عشــرون سنـة علـى أسقـفـيـة المطــران بـنـدلــي
مـنـازل كـثـيـرة فـي الـقـلـوب
سليم الضاهر
عشرون سنة مرت على أسقفية رجل الله المطران بولس بندلي، راعي مطرانية عكار وتوابعها للروم الأرثوذكس. عشرون سنة سبقتها أربع وعشرون أمضاها كاهناً، في حقل الرب، حقل خدمة الإنسان، كل إنسان، في رعية بشمزين (الكورة)، ووكيلاً عاماً لمطران طرابلس والكورة المتروبوليت الياس قربان، كان خلالها "أميناً على القليل". فعمل واجتهد لينال مرضاة الله، فأقامه "أميناً على الكثير"، وأنعم عليه بالوزنات الكثيرة". ففي الخامس والعشرين من كانون الثاني 1983 انتخبه المجمع المقدس الأرثوذكسي، المنعقد في دمشق، برئاسة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم، مطراناً على أبرشية عكار وتوابعها، خلفاً للمطران أبيفانيوس زائد. وبحصوله على ملء الكهنوت، من خلال انتخابه على رأس هذه الأبرشية، أنيطت بالمطران بندلي رعاية النفوس وشؤون المؤمنين في إحدى أكبر الأبرشيات الأرثوذكسية في لبنان وسوريا. إذ بالإضافة إلى رعايا الروم الأرثوذكس في عكار، تضم الأبرشية أيضاً 63 "حاضرة" في سوريا، كما أعلن يومها.
سمع المطران بندلي، وهو لا يزال صغيراً في كنف عائلته التي عرفت بمحبة الله والتقوى والصلاح، وفي كنيسة الرعية في الميناء (طرابلس) حيث ولد، أقوال المسيح الإله في الإنجيل، خاصة أقواله "... لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، ومحبوساً فزرتموني...". لقد سمع كلام الله وعمل به. فمنذ بداية حياته الكهنوتية، فتح قلبه ويديه وأبواب الرعية لكل إنسان، خاصة المحتاج، وعمل بتواضع وصمت، حتى أن يده اليمنى لم تكن تعلم ما تفعله اليسرى. وعندما ازدادت مسؤولياته كأسقف، تابع سيره في درب الروح والخدمة على كل صعيد، إذ رأى المسيح في الفقير والمحتاج والمريض والحزين، فكرّس حياته لخدمة هؤلاء.
رجل المؤسسات
بنى المطران بندلي، وهو رجل العلم الحائز على إجازة في الفيزياء، ومنذ السنين الأولى لأسقفيته، مؤسسات تربوية وصحية بارزة، حتى ليصح أن يقال عنه أنه رجل مؤسسات. إذ أسس المدرسة الوطنية الأرثوذكسية، في الشيخ طابا، بالقرب من مقر المطرانية، ومحضها كل الدعم، حتى أصبحت في طليعة المدارس في عكار. وأيضاً، وبتوجيه من سيادته، فإن العديد من تلامذتها الفقراء تلقوا العلم فيها مجاناً، مما سبب صعوبات مالية واجهتها المدرسة في سنوات سابقة.
كما أسس مدرسة للتمريض في الشيخ طابا، خرّجت اختصاصيين يعملون في مؤسسات استشفائية أو صحية في عكار والشمال. ومن ضمن نشاطات المدرسة مبادرتها إلى تنظيم ندوات ومحاضرات حول مواضيع صحية شتى.
شجّع سيادته مؤسسات المجتمع المدني في عكار، من ثقافية وتربوية واجتماعية ونوادٍ وغيرها، من خلال مشاركته في نشاطاتها، ومن خلال كلامه الأبوي الذي من شأنه أن يحث هذه المؤسسات على الاستمرار في التزامها تجاه المجتمع، وبالتالي استمرار عطائها، بالرغم من صعوبة الظروف الاقتصادية التي يواجهها اللبنانيون. نذكر هنا، مشاركته المشكورة في نشاطات الجمعية اللبنانية لإسعاد الطفولة، والتي استضافت معظمها المدرسة الوطنية الأرثوذكسية. من هذه النشاطات تكريم الجمعية للمتفوقين في شهادة البريفيه في عكار في التسعينات. ويومها فوجئنا، زملائي وأنا، بأن "المسؤول التربوي" في الشمال آنذاك لم يحضر، مع أن التكريم كان برعايته. وبشكل طبيعي جداً، وبعد أن تشاورنا، قررنا التمني على سيادته إلقاء الكلمة الرئيسية فقبل مشكوراً. ولما حان الوقت قام وارتجل أمام الجمهور الحاشد كلمة قيمة.
رجل الوطنية والشأن العام
عُرف المطران بندلي باتخاذه مواقف وطنية تعكس قناعاته ونظرته إلى لبنان الوطن ودوره في العالم العربي. فهو منذ العام 1984 دعا أبناء الأبرشية إلى دعم المقاومة الوطنية، لأن العدو الإسرائيلي ينتهك صورة الإنسان وكرامته، قائلاً: "... في بلدنا الجريح لبنان، خصوصاً الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، هناك عدو ينتهك صورة الإنسان وكرامته انتهاكاً عظيماً ضارباً بعرض الحائط كل توصية إنسانية وكل صرخة وجدانية توجه إليه... ندعوكم إلى تشجيعها (المقاومة الوطنية اللبنانية)، وهكذا تشتركون في المحافظة على كرامة الإنسان في بلدنا من شماله إلى جنوبه، وتؤكدون وحدة هذا البلد وتمسككم بها". ويوم بادرت الجمعية اللبنانية لإسعاد الطفولة إلى تنظيم اللقاء التضامني الأول في عكار في يوم التضامن مع الجنوب والبقاع الغربي في 14 آذار 1995 كان المطران في مقدم الحضور.
ولم يترك المطران بندلي مناسبة تمر أثناء سنوات الحرب، من دون التشديد على أهمية وحدة لبنان ورفضه التقسيم، وعلى مسؤولية جميع اللبنانيين في المحافظة على هذه الوحدة. وهذا ما أكده أثناء المؤتمر المسيحي العكاري الذي عقد في القبيات في العام 1988، إذ قال "إن خلاص لبنان هو في وحدته. لذلك علينا مسؤولية مصيرية في المحافظة على هذه الوحدة".
العلاقات المسيحية - الإسلامية
في إطار العلاقات المسيحية الإسلامية، كان المطران بندلي في مقدم المبادرين إلى تأييد أي طرح أو عمل، من شأنه أن يحقق مزيداً من التواصل، وبالتالي التماسك المجتمعي في عكار. سنكتفي بالإشارة إلى بعض المحطات الأساسية. وفي الأساس لا يؤمن المطران بندلي بأن ما هو قائم بين المسيحيين والمسلمين في لبنان هو "تعايش"، كما كتب في العام ،1994 بل "عيش" لأنه يعتقد أن "كلمة التعايش لا تفي بحد ذاتها حق أبناء بلدي لأنها... توحي أن أشخاصاً غرباء عن بعضهم البعض، ولا شيء يجمعهم، يودون أن ينصهروا في بوتقة واحدة بطريقة مصطنعة لكي يؤلفوا أساساً لبلد موحد..." ويوم زرناه لاستشارته حول فكرة عقد ندوة عن "القيم المشتركة في المسيحية والإسلام" تدعو إليها لجنة التفاعل المسيحي - الإسلامي بمناسبة عيد الميلاد في العام 1992، على أن تشارك فيها قيادات روحية وشخصيات إسلامية ومسيحية من عكار ولبنان، رحب بذلك، عارضاً علينا المساعدة. إثر ذلك بادرت المجموعة المساهمة في تنظيم الندوة إلى عقد اجتماع في مقر المطرانية، برعاية المطران، تم خلاله الاتفاق النهائي على مختلف جوانب الندوة.
ولما زرته في أوائل كانون الأول 2001 لاستشارته حول مضمون البيان الذي أصدرته المؤسسة الوطنية للتفاعل الإنساني والقيم في 3/11/2001، حول الدعوة إلى مأسسة العلاقات بين الرؤساء الروحيين في عكار، أي متابعتها وتنميتها من خلال مؤسسة، رحب بهذه الدعوة. كما رحب مسؤولون روحيون آخرون بها. ومن المهم أن نشير إلى أن المطران بندلي أقام علاقات متينة مع مفتي عكار الراحل الشيخ بهاء الكيلاني، ومع رؤساء دائرة الأوقاف الإسلامية في عكار، الذين تعاقبوا على هذا المركز، بعد وفاة الكيلاني، وغيرهم من علماء الدين المسلمين.
إن علاقة المطران بندلي مع مطارنة الكنائس الشقيقة في الشمال تتسم بالمحبة والاحترام المتبادل والتعاون. على سبيل المثال نذكر بمشاركة للمطران بندلي وأبناء الأبرشية، في استقبال البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، أثناء زيارته التاريخية لعكار، في 29 آب 1998، وكما يؤكد العارفون، فإن المطرانين بندلي ورياشي يتبادلان الزيارات باستمرار، خاصة أنهما - والمطران يوحنا فؤاد الحاج - معروفون بانفتاحهم وتأييدهم إعادة وحدة الكنيسة.
الابن البار للكنيسة الأرثوذكسية
هذه الشخصية الدينية البارزة كان من الطبيعي أن تكون محط تقدير الجميع في عكار. لقد محض أبناء العائلة العكارية، من جميع الطوائف والمذاهب، المطران بندلي، التقدير. أحبوه كواحد منهم، فهو "المبارك الآتي باسم الرب".
من هنا كان تقدير الناس للمطران بندلي، وهو انعكاس لتقدير الله له، إذ كلّله خلال هذه السنوات المباركة، بالمجد والكرامة. وسيادته مستحق مستحق مستحق. لقد بنى له منازل في قلوب الناس الذين رأى في كل منهم صورة المسيح، المدافع الأول عن أخوته "هؤلاء الصغار". ولا عجب في ذلك فهو الابن البار للكنيسة الأرثوذكسية المتجذرة في الروحانية الشرقية.
فمبروك له هذه المنازل لأنها الوحيدة الجديرة بأن تحتسب في حضرة الإله الديان، إله المحبة والعدالة والمراحم. إن أعمال المطران بندلي تشهد على أنه يجسد القيم الإنجيلية بشكل بهي، في مقدمها المحبة والتواضع والوداعة والحكمة. ويسعدنا جداً اليوم، وسيادته يطل على الخامسة والسبعين، أن نقول له ومعنا أصدقاء ومقدرون كثيرون من أبرشيته ومن جميع الطوائف في عكار والشمال "إلى سنين عديدة يا سيد".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات