كيف نتكلم عن الموت مع المرضى الذين دنت وفاتهم[1]
تعريب الأب د. يوحنا اللاطي[3]
سؤال: أنا طالب طب على احتكاك مع كثير من الأشخاص الذين لا يعلمون أو يرفضون أن يعلموا أن وفاتهم دنت. ما دوري كمسيحي علماً أنني أيضاً غير قادر أن أحيا كل لحظة كالتي سلفت؟
المطران أنطوان: الجواب على هذا السؤال يتطلب شيئاً من التحليل. إن مسألة الذين دنت وفاتهم لا تختص بالطبيب والكاهن فحسب، ولكن بكل المحيط العائلي. ففي هذا الظرف الذي يجب فيه على من دنت وفاته أن يكون مجهَّزاً لينفصل عن الأرض لكي يدخل الحياة الأبدية، لا يجوز أن يتدخل أحد بداعي الوظيفة. والسؤال الأول هو: هل يجب أن نقول لشخص ما إن الموت يترصدك؟. في إعتقادي أنه يجب ألا نرمي على وجه شخص ما جملة كهذه من غير أن يكون لها إطار مناسب. أنْ نقول لشخص ما غير مستعد للموت: "ستموت"، شيءٌ يمكن أن يرميه في يأس لن يُمكنَِك من بعد أن تنتشله منه. وفي المقابل أنْ لا نقول له أيَّ شيء أمرٌ يغرقه في غيبوبة ومن حقِّه أن يعرف عن موته الخاص. يجب أن نميِّز في هذا المجال، أننا لا نحضِّر الأشخاص للموت ولكن للدخول في الحياة الأبدية. وبالتالي ما يجب التكلم عنه هو الحياة، وليس الموت.
إني أرغب أن أعطيكم المثال التالي على ذلك. عرفت أحدهم نُقل إلى المشفى بعد أن أصيب بسرطان. هو لم يكن يعلم أن الموت قريب جداً منه في حين أن محيطه كان يعلم. قال لي: "ما العمل؟ أنا مريض. أنا لا أقدر على القيام بشيء". أجبته: "تذكَّر، أني سمعتك تقول خلال عشر سنوات أنَّ حلمك هو أن تبطئ الحياةُ دورتَها، لكي يكون لك متسع من الوقت لتنصرف لنفسك وتتعمق فيها. إنك ما فعلت هذا أبداً. الله يقدم لك هذه الفرصة: أنت مريض ولست مسؤولاً عن شيء الآن. فكِّر، وأعد النظر في حياتك كلِّها". قال: "لكن كيف يكون ذلك؟". فشرحت له أنّ المرض كالموت يرتبط بعدة عوامل فيزيائية وروحية أيضاً وقلتُ: "ثمة أفكار سلبية وأوضاع نفسية قاتلة: الحقد يقتل، الحسد يقتل. ثمة قوى أخرى تقتل فينا الحيوية وبالتالي تقتل الحياة نفسها. أعد النظر إذاً في حياتك. تسالم مع الذين حولك، ولست على انسجام معهم. أَقصِ عنك كل حقد وكل كره وكل شعور بالذنب وكل ما هو مدمر فيك. ثم جُلْ في ماضيك وهناك أيضاً أقم السلام".
بعد مضي بضعة أسابيع، قال لي ذلك الرجل: "أتعلم. الأمر غريب. إني أضْعُفُ أكثر فأكثر، وأشعُرُ أني أموت. مع ذلك، ما شعرت يوماً أنني أكثر حياة من الآن". فتابعنا التفكير وقال لي في وقت لاحق أيضاً: "طالما ظننت أن الحياة منوطة بي وبصحة جسدي. لكن بقدر ما أنا أضعف في جسدي بقدر ما أكتشف أنني شخص لا تؤثر عليه هذه الحالة الصحية. أنا أحيا بينما جسدي يذبل". آنئذ بدأنا بالحديث عن موته ودخل في الموت كما لو أنه كان يتجاوزه بالحياة. دخل الموت وهو يشعر (برغم موت جسده)، أن شدة الحياة في نفسه أقصت كلياً خوفه من الموت. كان يعلم أن الحياة هي فيه وأنَّ وجوده منوطٌ بالله وحده. في تلك اللحظة، يمكن لنا التكلم عن الموت. لكن أن نرمي على وجه أحد ما جملة مثل: "هل تعي ذلك. إنه سرطان. ستموت بسببه" هو شيء لابشري ومغلوط.
مَنْ عليه فعلُ كل ذلك؟ إنه الشخص الأقرب لمن دنت وفاته. يمكن أن يكون الطبيب أو الممرضة أو الخادمة أو الزوجة أو الزوج أو صديق ما أو أي شخص آخر، والكاهن أيضاً بالطبع. ولن يفعل ذلك بداعي الوظيفة لكن بداعي موقعه الملموس لمن دنت وفاته، وهذا الأمر له كل الشأن. والذي سيفعل ذلك أيضاً هو شخص مستعد أن لا يهرب بل أن يقبل نتائج أقواله.
عندما تعود مريضاً ما وتجلس بقرب سريره وتقول له بشكل أو بآخر، فجأة أو شيئاً فشيئاً إنّ عليه أن يواجه الموت، فهذا يستدعي منك شجاعة لتبقى إلى جانبه طيلة الوقت اللازم. عليك أن تبقى حاضراً بين اللحظة التي تصدم فيها الشخص بهذا الخبر، واللحظة التي سيعود فيها إلى رشده. أن توجه صدمة لشخص ثم تقول له: "سأدَعُك لحظة لأُحضِرَ لك كأس شاي"، يعني أنك تركته وحيداً قبالة الموت. وهذا يمكن أن يكون أكثر مما يستطيع تحمله من غير أن ينجرح أو ينكسر في عمق كيانه. يجب أن نعرف كيف نمكث إلى جانب هذا الشخص للحظة أو لساعات حتى يعود إلى الحياة من جديد. يجب أن نعرف أن نعود كذلك وأن نتكلم أيضاً عن الموت.
إن أحد الأسباب التي لأجلها يجب أن نتكلم عن الموت مع شخص ما بعد أن نكون حضّرناه ليس للموت لكن للحياة بشكل مختلف ليس لأنَّ هذه هي الحقيقة، وإنما لأنَّ لحظة ستأتي يعلم فيها الشخص المريض، أنّ الموت آت. عندما لا نقول له أي شيء، فإنه سيجد نفسه محبوساً في كذبة. لن يجرؤ على أن يقول لمن يحيطون به: "أوقفوا هذه المهزلة، أنتم تعلمون إنني أموت". والآخرون بدورهم لن يجرؤوا على التكلم معه. بذلك ستكون الوحدة أثقل على من دنت وفاته من معرفة أن الموت قريب. أنا أكيد من هذا الأمر وقد رأيته وعِشْتُه عن قرب شديد. يجب كسر هذه القشرة، وكسر هذه الدائرة الحديدية التي تجعل من المرض والموت شيئين أصعب بكثير مما هما عليه.
خلال مرضها الأخير، كانت أمي تعلم أنها ستموت فقد قلت لها ذلك. قالت لي مرَّتين: "كم هذا غريب. إني أموت، ومع ذلك ما كنا أبداً سعيدين معاً كما نحن الآن". إن إرادة أنْ نجعل من كل حركة ومن كل جملة هذه التحفة التي فيها الحياة هي الأوج إذا ما أتى الموت في نفس اللحظة قد أعطت من دون شك حياتَنا خلال أعوام مرض أمي الثلاثة عمقاً ما وصلناه أبداً قبلاً.
لقد أتيحت لي الفرصة لمواكبة مرضى خلال خمسة عشر عاماً، وبث الحياة في أرواحهم في لحظات الموت، لا تستخِفُّوا بما أقول. أقول لطالب الطب أن يتعلَّم ألا يخاف من الحقيقة، وأن يتعلَّم كيف يمنح الذي سيموت اليقينَ وأنه سيكون إلى جانبه حتى اللحظة الأخيرة، وحتى إلى ما بعد هذ اللحظة الأخيرة الظاهرية للموت. وعندما يقع من دنت وفاته في السبات، لا يجب القول: "إنه لا يحس بشيء الآن. يمكننا تركه يموت في زاويته".
أتذكر خلال الحرب جندياً وقع في السبات. كان الراعي الشاب الذي يهتم به يقول وهو يدمع في الممر: "لا أستطيع شيئاً حياله فهو لا يسمعني ولا يستطيع أن يجيبني". قلت له: "أنت لا تعرف ما يمكن أن يسمعه، وما يمكن أن يَصِلَه. أُدخلْ غرفته واجلس بقربه، واقرأ إنجيل قيامة لعازر". فدخل وقرأ ثم قرأ الأناجيل الأربعة، لأن السبات دام عدة أيام. والمدهش أن هذا العسكري قبْلَ أن يموت، استفاق وقال للراعي: "ما قدرتُ أبداً أن أعطيك إشارةً ما، لكنني سمعتُ كلَّ شيء قلتَه". إذاً كل ما في وسعنا فعله هو المشاركة.
1 النص التالي جواب على سؤال طُرِح على المطران أنطوان بعد محاضرة ألقاها وعنوانها "كحي عاد من الأموات". هذا النص منشور بالفرنسية في نشرة Pages orthodoxes de la transfiguration الألكترونية على الموقع http://www.pagesorthodoxes.net، العدد 20، تشرين ثان 2004 وفي مجلة Contacts المجلد 27، العدد 89، 1975.
2 هو من ألمع وجوه الأرثوذكسية في القرن العشرين. إشتهر في أوروبا الغربية وفي روسيا بفضل وعظه المتميز. وكان أباً روحياً مميزاً. تأثر به كثيرون في شرقنا بشكل خاص بعد ترجمة كتابه الأول: مدرسة الصلاة (1972) إلى العربية. له العديد من المقالات والكتب المنشورة والبرامج الإذاعية. كتابه الأخير "سر الشفاء" (2002) يحتوي على خبرته كأب روحي في التوبة والاعتراف. أنطوان السوروجي (أندريه بلوم) كان مطراناً على أبرشية بريطانيا وإيرلندا التابعة لبطريركية روسيا. ولد العام 1914 في لوزان في عائلة روسية. أبوه كان دبلوماسياً وأمه أخت المؤلف الموسيقي ألكسندر سكريابين. أمضى طفولته في روسيا وإيران حيث كان والده في مهمة دبلوماسية. أتى إلى باريس بعد الثورة ككثير من الروس ودرس الطب ومارس عمله كجراح. خلال الحرب العالمية الثانية إنخرط في المقاومة. كما انخرط بالمقابل في حياة الكنيسة. الأعوام 1943 و1948 على التوالي، رُسِم راهباً وكاهناً. بعد رسامته كاهناً أُرسل إلى لندن حيث أوجد أبرشية كاملة. رُسم أسقفاً العام 1958 وانتخب رئيس أساقفة سوروج العام 1962. رقي إلى درجة الميتروبوليتية العام 1963. كان أيضاً مساعد بطريرك روسيا في أوروبا الغربية. طلب مراراً إعفاءه من مهامه لكن المجمع المقدس لبطريركية موسكو كان يرفض إلى أن قبل وأعلن ذلك في 30 تموز 2003. توفي المطران أنطوان في 4 آب 2003 (راجع موقع الكنيسة الروسية http://orthodoxeurope.org/page/19/2/4.aspx).
3 راعي كنيسة القديسين بطرس وبولس – دمر. أستاذ الألسنية العامة في قسم اللغة الفرنسية في جامعة دمشق.
النشرة العددان الخامس والسادس 2007
المفضلات