية. ولكنْ حين يصبح الغرض من الأكل هو المتعة، إذ ذاك ينحرف الإنسان عن مجرى الطبيعة، يتعاطى الطبيعة بصورة غير طبيعيّـة. همّه الأوّل يصبح متعة الطعام. يأكل ليتمتّع. تتحوّل التغذية إلى موضوع متعة. تسعة وتسعون في المائة مما يأكله الإنسان لا يحتاج إليه، وقد يؤذيه. أكثر الناس يموتون من كثرة الطعام ومن سوء التغذية. فنّ الطبخ لا يتوخّى سدّ حاجات الناس الغذائية بقدر ما يتوخّى إشباع شهوة البطن والحلق. تلك المائدة الممدودة والتي توضع عليها عشرات الأطباق والأنواع الفاخرة من المشروبات ولا يُدعى إليها سوى أنفار من الناس بعدد أصابع اليد، ما القصد منها، الغذاء أم المتعة والمجد الباطل؟ يمتّعون أنفسهم قدر استطاعتهم، يمتّعون عيونهم وأنوفهم وحلوقهم وبطونهم ويتمجّدون في عيون ضيوفهم، ولا يتعدّى ما يستهلكونه من الأطايب سوى واحد في المائة أو واحد في الألف، ثم يُلقون الباقي في صندوق القمامة. ثمّ بعد سهرة عامرة يقضونها حتى الساعات الأولى من الصباح يعودون إلى بيوتهم سكارى يترنّحون متخمين، وقد يتقيّـأون في الطريق أو يشعرون بالأطعمة كالحجارة في أجوافهم ويلجأون إلى الحبوب المهضّمة، لتساعدهم في حلّ مشكلة خلقوها لأنفسهم. ثم يصحون في اليوم التالي متعبين، مُنهَـكين، مصابين بعسر الهضم. أية خدمة أدَّوها لأنفسهم أو لأجسادهم المسكينة التي يفرضون عليها لعنة المتعة وما يترتّب عليها من تبعات لم تخطَّها سنن الطبيعة في أبدانهم؟ ألا يستحيل الإنسان، والحال هذه، عبداً لمتعته، وتالياً عدوّاً لنفسه؟!
وقس على ذلك بالنسبة لكل شهوة من شهوات النفس والجسد. يستهلك الإنسان نفسه والآخرين التماساً لمتعة ملعونة. كل العلاقات، علاقة الإنسان بنفسه، علاقة الزوج بالزوجة، علاقة الناس بالناس، علاقة الناس بالله تستحيل مجالاتٍ يطلب فيها المرء متعة نفسه. تحكمه اللذّة. علاقات الناس بالناس تستحيل علاقاتِ منافع ذاتية وإمتاع. كل يطلب نفسه في الآخرين. كل يمتّع نفسه بهم، يستغلّهم، يستهلكهم، وإذ يستنفدهم ينصرف عنهم غير مبالٍ بما خلّفه فيهم.
الزاني لا يعرف ان يحبّ. هو لا يحبّ نفسه فكيف يحبّ سواه؟! شاء ان يعبد نفسه فاستُعبد لهواه، لما هو مخالف للطبيعة. أليس ان مَن يصنع الخطيئة يصير عبداً للخطيئة؟! هكذا يستعبد الناس بعضهم بعضاً وتستعبدهم أهواؤهم. يمسكون القرش عن الفقير ويُخرجون اللقمة من فمه، ثم يُلقون بكل مالهم في جوف التنين الذي هو أهواؤهم.
على هذا النحو يموت الحس، شيئاً فشيئاً، في نفس الزاني. تشدّه عبوديته للذّة إلى الموت. يصير عاشقاً للموت، عميلاً للموت، خادماً للموت وهو لا يدري. هو يظنّ العكس. يظنّ ان اللذّة هي الحياة وانه باتّباعها يطلب ملء الحياة. ولكنه مخدوع. اللذّة فيه هي الخدعة، هي الكذبة الكبرى. للمتعة مظهر الفرح لكنها لا تخلِّف سوى الحزن والألم والفراغ. لها مظهر الحياة لكنها طعم الحياة المائتة، مذاق العدم، رائحة الموت. الزاني يبثّ الموت في نفسه وحواليه كيفما تحرّك. الزنى تفكيك للحياة. أتظنون أن ما أقوله تنظير؟ اسمعوا ما يقوله القدّيس يعقوب الرسول:"من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا من لذّاتكم المحاربة في أعضائكم؟ تشتهون ولستم تمتلكون. تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون ان تنالوا. تخاصمون وتحاربون ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون. تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديئاً لكي تنفقوا في لذّاتكم" (يع 4). كل مآسي الأرض، كل الحروب، كل المجاعات، كل الأمراض نابعة من هنا "من لذّاتكم المحاربة في أعضائكم". لذلك الزنى تعدٍّ على الطبيعة، تعدٍّ على الله. "ليس الجسد للزنا بل للرب والرب للجسد... ألستم
تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية" (1 كور 6). هذا المسرى المنافي للطبيعة له في لغتنا الكنسية تسمية واحدة هي الخطيئة. الخطيئة، في العمق، هي الزنى بالمعنى الشامل. ما كان الإنسان ليقع في خطيئة الزنى لو لم يكن قد أسلم نفسه لزنى الخطيئة أولاً. الخطيئة زنى على الله، خيانة لله، انقطاع للشركة مع الله. لذلك دُعيت إسرائيل لما خانت ربّها زانية. والخاطئ الزاني يحبّ الموت.
تشتاق الخطيئة فيه إلى العدم. تشدّه إلى الموت رغماً عنه، فيَسقط ذِكرُه من سفر الحياة. "مَن أخطأ إليّ"، قال الرب، "أمحوه من كتابي" (خر 32). "مَن وُلد من الله لا يخطئ" (1 يو 5) ولا يستطيع أن يخطئ لأن زرع الله يثبت فيه. مَن يفعل الخطيئة من معدن إبليس يكون. يصير إبليسُ أباً له من دون الله "لأن إبليس من البَدء يخطئ" (1 يو 3). إبليس هو الزاني الأكبر وأبو الزواني.
ما يضربه الزنى في الناس
يضرب الزنى أهمّ ما في الإنسان: الحب والحياة والحرّية. يمسخ الحبّ ويُفسد الحياة ويُجهض الحرّية. لماذا يمسخ الحبّ ؟ لأن الحبّ شركة حياة. لأن الحبّ هو ان يتبنّى الشريك شريكه، أن يلتزمه، أن يكون أميناً له إلى المنتهى، أن يعينه، أن يحبّه كنفسه. علاقة الشريك بالشريك، في كتابنا العزيز، هي على نحو علاقة المسيح بالكنيسة. فما الذي يفعله الزنى بهبة الحبّ هذه؟ يُجَسْـدِنُها. يجعلها علاقة أجساد، علاقة مشاعر وأحاسيس مريضة. يستعمل الزاني الآخرين ويستعمل جسده استعمالاً كآلات للمتعة. اهتمامه بالآخرين هو اهتمام بتحقيق مأربه في الآخرين. الزاني لا يحبّ ولا يمكنه ان يحب لأنه لا يخرج من ذاته ولا يستطيع لأنه لا يطلب إلا ما لنفسه. المتعة فيه تخدّر قلبه، تجعله ثقيلاً بلا إحساس، بلا قلب. يضرب الزنى قلب الإنسان بالعقم. ليس للزنى من الحب سوى الشكل الخارجي نظير التماثيل ليس لها من الناس سوى المظهر ولا حياة فيها. لكل ذلك الزنى هو الحبّ ممسوخاً، هو الحبّ مزيّفاً. الزنى هو ضد الحبّ. الزنى هو الخداع، هو الرياء في الحبّ. الزنى قتلٌ للحبّ، لِذا قتلٌ للآخر.
والزنى، أيضاً، يُفسد الحياة. لماذا؟ لأن الزاني يستعمل القوى الحيوية فيه في غير محلّها. يبدّدها. تستحيل عنده أدواتٍ للمتعة. بدل ان تكون للبناء تصير للهدم. يهدم نفسه والآخرين لأنه لا يحبّ. وحده الحبّ يعطي الحياة، يشيعها، ينميها. لا يهتمّ الزاني بالحياة إلا بمقدار ما يحصّله لنفسه منها. لا يتعهّدها ولا يفرح بها. لا تعنيه إلا بمقدار ما تقدّمه له. يأخذ منها ولا يعطيها. وإذا ما أعطاها فليأخذ منها. همّه الأخذ لا العطاء. هو، في المدى الأخير، يأخذ حياة ويبثّ موتاً لذلك يفسد الحياة باستمرار.
والزنى، أيضاً، يُجهض حرّية الإنسان. الزناة يظنّون العكس. يعتبرون الزنى تعبيراً عن حرّيتهم الشخصية. يحسبون أنفسهم أحراراً من عقدة الجسد. الحرّية، عندهم، هي ان يطلقوا العنان لأهوائهم. الحصان الجامح الذي ليس له ما يلجمه ولا ما يضبطه إلى أين يُفضي بصاحبه؟ إلى الهلاك لا محالة! فالأهواء قوّة غاشمة تحتاج إلى كبح ولجم. الضبط، بلغة اليوم، واأسفاه، يسمّونه كبتاً. يحاولون ان يتخلّصوا من التوتّر الداخلي، من المشاداة الداخلية فيهم، بالاستسلام لأهوائهم. لكن الأهواء، إذا ما استسلمنا لها، لا تعطينا سلاماً بل فراغاً وجوعاً وموتاً. الأهواء لا تُشبَع. الاستسلام لها يزيل التوتّر الذي تحدثه، بصورة مؤقتة. وإن أدّى هذا إلى شعور بالنشوة فإن شعوراً بالفراغ يتبع ثم يليه شعور بالجوع أشدّ. والأهواء أيضاً تجعلنا نفقد حرّيتنا الداخلية. الإنسان قد يستسلم للأهواء عن اختيار، بملء حرّيته، لكنه بعد ذلك يصبح أسيراً لها. "مَن يصنع الخطيئة"، كما يقول الكتاب المقدّس، "يصبح عبداً للخطيئة". مَن يُدمن المخدّرات يصبح عبداً لها. بالعكس، الحرّية مرتبطة بالحبّ، مرتبطة بالحق. ولو كانت نفس الإنسان ميّالة إلى الخطيئة، بسبب حالة السقوط التي هو فيها، فإن عليه أن يضبط نفسه، أن يخرج من نفسه، ان يتبنّى الآخرين لأجلهم هم لا لأجله هو. إذ ذاك يصير حرّاً. المحبّة هي التي تحرّر الإنسان. تحرّره من الموت الذي فيه. بالمحبّة وفقط بالمحبّة يصير الإنسان حرّاً وتدوم حرّيته.
ما الذي يُحدثه الزنى في النفس؟
بالزنى تضعف إرادة الإنسان وقد تصل إلى حدّ الإنحلال. ويصيب شخصيّته التلفُ وتتفكّك أوصال نفسه فلا يعود قادراً على الصمود أمام سطوة الشهوة وإغرائها. بمجرد ان تتراءى له تستبد به فيحشد قواه ليستجيب لها. يقع في براثنها كما يقع الفأر في مخالب القط. يتذرّع بأنه لا يقدر. يتعلّل بعلل الخطايا. قد يزعجه ضميره لبعض الوقت وقد لا يزعجه. قد تكون حجّته ان كلّ الناس هكذا يفعلون. قد يدّعي انه هكذا خلقه الله وان ما يفعله هو أمر طبيعي. مهما يكن المنطق الذي يعتمده فإن صوت ضميره لا يلبث ان يخفت ويتخدّر حسّه وتظلم نفسه ويُمسي مغشياً عليه، في دوار، نصف نائم. وإذ يستغرق الزاني في زناه تتمحور اهتماماته، بالأكثر، في روح الزنى. بدل ان يكون الحبّ هو محور الحياة بالنسبة إليه يصبح الزنى محور الحياة. كل شيء ينطلق، في نفسه، والحال هذه، من عشق الأجساد ويصبّ في التوق إلى الأجساد. الثياب، العطورات، الكحول، التدخين، المآدب، السهرات، الأضواء، اللياقات، كلّها تصبح مشبعة بروح الزنى، إطاراً لروح الزنى تتوخّى إشباع شهوة الزنى لديه. حيويته ونشاطه، إذ ذاك، يستمددهما، بصورة خاصة، من روح الزنى. بدون زنى تمسي الحياة في عينيه باهتة، لا طعم لها ولا قيمة.
نقلاً عن موقع عائلة الثالوث القدوس

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات